ماذا بعد الإعلان عن بدء المرحلة الثانية من اتفاق غزة؟

المرحلة الثانية ستكون امتداداً للانتهاكات والسياسات التي تبنّتها الحكومة الإسرائيلية في المرحلة الأولى، وفي المقابل لن تتخذ الدول الضامنة مواقف مغايرة عن المرحلة الأولى.

  •  التعاطي الإسرائيلي مع استحقاقات المرحلة الثانية سيكون بطيئاً ومجتزئاً وهشاً.
    التعاطي الإسرائيلي مع استحقاقات المرحلة الثانية سيكون بطيئاً ومجتزئاً وهشّاً.

أعلن المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف عن بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وأعلن عن تشكيل لجنة إدارية فلسطينية وأطلق عليها اسم، اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وتمّ اختيار نيكولاي ملادينوف، المبعوث السابق للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، ليكون قناة الاتصال بين اللجنة و"مجلس السلام"، برئاسة دونالد ترامب، وبالفعل مارس ملادينوف أولى مهامه واتصل بأعضاء اللجنة الفلسطينية وعددهم خمسة عشر، على أن يتابع كلّ عضو منهم ملفاً مدنياً كالتعليم والصحة والاتصالات والمياه والزراعة وغيرها، ويترّأس اللجنة علي شعت، نائب وزير التخطيط الفلسطيني السابق.

على الرغم من توجّهات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة الرافضة لوجود علاقة بين اللجنة الإدارية الفلسطينية المشكّله والسلطة الفلسطينية وحركتي فتح وحماس، بيد أنّ غالبية الأعضاء ينتمون لحركة فتح والسلطة الفلسطينية أو مقرّبون منهما، وتتهم مصادر إسرائيلية أحد أعضاء اللجنة بأنه عضو قيادي في حركة المبادرة الفلسطينية التي يترّأسها مصطفى البرغوثي، ذات التوجّهات والمواقف الوطنية القريبة من مواقف المقاومة الفلسطينية، وللتذكير فقد صرّح نتنياهو علانية غير مرة بأنه في اليوم التالي للحرب على غزة، لن يكون هناك لا "حماس"، ولا سلطة فلسطينية.

بعد تصريحات ستيف ويتكوف وإعلانه عن بدء المرحلة الثانية من اتفاق غزة، باركت مختلف الأطراف الخطوة وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعمه للجنة الإدارية الفلسطينية وتأكيده المضي قدماً في الاتفاق، كما رحّبت الفصائل الفلسطينية والسلطة الفلسطينية والوسطاء بتشكيل اللجنة وبدء المرحلة الثانيه، بيد أنّ الحكومة الإسرائيلية التزمت الصمت، وصدرت تسريبات إعلامية مقرّبة من مكتب نتنياهو تعتبر الإعلان عن بدء المرحلة الثانية إعلاناً رمزياً، وأنّ أعضاء اللجنة كافة تمّت الموافقة عليهم من جهاز الشاباك الإسرائيلي وأنهم ينتمون لحركة فتح ولا يتبنّون مواقف المقاومة الفلسطينية، وذلك في محاولة لتبرير المواقف السابقة لنتياهو وحكومته أمام قواعدهم اليمينية المتطرفة، التي رفضت مشاركة حماس أو فتح في حكم غزة بعد الحرب.

في اليوم الثاني من الإعلان الأميركي عن بدء المرحلة الثانية، قامت طائرات "الجيش" الإسرائيلي باغتيال قيادي في المقاومة الفلسطينية وأسرته، وفي حادث آخر استهدفت مجموعة فلسطينية من كوادر الأمن الداخلي، واستشهد عدد من الفلسطينيين، الأمر الذي يفسّر الصمت الإسرائيلي عن الإعلان عن المرحلة الثانية، واعتباره مجرد إعلان رمزي، ما يعني أنّ "إسرائيل" تعتزم الاستمرار في سياساتها العدوانية تجاه غزة بصرف النظر عن مسارات تنفيذ الاتفاق واستحقاقاته، كما أنّ تنفيذ عمليات الاغتيال والقتل مباشرة بعد بدء المرحلة الثانية، أراد منها نتنياهو إرضاء قاعدته اليمينية وتثبيت قواعد الاشتباك التي أعقبت الإعلان عن وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي.

ومع الإعلان عن تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة، والتصريحات والمواقف المصاحبة لها، تكون المرحلة الثانية قد بأت رسمياً، بيد أنّ ما هو مطلوب من اللجنة ومرجعياتها أكبر بكثير من تقلّد المهام في الإطار النظري فقط، فالتحدّيات أمامها كبيرة، أبرزها التحدّي الإسرائيلي غير المتحمّس لها، وسيعمد لإفشالها وإجهاض دورها الأساسي في استعادة الحياة المدنية الأساسية في غزة، وتوفير الحد الأدنى من المتطلّبات الإنسانية من إيواء للعائلات المشرّدة في الخيام وتوفير المياه النظيفة والغذاء والكهرباء والصرف الصحي، وإنقاذ المسار التعليمي المدرسي والجامعي بعد نحو عامين ونصف العام من تجميد العملية التعليمية، والعمل على تأهيل القطاع الصحي الذي دمّره الاحتلال، الأمر الذي يحتاج لتأهيل شامل للبنية التحتية، والخطوة الأولى يجب أن تبدأ بإزالة الركام والأنقاض، التي تحتاج لمعدات ثقيلة ونوعية، ولا يزال الاحتلال يمنع دخولها، كونه المتحكّم الرئيسي في كلّ ما يدخل قطاع غزة، من غذاء ودواء ومُعدّات، وفي حال تأخّر فتح معبر رفح أو تمّ فتحه جزئياً، وإذا ما تمّت عرقلة حركة الأفراد والبضائع والمعدّات، فإنّ نجاح مهمة اللجنة الوطنية لإدارة غزة ستكون محفوفة بالمخاطر بل وربما محكوم عليها بالإفشال الإسرائيلي المتعمّد.

وفقاً للصلاحيات الممنوحة للجنة الوطنية لإدارة غزة، فإنّ مهامها تشمل العمل في مساحة قطاع غزة كافة، بيد أنّ الرفض الإسرائيلي للانسحاب التدريجي شرق "الخط الأصفر " بحسب اتفاق وقف إطلاق النار،  سيحدّد عمل اللجنة في المنطقة الواقعة غرب "الخط الأصفر" والتي لا تتجاوز  40% من مساحة غزة، والمرشحة لمزيد من القضم المتدرّج في ضوء السياسة الإسرائيلية المتبعة منذ بدء إتفاق وقف إطلاق النار، وتتذرّع الحكومة الإسرائيلية بمسألة عدم تسليم آخر جثة إسرائيلية لدى المقاومة، إضافة إلى قضية نزع السلاح الفلسطيني.

يرى الطرف الأميركي الممارسات الإسرائيلية بأنها مبرّرة ولا تخلّ في الاتفاق ولا تعرقل مراحله، وأنّ الحكومة الإسرائيلية ما زالت ملتزمة باتفاق وقف إطلاق النار في غزة بمراحله المختلفة، بيد أنها تريد إبقاء أوراق ضغط بيديها لتنفيذ خطة الرئيس ترامب في غزة، ما يعني أنّ الإدارة الأميركية، من جهة، تستخدم الأداة العسكرية الإسرائيلية، كما تستخدم الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والإنسانية، من جهة أخرى، في الضغط على الطرف الفلسطيني والوسطاء، بصرف النظر عن كون الممارسات الإسرائيلية تعدّ انتهاكات خطيرة للاتفاق.

وبصرف النظر عن أنّ الإدارة الأميركية هي الضامن الرئيس لتنفيذه إلى جانب دول ضامنة أخرى كتركيا وقطر ومصر، بيد أنّ الدول الضامنة كافة فشلت في احترام تعهّداتها والتزاماتها، الأمر الذي يعني أنّ المرحلة الثانيه ستكون امتداداً للانتهاكات والسياسات التي تبنّتها الحكومة الإسرائيلية في المرحلة الأولى، وفي المقابل لن تتخذ الدول الضامنة مواقف مغايرة عن المرحلة الأولى، وكذلك، فإنّ الطرف الفلسطيني لن يسارع لخرق الاتفاق وسيلتزم بتعهّداته في المرحلة الثانيه على غرار التزامه في المرحلة الأولى، كي لا يمنح الطرف الإسرائيلي المبرّر للعودة إلى حرب الإبادة الواسعة. 

إنّ الموقف الإسرائيلي تجاه الخطة الأميركية ذات العشرين بنداً، يراهن على أن تفشل ذاتياً، من تلقاء نفسها من دون أن تتهم "إسرائيل" بأنها من أفشلها، وهذا التوجّه بالأساس ليس خشية من الوسطاء أو تحسّباً لردود فعلهم، بل فقط اعتباراً للرئيس الأميركي ترامب والخشية من إغضابه كونه حريصاً على إنجازه الوحيد في السياسة الخارجية حتى الآن، وهو وقف الحرب على غزة. 

إنّ التعاطي الإسرائيلي مع استحقاقات المرحلة الثانية سيكون بطيئاً ومجتزئاً وهشّاً، ففي ملف الانسحاب التدريجي من غزة، سيتبع سياسة إعادة الانتشار، بمعنى تنفيذ انسحاب جزئي ومحدود في منطقة ما، واحتلال في مواقع أخرى، كما سيستمر في السياسة العدوانية وتنفيذ الاغتيالات بيد أنه سيتجنب العودة إلى الحرب الواسعة، حرصاً على التوافق مع ترامب، وليس تناغماً مع رغبة نتنياهو في استمرارية الحرب، ومع ذلك فإنّ الأخير يراهن من جهة على ما يسمّيه "الإجهاض الذاتي" للاتفاق، والانخراط الأميركي في ملفات عالمية مختلفة، وتراجع تركيزها على ملف غزة، ومن جهة أخرى الفشل المتوقّع بحسب التقدير الإسرائيلي في قدرة قوات الاستقرار الدولية المفترض تشكيلها، في نزع السلاح الفلسطيني، الأمر الذي تترقّبه "إسرائيل" وترغب فيه من أجل العودة إلى الحرب الواسعة على غزة بغطاء أميركي بذريعة أنها الوحيدة القادرة على نزع السلاح، بيد أنّ الهدف الحقيقي لها هو استكمال مخطط الإبادة والتهجير للفلسطينيين من غزة.

في سياق حرص نتنياهو على الفوز في الانتخابات الإسرائيلية نهاية العام الجاري، وسعيه لاستكمال أهداف الحرب، التي لم تتحقّق، فإنه سيعمل من جهة على عرقلة نجاح المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وإجهاض مسارات عمل اللجنة الوطنية لإدارة غزة، ومواصلة سياسة الاغتيالات، وعدم الانسحاب من غزة، ومن جهة أخرى سيدفع في الأشهر التي تسبق الانتخابات الإسرائيلية باتجاه سياسة التسخين والتوتير على كلّ الجبهات ومنها الجبهة الفلسطينية في غزة والضفة، وتسعير نيران الحرب في المنطقة، في مسعى منه لحسم جبهات المواجهة التي بدأت في غزة ثم لبنان واليمن وإيران.

إنّ مساعي نتنياهو في إعادة إشعال الحروب في المنطقة وإجهاض مسارات التهدئة وإفشال الحلول الدبلوماسية، قد تنجح في تصعيد المواجهة على مختلف الجبهات، بيد أنّ طموحه في حسمها ليس بالأمر اليسير، في ضوء رفع مستويات الاستعداد والجاهزية واستخلاص العبر، لدى جبهات المواجهة كافة، الأمر الذي قد يغيّر الاتجاه الإسرائيلي من حرب سريعة وحاسمة إلى معركة  استنزاف طويلة وكلفتها عالية.