ما وراء المصالحة الجزائرية–المالية: كيف أعادت تحولات الساحل رسم الحسابات الاستراتيجية؟

يبدو أن استئناف العلاقات بين الجزائر ومالي في هذه المرحلة أقرب إلى تسوية استراتيجية موقتة أملتها ضرورات الجغرافيا، وإكراهات البيئة الأمنية، واعتبارات المصلحة الاقتصادية.

  • كيف أعادت تحولات الساحل رسم الحسابات الاستراتيجية؟
    كيف أعادت تحولات الساحل رسم الحسابات الاستراتيجية؟

في مسارات السياسة الدولية التي يغلب عليها إكراه الجغرافيا، وتشابك المصالح وتعقّد الاعتماد المتبادل، نادراً ما تخبو الأزمات بمجرد تلاشي أسبابها الظاهرة. ذلك أنّ لكلّ قطيعة دبلوماسية منطقها الخاص، ولكل مصالحة مسارات خفية تبنى فيها التوافقات بروية. 

ولا يشذّ ما شهدته العلاقات بين الجزائر وباماكو من انفراج بعد 15 شهراً من التصدع والتوتر السياسيين عن هذه القاعدة، لأنه في حقيقته محصلة شبه بديهية لنسق متحرّك من تحولات إقليمية عميقة، تجري بموجبها إعادة تشكيل موازين القوى في إقليم الساحل والصحراء، دفعت العواصم المعنية بها إلى إعادة حساباتها الاستراتيجية بعناية فائقة تناسب حرج اللحظة ومقتضياتها.

استناداً إلى هذا، فإنّ إعلان الجزائر وباماكو، في 1 من يوليو/تموز 2026، استئناف التمثيل الدبلوماسي بينهما وفتح أجوائهما مجدداً أمام الرحلات الجوية بين البلدين، هو لحظة فارقة في تاريخ العلاقة بينهما، وستفضي لا محالة إلى تحولات جوهرية في راهن البيئة الإقليمية الساحلية ومستقبلها. 

إنّ الدبلوماسية، في حالة الانفراج في العلاقات الجزائرية-المالية، جاءت كمحصلة حتمية للترتيبات الأمنية والاستراتيجية المستجدة داخل الساحل لا يمكن للطرفين تجاهلها، وهي أكثر من أن تختزل في مسار تسوية سياسية مباشرة جرت بين الجزائر وباماكو. وما يعزز هذه القراءة، تفكيك ثلاثة متغيرات رئيسية تتحكم في توقيت هذا الانفراج ومساراته هي: التحولات في البنية الإقليمية، ولا سيما داخل حلف دول الساحل الذي تعد مالي محوره ومركزه، تصاعد وتيرة التحديات الأمنية الإقليمية المشتركة وبالأخصّ قرب مدينة تينزاواتين الحدودية، ناهيك بصعود الدبلوماسية الاقتصادية كأداة فعالة لإعادة بناء الثقة وإعادة حساب التكاليف والمكاسب على قاعدة العقلانية لا المماحكة الخطابية.

كيف أعادت الجزائر رسم موازين التفاعل داخل تحالف دول الساحل؟

يكشف التعمّق في مسار هذا الانفراج عن "عزلة بنيوية" وجدت مالي نفسها مقيّدة بها تدريجياً. فلنذكّر هنا بأنه في ربيع عام 2025، وفي إثر نشوب الأزمة بين باماكو والجزائر، بدا تحالف دول الساحل الثلاثي (مالي والنيجر وبوركينا فاسو) كجبهة متماسكة في مواجهة الجزائر عكف على إعطاء الانطباع بأنّه كتلة سياسية وعسكرية موحّدة في مواقفها وسياساتها. بيد أنّ الجزائر، وبحنكة دبلوماسية لافتة، اعتمدت مقاربة مختلفة تماماً عن المقاربة التي تبناها الحلف إزاءها، إذ بدل الاصطدام به ككيان سياسي موحّد، راهنت على تجزئة علاقاتها معه إلى علاقات ثنائية مستقلة مع دوله، كل منها يحمل منطقه واحتياجاته الخاصة. 

ومضت الجزائر في هذا النهج بخطى محسوبة، فكانت الخطوة الأولى في 12 فبراير/شباط 2026، مع الإعلان المتزامن عن عودة السفيرين الجزائري والنيجري إلى منصبيهما، معلنة طيّ صفحة قطيعة دامت قرابة العام بينها وبين نيامي. ولم تلبث هذه الخطوة أن توّجت بزيارة رسمية للرئيس النيجري عبد الرحمن تياني إلى الجزائر، بدعوة من الرئيس عبد المجيد تبون، كانت زاخرة بالرسائل السياسية بالغة الدلالة، ونقلت العلاقات بين البلدين إلى طور جديد عنوانه التنسيق والتفاهم. وفي توازٍ مع هذا الحراك الدبلوماسي، قاد وزير الطاقة والمناجم الجزائري محمد عرقاب، ومعه كاتب الدولة المكلف بالطاقات المتجددة مراد عجال، وفداً رسمياً في زيارة إلى واغادوغو، أثمرت توقيع بروتوكولات تعاون واسعة في مجالات المحروقات والمناجم والكهرباء مع بوركينا فاسو.

فما كان بعد هذه الحركية الدبلوماسية الجزائرية إلا أن تغير المشهد السياسي داخل حلف دول الساحل نفسه في غضون أشهر قليلة، وصارت مالي الطرف الوحيد المتمسّك بالقطيعة مع الجزائر، بينما استعادت نيامي وواغادوغو قنوات التواصل المتنوعة معها وبزخم فاق ما كان موجوداً قبل الأزمة. 

وقد قرأت مراكز دراسات أفريقية معروفة، كمعهد الدراسات الأمنية (ISS)، هذا المسار بوصفه استراتيجية جزائرية ذكية تقوم على تفكيك العلاقات مع التكتلات الإقليمية إلى علاقات ثنائية مرنة للحدّ من قدرة أي تحالف على تشكيل جبهة تفاوضية موحدة ضدها. وهذا النهج، هو في جوهره امتداد لتقليد راسخ في المدرسة الدبلوماسية الجزائرية، يقوم على إدارة الأزمات عبر تفكيك الكتل المنافسة وتحويلها إلى ملفات ثنائية أكثر قابلية للتفاوض والحل. 

قسوة الجغرافيا الأمنية

في موازاة الحراك السياسي، فرضت البيئة الأمنية الآيلة إلى التفاقم والتردي من دون توقف على المجلس العسكري في باماكو مراجعة حساباته. فالهجمات النوعية التي شهدتها مالي في 25 أبريل/نيسان 2026، والتي قادتها جماعات إرهابية مرتبطة بتنظيمي القاعدة و"تنظيم الدولة"، وفي مقدمتها "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، كشفت النسق التصاعدي لقدرة التنظيمات المسلحة على توجيه ضربات قاصمة لباماكو رغم ما بذل من جهد لدرء تهديدها منذ 2020. وبعد أقل من شهرين، جاءت محاولة اقتحام مطار "ديوري حماني" الدولي في نيامي لتؤكد أن التهديد آخذ في الانتشار عبر الحدود فارضاً نفسه كخطر إقليمي ممتد ومتشابك يستدعي تنسيقاً أمنياً شاملاً وعاجلاً. 

هنا تحديداً استعادت الجغرافيا وزنها كمحدد استراتيجي لا مناص من إكراهه الثقيل في المدركات الأمنية لمالي ودول حلف الساحل عموماً، وسرعان ما قفزت إلى المشهد الحدود الصحراوية المشتركة بين الجزائر ومالي، الممتدة على طول 1300 كيلومتر، كفضاء أمني يؤسس لتبعية أمنية متبادلة بين البلدين تتقاطع فيه نشاطات شبكات التهريب مع مسارات الإرهاب وطرق الهجرة غير النظامية. وأمام هذا الإكراه، أيقنت باماكو أن كلفة استمرار القطيعة مع الجزائر باهظة مقارنة باستعادة قنوات التنسيق، خاصة حين يتعلق الأمر بملفات مكافحة الإرهاب وضبط الحدود، ومراقبة الفضاء الصحراوي الشاسع، ومكافحة تهريب الأسلحة والذخائر، والتعامل بحذر مع التطورات الميدانية في منطقتي أزواد وتين زاوتين. 

ولا شك أن هذا التفكير قد قاد إلى اعتراف مالي غير معلن بأنّ فعالية استراتيجية الجزائر في مواجهة التهديدات والخبرة التي راكمتها في إدارة التحديات الأمنية الساحلية عبر عقود، تجعل منها فاعلاً لا يستساغ تجاوزه في أي معادلة أمنية تخص فضاء الساحل، فكان هذا عاملاً آخر مهّد لاعتماد مقاربة مختلفة في التعاطي مع الأزمة مع الجزائر. 

الاقتصاد في خدمة الدبلوماسية: رؤية جزائرية

إلى جانب الأداتين الدبلوماسية والأمنية، برز الاقتصاد كإحدى أكثر أدوات السياسة الخارجية الجزائرية فاعلية في المرحلة الأخيرة، وبالأخص في علاقاتها مع كل من النيجر وتشاد وبوركينافاسو وموريتانيا. فلم تتردد الجزائر في جعل مشاريع التنمية والطاقة ركيزة لإعادة بناء الثقة مع شركائها في الساحل، مستثمرة في قطاعات تمثل أولوية قصوى لدول تعاني هشاشة ومحدودية في اقتصادياتها وبناها التحتية. 

على سبيل المثال، خصصت الجزائر ما يقارب 88 مليون دولار لتطوير مشاريع الطاقة والتعدين في بوركينا فاسو، كما منحت النيجر محطة كهربائية بقدرة أربعين ميغاواط من دون مقابل، في مبادرة أريد منها تخفيف جزء من أزمتها الطاقوية الحادة. وترافق ذلك مع إطلاق مشاريع مشتركة بين عملاق النفط الجزائري "سوناطراك" و"سونيديبSONIDEP /" النيجرية، لإنجاز مصفاة ومجمع بتروكيميائي في مدينة دوسو، في خطوة جسّدت تحوّل التعاون من المساعدات الظرفية إلى بناء شراكات اقتصادية طويلة الأجل ومستدامة. 

ومثلما تكتسي هذه المبادرات أهميتها بحكم بعدها الاقتصادي المباشر، فإنّ قيمتها تستخلص أيضاً مما سيترتب عنها على صعيد إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. فمع محدودية البدائل المتاحة لدول الساحل الحبيسة، سواء تعلق الأمر بالممر الأطلسي، أو بمشروع أنبوب الغاز الأطلسي المنافس لمشروع الأنبوب العابر للصحراء الرابط بين نيجيريا والنيجر والجزائر، كيّفت مقاربة الجزائر وعروضها الاقتصادية لتستجيب للاحتياجات الفعلية للمنطقة، ولكي ترى مكاسبها مباشرة على أرض الواقع مقارنة بالعروض المقدمة من أطراف أخرى.

وهكذا، أخذ منطق الواقعية الاقتصادية يزحف تدريجياً نحو قمة الأولويات على حساب الاصطفافات السياسية المؤقتة، على منوال صعّب على أي طرف في الساحل تجاهل "الإغراءات" التنموية التي تقدمها الجزائر لاسيما في مجالات الطاقة والكهرباء والبنى التحتية والاتصال، وحتى في قطاع النقل البحري. 

الانفراج الموقت ومأزق الاستدامة

رغم هذا الانفراج وأهميته، تقتضي القراءة الموضوعية التمييز بين إعادة تشغيل القنوات الدبلوماسية وبين بلوغ مرحلة المصالحة الاستراتيجية العميقة والمستدامة. فإن كان استئناف التمثيل الدبلوماسي وفتح الأجواء خطوتين تأسيسيتين لمسارات أكثر إيجابية بين البلدين، فإنهما، في المقابل، تظلان غير كافيتين وحدهما للحكم بنهاية الأزمة بصورة نهائية. 

إن مردّ هذا التريث بالأساس هو أن باب الاحتمالات لا يزال مفتوحاً على مصراعيه حين يتعلق الأمر بالملفات الأكثر تعقيداً، بدءاً باتفاق الجزائر للسلم والمصالحة في مالي (2015) المعطّل منذ يناير 2024، مروراً بتطوّرات قضية أزواد التي تمثل عصب الصراع الداخلي في مالي، وصولاً إلى طبيعة التنسيق الأمني الفعلي الممكن على الأرض في ظل حضور بعض الأطراف الأجنبية داخل الساحل وعلى مقربة من الحدود الجزائرية. 

أقترح الصياغة الآتية، وهي أقرب إلى أسلوب الكتب الجامعية والدراسات الأكاديمية في العلاقات الدولية، مع تنويع واضح في تراكيب الجمل ورفع المستوى التحليلي:

وعليه، وبعيداً عن القراءات التي تميل إلى تضخيم دلالات الأحداث أو استباق مآلاتها، يبدو أن استئناف العلاقات بين الجزائر ومالي في هذه المرحلة أقرب إلى تسوية استراتيجية مؤقتة أملتها ضرورات الجغرافيا، وإكراهات البيئة الأمنية، واعتبارات المصلحة الاقتصادية، أكثر من كونه تعبيراً عن تحوّل بنيوي مكتمل في طبيعة العلاقة بين البلدين. ومن ثم، فإن الحكم على قدرة هذا الانفراج على الارتقاء إلى مستوى شراكة استراتيجية مستقرة يظل رهيناً بما ستكشف عنه المرحلة المقبلة من استعداد الطرفين لمعالجة الملفات العالقة بروح من البراغماتية السياسية، ومنطق المكاسب المتبادلة. 

وتكتسب هذه المسألة أهميتها من كون التقارب الدبلوماسي، في حدّ ذاته، لا يضمن استدامة العلاقات ما لم يُترجم إلى تفاهمات مؤسسية وآليات تعاون قادرة على احتواء مصادر التوتر وتجفيف بؤر الخلاف. فإذا ما نجح الطرفان في إدارة القضايا الخلافية، بما تنطوي عليه من تشابكات أمنية وسياسية وجيوسياسية، أمكن لهذا التقارب أن يتجاوز كونه استجابة ظرفية لضغوط البيئة الإقليمية، ليغدو خياراً استراتيجياً يسهم في إعادة تشكيل التفاعلات داخل الفضاء الساحلي على أسس أكثر توازناً، تراعي المصالح المتبادلة لدول المنطقة، وتعزز متطلبات الأمن والاستقرار لكل الأطراف.