ما مدى مساهمة باكستان وتركيا في الحرب على اليمن؟
تخلت تركيا عن أسلوب "الوساطة الهادئة والمحايدة"، واستبدلته بالردع المدعوم عسكرياً وتقنياً لصالح السعودية، معتبرة أن حماية المملكة هي المدخل الأساسي لفرض أي اتفاق سلام.
-
الموقف التركي كجزء أساسي من حلف مكة.
تحركت باكستان في الخامس من تشرين الأول/ أكتوبر، قبل أن يُقرّ التحالف قراره النهائي بإرسال قوات خلال اجتماعه في الرياض. أرسلت باكستان في أيلول/سبتمبر أربع طائرات شحن عسكرية مُحمّلة بأنظمة دفاع جوي، وأنظمة مدفعية خفيفة، وطائرات مسيّرة، وأنظمة مضادة للطائرات المسيّرة إلى القوات المدعومة من السعودية في عدن.
وتشير مصادر متعددة إلى أن عدد الجنود الباكستانيين الذين يخدمون في السعودية قد ارتفع من 8000 إلى 20000 أو حتى 40000 جندي. يقدم مستشارون عسكريون باكستانيون الدعم للقوات المدعومة من السعودية في مدينتي المكلا وعدن اليمنيتين. وتفيد صحيفة «نيويورك تايمز» باستخدام طائرات حربية باكستانية في هذه الهجمات. تشارك طائرات باكستانية في غارات جوية منذ الخامس من أكتوبر/تشرين الأول لدعم عملية «فجر اليمن» المدعومة من السعودية، ما أدى إلى موجة تأييد لتحالف مكة المكرمة.
تُصوّر الحكومة الباكستانية مهمتها على أنها "حماية المملكة العربية السعودية" وتنفي أي تورط لها في الهجمات، كما أن المشاركة في حرب طويلة وغير مستقرة تُثير قلقها. في نهاية المطاف، تعتمد باكستان على دعم دول الخليج للبقاء؛ لذا فإن دافع باكستان للبقاء أهم من الولاء، كما أن انخراطها في حرب اليمن يرضي الولايات المتحدة.
مع ذلك، فإن كشف باكستان عن نواياها أو دخولها الحرب علنًا قد يُغيّر موازين القوى في خارطة المخاطر التي تواجهها. قد تتلقى باكستان ضربةً قاصمةً نتيجةً للانقسامات الداخلية في مجتمعها؛ فبينما تتألق في نظر السعودية والولايات المتحدة، قد تشهد انهيارًا استراتيجيًا في محيطها. لا يوجد ما يضمن أن تدخل تركيا وباكستان سيحقق النصر للسعودية. أما بالنسبة إلى القصف الجوي، فقد قامت الولايات المتحدة وبريطانيا و"إسرائيل" بالفعل بقصف مكثف من دون جدوى. إن من يعتقد أن إلحاق المزيد من الخسائر باليمن سيحدد مسار الحرب مخطئٌ، فالنتيجة ستتحدد بناءً على الخسائر التي ستتكبدها السعودية.
الموقف التركي كجزء أساسي من حلف مكة
أدان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ووزارة الخارجية التركية استهداف القوات المسلحة اليمنية المنشآت المدنية والمطارات السعودية (مطار الملك خالد الدولي بالرياض ومطار أبها)، مؤكدين تضامن أنقرة المطلق مع سيادة المملكة وأمنها. اصطفت تركيا بشكل كامل إلى جانب المملكة العربية السعودية في مواجهة الهجمات التي تشنها القوات المسلحة اليمنية، معلنةً عن دعم سياسي وعسكري واضح للرياض لحماية أراضيها.
وكان الرئيس إردوغان قد أعلن أن الحكومة التركية بصدد إحالة "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" (التي تجمع تركيا والسعودية وباكستان) إلى البرلمان التركي للمصادقة عليها. اتجهت تركيا إلى تعزيز قدرات السعودية الدفاعية عبر استعدادها لإرسال معدات عسكرية، ومنظومات دفاع جوي، وطائرات مسيرة (درونز)، وتقديم دعم استخباري وفني للمملكة لمواجهة الصواريخ والمسيرات "الحوثية".
ورغم هذا الدعم الدفاعي الكبير للمملكة، أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن أنقرة لن ترسل قوات عسكرية لشن هجمات مباشرة داخل الأراضي اليمنية، إذ يقتصر الدور التركي على حماية وتأمين الأجواء والأراضي السعودية. لم يصادق البرلمان التركي حتى الآن على اتفاقية مكة للدفاع المشترك. صرّح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عقب اجتماع لمجلس الوزراء بأن الحكومة تعتزم إحالة الاتفاقية الدفاعية إلى البرلمان خلال الأيام المقبلة لاستكمال الإجراءات التشريعية والمصادقة الداخلية عليها، وتواصل الجهات المعنية في تركيا والسعودية وباكستان صوغ الآليات التنفيذية وتأسيس البنية المؤسسية للاتفاقية قبل المضي قُدُمًا في خطوة التصويت النهائي.
تثير الاتفاقية نقاشًا حادًا داخل الأوساط السياسية التركية؛ إذ تُبدي أحزاب المعارضة تحفظات ومخاوف بشأن التزامات الدفاع الجماعي، معتبرين أن بند "الاعتداء على طرف يعد اعتداءً على الجميع" قد يشرك القوات التركية في صراعات إقليمية ويعرضها للمخاطر.
وبناءً على ذلك، تظل الاتفاقية سارية من الناحية السياسية بين قادة الدول الثلاث منذ توقيعها في آب/ أغسطس 2026، لكن تفعيلها القانوني الكامل ونشر أي قوات أو إرسال تجهيزات عسكرية بموجبها لا يزال مشروطًا بصدور الموافقة التشريعية الرسمية من البرلمان التركي وفقًا لمقتضيات الدستور.
أين دور الوساطة التركي؟
لم تُقْلِع تركيا تمامًا عن فكرة الحل السياسي، لكنها غيّرت استراتيجيتها بشكل جذري؛ إذ تحولت من دور "الوسيط المحايد" إلى دور "المساند المنحاز للرياض والمطالب بإنهاء الحرب".
هذا التحول الاستراتيجي التركي يعود إلى موازين القوى وطبيعة التصعيد الأخير، ويتلخص في جانبين:
في أيلول/سبتمبر 2026، قدمت أنقرة بالفعل مقترحات سياسية لإنهاء القتال بين الطرفين، مؤكدة أن أزمات الشرق الأوسط لم تعد قابلة للتحمّل من الناحية الاقتصادية. ومع ذلك، فإن هذه المقترحات لم تُطرح من موقع الحياد، بل من موقع الشريك الاستراتيجي للسعودية. لكي تكون تركيا وسيطًا مقدَّرًا، يجب أن تحظى بقبول كلا الطرفين، ولكن بعد توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك واعتبار تركيا أن أمن الرياض خط أحمر، بات من الصعب على جماعة الحوثي قبول أنقرة كطرف وسيط غير منحاز.
ترى الدبلوماسية التركية حاليًا أن دفع أنصار الله نحو الجلوس إلى طاولة المفاوضات لن يتأتى عبر تقديم التنازلات أو الوساطات اللينة، بل من خلال خلق جبهة ردع قوية (تضم تركيا وباكستان والسعودية) تجبر أنصار الله على إدراك كلفة التصعيد العسكري العالي.
لم تتخلَّ تركيا عن الرغبة في التوصل إلى حل سياسي شامل للأزمة، لكنها تخلت عن أسلوب "الوساطة الهادئة والمحايدة"، واستبدلته بالردع المدعوم عسكريًا وتقنيًا لصالح المملكة، معتبرة أن حماية السيادة السعودية واستقرار أسواق الطاقة هما المدخل الأساسي لفرض أي اتفاق سلام مستقبلي.
لن تتواجه تركيا عسكريًا بشكل مباشر مع القوات المسلحة اليمنية داخل اليمن، بل دفاعيًا وتكنولوجيًا فوق الأراضي والأجواء السعودية. رسمت الدبلوماسية والعسكرية التركية حدودًا واضحة لشكل مواجهتها مع "الحوثيين"؛ إذ أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بشكل قاطع أن تركيا لن ترسل قوات عسكرية لشن هجمات أو إدارة عمليات قتالية داخل الأراضي اليمنية.
وتشدد أنقرة على أن التزاماتها ضمن "اتفاقية مكة" هي التزامات دفاعية فقط وليست هجومية، وبالتالي ترفض الانجرار إلى حرب برية أو جوية مباشرة داخل اليمن. الصدام الفعلي سيكون عبر "حرب مسيرات ومنظومات دفاع جوي" لحماية الأراضي السعودية؛ إذ تشمل خطط الدعم التركي للرياض نشر منظومات دفاع جوي وحرباً إلكترونية لصدّ الصواريخ والمسيرات القادمة من اليمن.
تستعد تركيا لتوسيع دعمها بإرسال أفراد ومعدات، وقد يشمل ذلك لاحقًا إرسال طيارين وطائرات تركية للمساعدة في اعتراض وإسقاط "المسيرات الحوثية" التي تستهدف المنشآت السعودية.
قد يشمل الصدام غير المباشر مشاركة القوات البحرية التركية في تأمين خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب؛ لأن حماية ممرات التجارة والطاقة تعد مصلحة استراتيجية عليا لتركيا والاقتصاد العالمي، وهي مناطق يشهد محيطها تحركات متسارعة وتصعيدًا مستمرًا من قِبل أنصار الله.