ما بعد هجوم تيلابيري: تآكل الدولة واستقواء الإرهاب

يمكن الاعتماد على الهجوم الذي شهده إقليم تيلابيري في النيجر كمؤشّر يعطينا تصوّراً عن تحوّلات نوعية في طبيعة الجماعات الإرهابية واستراتيجياتها في منطقة الساحل.

0:00
  • هجوم
    هجوم "بوسييه": مؤشّر على ديمومة العنف في الساحل.

في الثامن عشر من كانون الثاني/يناير 2026، شهدت قرية بوسييه التابعة لبلدية غوروول في إقليم تيلابيري غرب النيجر مجزرة دموية أودت بحياة ما لا يقل عن واحد وثلاثين مدنياً، في هجوم مسلح نسب إلى عناصر يشتبه بانتمائها لتنظيم ما يعرف بـ"الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى".

وعلاوة على ما تكتسبه هذه الواقعة من أهمية مأتاها فداحة كلفتها الإنسانية، فإنها في دلالتها الاستراتيجية تمثّل تكثيفاً صارخاً لمسار تصاعدي من العنف المنظّم الذي بات سمة بنيوية للمجال الساحلي.

هجوم "بوسييه": مؤشّر على ديمومة العنف في الساحل

وقع الهجوم في منطقة ليبتاكوغورما شديدة الحساسية، عند مثلّث التقاء الحدود البرية لكلّ من النيجر، مالي وبوركينا فاسو، وهي منطقة ترسّخ تعريفها كأكثر الفضاءات الأمنية انكشافاً في القارة الأفريقية.

ففي هذا المجال الشاسع والمفتوح، تتحوّل الحدود إلى خطوط سائلة وغير مانعة بسبب حالة الهشاشة الدولتية التي تعاني منها الدول الثلاث، ويصبح الفضاء برمّته موائماً عملياتياً لانتشار الجماعات المسلحة وتنفيذ مناوراتها، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية الصحراوية، ضعف المراقبة أو غيابها كلياً، وتراجع الحضور المؤسسي.

وتؤكّد بيانات مشروع رصد النزاعات المسلحة (ACLED) أنّ إقليم تيلابيري شهد لوحده خلال عام 2025 مقتل أكثر من 1200 شخص معظمهم مدنيون. وتعكس هذه الأرقام انتقال العنف من مستوى المواجهة الأمنية المحدودة إلى نمط واسع يستهدف المجتمع ذاته، ويكرّس النهج الإرهابي القائم على توظيف المدنيين كأداة ضغط في صراع يتجاوز الاعتبارات العسكرية الصرفة.

الإرهاب في الساحل: قوة أكبر وشبكات أكثر تعقيداً

يمكن الاعتماد على الهجوم الذي شهده إقليم تيلابيري في النيجر كمؤشّر يعطينا تصوّراً عن تحوّلات نوعية في طبيعة الجماعات الإرهابية واستراتيجياتها في منطقة الساحل، إذ لم تعد هذه الجماعات تركّز على ضرب الأهداف العسكرية أو الرمزية في دول الإقليم، وإنما باتت تعتمد استهداف المدنيين بصورة ممنهجة تهدف إلى تقويض العلاقة بين الدولة والمجتمع، وإظهار السلطات المركزية بمظهر العاجزة بنيوياً ووظيفياً عن الحماية وتوفير الأمن.

وقد وثّقت منظّمات حقوقية، منذ آذار/مارس 2025، عشرات الهجمات التي نفّذها تنظيم "الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى" والجماعات الفرعية ذات الصلة به، وأسفرت عن مقتل نحو 120 مدنياً، شملت عمليات قتل جماعي، تدمير الممتلكات، ونهب للموارد. ويكاشفنا هذا النمط الهجومي باستراتيجية تسعى إلى خلق فراغ سلطوي تفرض من خلاله أنماط حكم موازية.

وعلاوة على هذا، يتزايد بين الفينة والأخرى نشاط جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم القاعدة، والتي تتبنّى بدورها مقاربة هجينة تجمع بين العمل العسكري المسلّح وبناء شبكات محلية تخوّلها الاستفادة من الاقتصاد غير المشروع. 

ورغم ما يطبع العلاقة بين التنظيمين من تنافس وصدام، فإنّ المحصّلة الجيوسياسية النهائية لهذا التزاحم هي تعميم العنف وتوسيع نطاق الفوضى، وتعقيد المشهد الأمني، مع تصاعد واضح لـ"قوة الترويع"، إذا صار بعض هذه الجماعات يضاهي الجيوش الوطنية في قدرته على الحشد والتسليح والسيطرة المؤقتة على المجال.

فشل المقاربة العسكرية:

منذ موجة الانقلابات العسكرية التي شهدتها دول الساحل، بدءاً من مالي عام 2020، مروراً ببوركينا فاسو في 2022، وصولاً إلى النيجر في تموز/يوليو 2023، صعد خطاب سياسي يروّج للقطيعة مع الترتيبات السابقة ويرافع ضدها، وعلى رأسها اتفاق الجزائر للسلام والمصالحة في مالي لعام 2015، الذي جرى تعطيله فعلياً خلال عامي 2023 و2024. وفي المقابل، بات الاعتماد على القوة العسكرية عماد المقاربة الأمنية التي تبنّاها "حلف دول الساحل" للقضاء على التهديد الإرهابي. 

بيد أنّ الحصيلة الأمنية لهذه التحوّلات وما أسفرت عنه من مقاربة جاءت معاكسة للتوقّعات. إذ تشير بيانات "مشروع رصد مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها" (ACLED) إلى ارتفاع عدد الهجمات الإرهابية في دول الساحل الثلاث من نحو 3800 حادثة في 2022 إلى أكثر من 5400 حادثة في 2024، مع تزايد لافت ومريع في الوقت نفسه في عدد الضحايا المدنيين. ولم يؤدّ هذا التحوّل في أنماط الحكم إلى تعزيز الأمن، بقدر ما أسهم في إضعاف المؤسسات وتعميق الفراغ السياسي على نحو منح الجماعات المسلحة فرصة لا تعوّض لتوسيع نفوذها وتعزيز حضورها في المشهد الأمني الإقليمي متحوّلة بذلك إلى فاعل قادر على إعادة رسم ديناميات القوة والتهديد في المنطقة.

الحقيقة أنّ هذا الواقع يطرح سؤالاً جوهرياً حول سبب هذا الإصرار على الأدوات العسكرية وحدها، رغم أنّ التجربة الميدانية أكّدت (وتؤكّد) محدودية فعّاليتها في غياب مشروع سياسي وتنموي شامل وجامع. فالعمليات العسكرية، حين تنفصل عن معالجة جذور الأزمة المرتبطة بالفقر والتهميش وضعف الحكم الرشيد، تفضي غالباً إلى نتائج عكسية لا تؤدّي إلّا إلى تعزيز قدرة الجماعات الإرهابية على التجنيد وإعادة التموضع.

الجزائر أمام اختبار الأمن الإقليمي

وفقاً للجزائر، يتجاوز تصاعد العنف في إقليم تيلابيري ومثلّث ليبتاكو-غورما حدود التطوّر الأمني المعزول إلى ساحة التهديد الاستراتيجي المباشر لأمنها القومي، ذلك أنّ الجزائر تتقاسم حدوداً شاسعة مع النيجر ومالي، وتدرك جيداً أنّ تآكل بنى وأدوار الدولة الوطنية في تخومها الجنوبية يفتح الباب على مصراعيه أمام مخاطر عابرة للحدود.

في هذا السياق، تبرز مفارقة لافتة تتمثّل في اتهام بعض حكومات الساحل الجزائر بدعم الإرهاب، في وقت تظهر الوقائع أنّ الفشل البنيوي في الحكم، وتعطيل المسارات السياسية، وتقويض الاتفاقات الإقليمية، هو العامل الأساسي في تفجير الوضع الأمني. وهذا الفشل لا يهدّد دول الساحل وحدها، وإنما يحمل في طيّاته مخاطر جدّية قد تمتد إلى الأمن الجزائري ذاته.

من هنا تجد الجزائر نفسها أمام معادلة دقيقة تجمع بين ضرورة حماية أمنها القومي، والسعي إلى احتواء أزمة إقليمية باتت فيها الفوضى نمطاً مستقرّاً ومزمناً، لا حالة عارضة، وهي معادلة تفرض مقاربة شاملة، ترى في الأمن والتنمية والدبلوماسية عناصر مسارات متوازية منفصلة.