ما بعد الانقلاب المائي: صراع الوجود على ضفاف القانون الدولي (2 -2)
النهر الذي صنع حضارات المنطقة لا يقبل أن يتحوّل إلى ورقة تفاوض تُستخدم لفرض إرادة سياسية، ولا إلى أداة ضغط تُقاس بها حدود الصعود الإقليمي.
-
صراع الوجود على ضفاف القانون الدولي.
إذا كان القسم الأول من المقال قد كشف التحوّلات الجيوسياسية التي فجّرها سدّ النهضة فوق خرائط القوة ومعادلات الإقليم، فإننا في هذا الجزء نتقدّم خطوة أبعد بكثير. فالأزمة تدخل الآن طورها الأشدّ تعقيدًا: طور الشرعية والقانون والمعايير الدولية؛ حيث لم يعد الخلاف على المياه فحسب، بل على حقّ الدولة في البقاء، وعلى حماية أمنها القومي، ومنع فرض أمرٍ واقع يناقض قواعد العالم الحديث.
هنا تنتقل المواجهة من ضفاف النيل إلى مقاعد القانون الدولي، ومن غرف التفاوض المغلقة إلى ساحات النفوذ الكبرى. وهنا أيضًا تُختبر قدرة مصر والسودان على تشييد موقفٍ صلبٍ ومتماسك، يستعيد زمام المبادرة، ويحوّل الأزمة من حصارٍ خانق إلى فرصة لإعادة بناء موقعهما في النظام الإقليمي.
إنه الجزء الذي تُعاد فيه كتابة القواعد… أو تُفرض فيه قواعد جديدة.
الساحة التي تلفظ السلوك الأحادي
في قلب الأزمة يقف القانون الدولي، لا باعتباره مرجعًا محايدًا، بل بوصفه ساحة صراع على المعنى.
فالقواعد التي تحكم الأنهار الدولية - وعلى رأسها مبدأ عدم التسبب في ضرر جسيم، ومبدأ الاستخدام المنصف والمعقول، ومبدأ الإخطار والتشاور - لم تكن يومًا مبادئ غامضة، بل إطارًا يوازن بين حقوق دول المنبع واحتياجات دول المصب.
غير أنّ إثيوبيا، في لحظة إحساسها بالقوة بعد اكتمال السد، اتجهت إلى إعادة تفسير هذه المبادئ بصورة تُفرغها من مضمونها، وتحوّلها إلى غطاء قانوني لسلوك أحادي لا يعترف بحدود أو التزامات.
فعندما تقول أديس أبابا إنها لا تحتاج إلى اتفاق ملزم، فهي تعلن، فعليًا، أن القانون الدولي ينبغي أن يتكيّف مع إرادتها السياسية، لا أن تتكيّف هي معه.
وحين ترفض قواعد التشغيل المشتركة، فهي لا ترفض التنسيق فحسب، بل ترفض الاعتراف بأن للنهر طبيعة مشتركة تستلزم إدارة مشتركة.
وحين تعتبر أن مبدأ "عدم إلحاق ضرر جسيم" لا يتطلب تصريفًا مضمونًا في سنوات الجفاف، فإنها تنقل المبدأ من كونه حماية لحقوق الآخرين إلى كونه عبارة تجميلية بلا أثر.
في المقابل، تتمسك مصر - ومعها السودان - بتفسير يتفق مع الفقه والقضاء الدوليين:
أن الاستخدام المنصف لا يعني إطلاق يد دولة المنبع، وأن التنمية لا تُلغي قواعد التعاون، وأنّ حقوق المصب ليست بقايا استعمار بل عناصر أساسية للاستقرار الإقليمي.
ولذا يصبح الإصرار المصري على الاتفاق الملزم ليس مجرد مطلب تفاوضي، بل معركة دفاع عن شرعية دولية قائمة منذ عقود، وعن مبدأ يمنع أي دولة من تحويل المورد المشترك إلى أداة سيطرة سياسية.
وبين هذين التفسيرين المتناقضين، يتحول القانون الدولي من كونه إطارًا منظمًا إلى ميدان اشتباك فكري وسياسي يختبر قدرة كل طرف على فرض السردية التي يريدها.
هذه ليست ثغرة في القانون بقدر ما هي محاولة من إثيوبيا لإعادة تعريفه من موقع القوة، ومحاولة من مصر والسودان للحفاظ على طبيعته التوازنية.
وهكذا يظهر بوضوح أنّ الأزمة ليست صراعًا على النهر فقط، بل هي صراع على المرجعية التي تُحكم بها الأنهار نفسها.
السيناريوهات الثلاثة… نحو أي مستقبل يتحرك النهر؟
عند هذه المرحلة من الأزمة، تتراجع صلاحية الخطابات الدبلوماسية التقليدية، ويبرز سؤال الاتجاه: إلى أين تمضي أزمة السدّ؟
فالسنوات المقبلة لن تكون ساحة للانتظار السلبي، بل ميدانًا تتشكل فيه ثلاثة سيناريوهات كبرى، يتقدّم أحدها كلما اهتزّ الآخر، وتتغير أوزانها وفقًا لموازين القوة داخل الإقليم وحوله.
السيناريو الأول: اتفاق ملزم… حين يُفرَض لا حين يُعرَض
الاتفاق ممكن، لكنه لن يأتي عبر قناعة إثيوبية، بل عبر ضغوط تُغيّر حسابات أديس أبابا.
قد يكون الضغط دوليًا - إذا رأت القوى الكبرى أن استمرار الأزمة يهدد البحر الأحمر والقرن الأفريقي - أو إقليميًا - إذا أصبح السودان مهددًا بفعل عدم التنسيق، أو خرجت الأزمة عن السيطرة في سنوات الجفاف.
في هذا السيناريو، لن يكون الاتفاق هدية سياسية، بل حصيلة توازن قوى جديد يجد فيه الجميع أن التعاون أقلّ كلفة من الاستمرار في الصدام.
وهذا السيناريو، رغم صعوبته، يبقى الأكثر عقلانية على المدى البعيد.
السيناريو الثاني: استمرار الإدارة الأحادية… مع "تنازلات تجميلية"
وهو السيناريو الذي تسعى إليه إثيوبيا عمليًا:
تشغيل منفرد، وبيانات تُقدّم عند اللزوم، ووعود بعدم الإضرار، مع تجنب أي التزام قانوني ملزم.
هذا النموذج يمنح أديس أبابا الهيمنة على النهر من دون أن تتحمل مسؤولياتها القانونية.
لكنه سيناريو هشّ، لأن إدارة نهر دولي عبر إرادة طرف واحد تؤدي - بطبيعتها - إلى تراكم الشكوك، وتآكل الثقة، وتنامي الضغوط على السودان ومصر، كما تجعلهما أكثر استعدادًا للبحث عن أدوات ضغط جديدة.
إنه سيناريو الاستقرار القلِق… استقرار يقوم على "تأجيل الصدام" لا على منعه.
السيناريو الثالث: التصعيد المتعدد المستويات… ليس عسكرياً بالضرورة
الصدام هنا لا يعني الحرب التقليدية، بل حربًا سياسية واقتصادية وإقليمية طويلة، تحضر فيها القوة بأشكال عدة:
- صدام دبلوماسي في المنظمات الدولية.
- صدام قانوني حول شرعية السلوك الأحادي.
- صدام اقتصادي عبر أوراق الاستثمار والتجارة في أفريقيا.
- صدام جيوسياسي يمتد إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وقد يتخذ التصعيد طابع "الردع الصامت" الذي يفرض على إثيوبيا - مع الوقت - إعادة حساباتها.
إنّ هذا السيناريو لا يلغي احتمال الاتفاق لاحقًا، لكنه يرفع كلفته السياسية والاقتصادية، ويدفع كل طرف إلى أقصى حدود قدرته على التحمل.
في هذا المسار، تتحول الأزمة من ملف مائي إلى صراع إرادات دولية وإقليمية، تحضر فيه مصر بثقلها التاريخي، وتحضر فيه إثيوبيا بقوة مشروعها الصاعد، ويحضر السودان كعامل ترجيح يمكن أن يُغيّر اتجاه الريح إذا استعاد توازنه السياسي.
خلاصة السيناريوهات:
لا سيناريو نهائيًا بعد. فالملف لا يزال مفتوحًا على كل الاحتمالات، وكل احتمال يدفع الآخر ليتراجع ثم يعود.
لكن الواضح أنّ استمرار الوضع الراهن - بلا اتفاق، وبلا شفافية، وبلا خطوط حاكمة - ليس استدامة، بل هو انزلاق تدريجي نحو توتر أكبر.
إنّ مستقبل النهر لن يُحسم بالخطب، بل بالقدرة على خلق ميزان قوى جديد، يضع كل طرف أمام حدود ما يستطيع فعله… وما لا يستطيع تجاوزه.
ما الذي يجب أن تفعله مصر؟
أمام هذا المشهد المعقد، لا يمكن لمصر أن تنتظر حسن النيات، ولا أن تفترض أن الزمن سيحلّ الأزمة.
فالأمن المائي لا يُدار بالانتظار، بل بتشييد منظومة متكاملة من القوة السياسية والقانونية والاقتصادية والإقليمية، تُعيد ضبط قواعد اللعبة في وادي النيل على نحو يحمي استمرارية الدولة واستقرارها.
ولذلك تبدو الخطوات المصرية في المرحلة المقبلة محكومة بثلاث دوائر من الفعل:
أولًا: تثبيت المرجعية الدولية… وتحويل القانون إلى سلاح ردع
إنّ معركة مصر الحقيقية ليست فقط على مياه النهر، بل على شرعية القواعد التي تحكم استخدامه.
لهذا، ينبغي أن تواصل القاهرة اتخاذ الخطوات التالية:
- تدويل الأزمة أمام مجلس الأمن والجمعية العامة ومؤسسات القانون الدولي.
- تقديم أدلة تقنية وقانونية على مخاطر الإدارة الأحادية، لا كشكوى سياسية، بل كتهديد للاستقرار الإقليمي.
- تحويل فكرة "الاتفاق الملزم" من مطلب مصري إلى أصلٍ قانوني يحظى بدعم دولي واسع.
فالدول لا تُدان لأنها تبني السدود… بل لأنها تقوّض استقرار الإقليم عبر فرض إرادة منفردة على نهر دولي.
إنّ حصاد هذا المسار هو:
عزل السلوك الإثيوبي سياسيًا… وتجريده من شرعية الادعاء بأنه "قانوني".
ثانيًا: بناء تحالفات مائية وإقليمية صلبة… خصوصًا مع السودان
لا يمكن لمصر أن تدير أزمة بهذا الحجم بمعزل عن بيئتها الإقليمية.
والسودان، رغم هشاشته السياسية، يظل المفتاح الأخطر في توازن القوى.
فإذا أُعيد بناء علاقة استراتيجية بين القاهرة والخرطوم - فنيًا وسياسيًا وأمنيًا - فإنّ قدرة إثيوبيا على فرض واقع أحادي ستتقلص بصورة كبيرة.
يتطلب هذا المسار العمل على الآتي:
- تطوير غرفة تنسيق مشتركة لإدارة الفيضانات والتصريفات.
- توحيد الخطاب القانوني تجاه المجتمع الدولي.
- إدماج السودان في "رؤية مشتركة" لمستقبل النهر، بحيث لا يُترك وحيدًا أمام الضغوط الإثيوبية.
كما يجب على مصر - موازاةً - تعزيز حضورها في حوض النيل الاستوائي:
بمشاريع تنمية حقيقية، وشراكات اقتصادية طويلة المدى، تعيد تثبيت القاهرة كشريك لا غنى عنه في معادلة النهر.
ثالثًا: استخدام القوة الشاملة… لا القوة العسكرية وحدها
القوة في القرن الحادي والعشرين ليست صاروخًا ولا طائرة، بل قدرة دولة على توظيف كل أدواتها في الوقت المناسب:
القوة السياسية:
إعادة صياغة السردية الدولية بحيث يُفهم السد كقضية "استقرار إقليمي"، لا كخلاف حدودي ضيق.
القوة الاقتصادية:
استخدام شبكات التجارة والاستثمار في شرق أفريقيا لتقليص هوامش الحركة الإثيوبية، وبناء مصالح متبادلة تجعل استمرار التوتر مكلفًا.
القوة الدبلوماسية:
أدوات الردع الهادئ، القائمة على كشف المخاطر الفنية والقانونية للسلوك الأحادي، وربطها بأمن الملاحة في البحر الأحمر.
القوة الفنية الداخلية:
هذه المعركة لا تُخاض خارج الحدود فحسب، بل عبر مسارات داخلية حاسمة، أبرزها:
- تحديث منظومات الري.
- تقليل الفاقد المائي.
- تطوير قدرات تحلية المياه.
- إعادة هيكلة التركيب المحصولي.
هذه ليست "خططًا تنموية"، بل مكوّنات الأمن القومي المائي في مصر.
وفي النهاية، يبقى جوهر الرسالة المصرية - المعلنة والضمنية – واحدًا:
إنّ إرادة دولة المنبع لن تُترك لتعيد صياغة مصير دولة المصب.
وأنّ النهر الذي صنع دولة بحجم مصر… لا يمكن أن يُدار بقرار أحادي إلى الأبد.
عندما يصبح مستقبل دولة مرهونًا بانسياب نهر
في أزمات الجغرافيا الكبرى، ليست الأنهار وحدها التي تغيّر مسار التاريخ، بل القوى التي تتصارع حولها.
وسدّ النهضة - بما حمله من اندفاع إثيوبي، وهواجس مصرية، ومخاطر سودانية - ليس محطة هندسية في وادي النيل، بل نقطة انعطاف في المنطقة كلها، تُعيد تشكيل خرائط النفوذ ودوائر القوة وحدود الممكن.
لقد دخلت دول الحوض في معادلة جديدة، بات فيها السؤال أكبر من أرقام الملء والتصريف، وأوسع من لغة البيانات والردود.
السؤال الحقيقي صار:
من يملك حق تعريف المستقبل في وادي النيل؟
هل هو قرار يُفرض من أعلى السدّ، أم تفاهم يُبنى بين ضفّتيه، أم توازن تفرضه الجغرافيا ذاتها حين تضيق الخيارات؟
إنّ استمرار الوضع الراهن ليس استقرارًا، بل هدنة مؤقتة مع التاريخ.
فالنهر الذي صنع حضارات المنطقة لا يقبل أن يتحوّل إلى ورقة تفاوض تُستخدم لفرض إرادة سياسية، ولا إلى أداة ضغط تُقاس بها حدود الصعود الإقليمي.
ومن يقرأ تاريخ الأنهار الكبرى يعرف أن السيطرة الأحادية لا تدوم، وأنّ الموارد المشتركة - مهما اختلفت الأزمنة - تفرض، في النهاية، منطق الشراكة أو منطق الصدام.
إنّ مصر والسودان وإثيوبيا تقف اليوم أمام مفترق طرق:
إمّا أن يُعاد بناء الثقة عبر اتفاق عادل يضمن التنمية بلا ضرر،
وإمّا أن تستمر المنطقة في سباق استنزاف قد يطول ويُنهك الجميع.
فالتاريخ لا يمنح فرصًا بلا ثمن، والجغرافيا لا تُمهل من يتردد طويلًا بين الخيارات.
ومهما تعددت السيناريوهات، تبقى الحقيقة الجوهرية ثابتة:
أنّ النهر ليس ملكًا لدولة واحدة، وأنّ المستقبل لا يُكتب بالإرادة المنفردة، وأنّ وادي النيل لن يستقرّ إلا حين يُعاد التوازن إلى معادلة القوة فوق مجراه.
فالأمن المائي، مثل الأمن الإقليمي، ليس امتيازًا… بل ضرورة وجود، وحقيقة لا يمكن تجاهلها.