لماذا لم تُستدعَ "الحرب الدينية" لوقف المحرقة في غزة؟
في الحرب على غزة كان من الأولى تحشيد طاقات الأمة، وتجميع شتاتها، وتوحيد صفوفها، والانطلاق نحو معركة "دينية" تُكسر فيها شوكة الأعداء مرة واحدة وإلى الأبد.
-
صمتت كلّ الأصوات التي نادت بضرورة استدعاء "الحرب الدينية" عندما تعلّق الأمر بقضايا محقّة.
يمكن تعريف "الحرب الدينية" بأنها صراع سياسي أو عسكري تشعل فتيله اختلافات على صعيد العقيدة أو الهوية الدينية لجهتين متخاصمتين، حيث تنظر كلّ جهة إلى الأخرى بأنها عبارة عن خصم عقائدي يجب التصدّي له ومواجهته بكلّ ما أمكن من وسائل وأدوات، بل إنه من الجائز والضروري استخدام كلّ ما يمكن من إمكانيات لهزيمة ذاك الخصم، والتخلّص منه مهما كلّف ذلك من أثمان.
في التاريخ القديم هناك الكثير من الشواهد على مثل هذا النوع من الحروب، والتي استُدعيَ فيها الدين ليكون فتيلاً لتغذية هذه الحرب، والتي كان أبرزها الحرب التي دارت في أوروبا بين البروتستانت والكاثوليك واستمرت لمدة ثلاثين عاماً "1618–1648"، والتي خلّفت دماراً هائلاً، وخسائر بشرية ومادية هائلة، وكذلك الحروب الصليبية التي استهدفت المشرق الإسلامي في العصور الوسطى.
في العصر الحديث اختلفت أنواع الحروب بشكل كبير، وباتت تميل بشكل أكثر وضوحاً - وإن استُخدم الدين في بعضها كأداة للتعبئة الأيدلوجية- نحو الرغبة لتحقيق مصالح سياسية أو اقتصادية، أو توسيع النفوذ الجغرافي على حساب الآخرين.
في عالمنا العربي والإسلامي برزت خلال السنوات العشرين الأخيرة نماذج كثيرة ومتعدّدة يمكن تصنيفها ضمن نطاق "الحرب الدينية"، سواء أطلق عليها أصحابها ذلك، أم أبقوه طيّ الكتمان خدمة لمصالح وأجندات معيّنة.
إلّا أنّ كلّ هذه الحروب افتقدت للشرعيّة الدينية المطلوبة، ولم ينطبق عليها أيّ من المتطلّبات الواقعية التي يمكن أن تجعل منها حرباً دينية حقيقية، ولا سيّما أنّ هذه الحروب لم تستهدف في معظمها جيوش دول غازية، أو قوات احتلال أجنبية، بل استهدفت في الأساس دولاً وجماعات من البلد نفسه اختلفت معها سياسياً، سواء حول قضايا داخلية، وفي بعض الأحيان كانت القضايا خارجية.
ومن الغريب والملفت أنّ الجهات التي وقفت وراء إطلاق دعوات "الحرب الدينية"، ودعمتها وموّلتها بمليارات الدولارات، وجيّرت لها إمكانيات عسكرية وإعلامية هائلة، لم تقم بذلك ضدّ أيّ قوة احتلال خارجية، أو عدو حقيقي للأمة، بل زادت على ذلك من خلال التشكيك بكلّ من يحاول استخدام الدين للوقوف في وجه قوى الاحتلال والاستعمار، ووصمه بالكثير من الصفات التي يأتي في مقدّمتها النفاق والاستغلال، واللعب على وتر المشاعر الدينية للشعوب والمجتمعات.
على رأس الجهات التي قامت وما زالت بتأجيج مصطلح "الحرب الدينية" ،والاستثمار فيه خدمة لمصالحها ومصالح حلفائها حتى لو كانوا من أعداء الأمة كانت دول الخليج ،وتحديداً إحدى أكبر تلك الدول ،والتي تحظى بمكانة دينية رفيعة لأسباب يعرفها الجميع ،حيث دأبت على الترويج لأيّ صراع تجد نفسها طرفاً فيه بأنه صراع ديني،وأنّ على جميع المسلمين في المنطقة والعالم أن يبذلوا كلّ ما بإمكانهم لمساندتها فيه ،حتى لو كان خصمها عربياً ومسلماً فقيراً لا يملك من متاع الدنيا شيئاً .
هذه الدولة وغيرها من دول وممالك وإمارات جيّرت الدين، وجزءاً لا بأس به من علمائه الكبار للتحريض على القتل، والذبح، وانتهاك الحرمات والأعراض، وتفجير المساجد، وتدمير البنى التحتية، بل وإسقاط أنظمة بكاملها من أجل خدمة أهدافها السياسية، ومصالحها التوسّعية، وفي كثير من الأحيان مصالح غيرها من دول الاحتلال والإجرام العالمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، ومن ورائها رأس الشر في المنطقة "إسرائيل".
بعد الاحتلال الأميركي للعراق بداية تسعينيات القرن الماضي أطلقت تلك الدول حرباً دينية ضدّ الشعب العراقي وقواه الحرّة والشريفة،حيث أرسلت آلاف الانتحاريين المُضلّلين والمخدوعين لتفجير أنفسهم في الأسواق والمساجد والشوارع، وفي المناسبات الدينية والاجتماعية المختلفة، بل وشكّلت جماعات مسلّحة متطرّفة وموّلتها بكلّ الإمكانيات المطلوبة للقيام بحملة واسعة من عمليات القتل والذبح بحجة الخلافات الطائفية والمذهبية، فيما تغاضت عن سابق قصد وتعمّد عن وجود قوات الاحتلال الأميركية، التي وبحسب الكثير من الإحصائيات ساهمت في سقوط نحو مليون شهيد عراقي، سواء بشكل مباشر، أو نتيجة التداعيات الناتجة عن الحصار الذي فرضته على الشعب العراقي.
في سوريا إبّان حكم النظام السابق، روّجت الدول والممالك نفسها لحرب دينية واسعة، دافعة مئات الآلاف من المغررين للمجيء إلى الأراضي السورية، وإشعال حرب لم تبقِ ولم تذر، متماهية في ذلك مع المواقف المعادية للنظام السابق والتي كان يتبنّاها العدوان الأميركي والإسرائيلي، واللذان شاركا إلى جانب دول قريبة وبعيدة في وصول تلك الجموع من المتطرّفين والقتلة إلى المدن والمحافظات السورية، وصولاً إلى التمكّن من إسقاط النظام والسيطرة على الحكم في لحظة فارقة وحسّاسة من تاريخ المنطقة.
بعد استتباب الأمر للنظام الجديد في سوريا، بدأت تتضّح أكثر المخططات الإسرائيلية التوسّعية نحو عمق الأراضي السورية، والتي باتت تجري صباح مساء من دون أيّ ردّ فعل يُذكر سواء من الحكومة السورية الجديدة، أو من حلفائها الإقليميين، والذين كانوا في السابق يملؤون الدنيا ضجيجاً وعويلاً عند وقوع أيّ حدث صغيراً كان أو كبيراً حتى لو كان مفبركاً أو مفتعلاً كما جرت العادة.
إلى جانب هؤلاء الحلفاء فقد صمتت كلّ الدعوات "الدينية" لتحرير سوريا من أيدي أعدائها، ولم ينبس أحد ببنت شفة في هذا الإطار، وكأنّ "جيش" الاحتلال الإسرائيلي الذي يقيم المواقع العسكرية، ويقصف القرى والمدن السورية هو "جيش" حليف، يحقّ له فعل ما يشاء، من دون حسيب أو رقيب.
في لبنان أيضاً أطلقت الجهات نفسها، وإلى جانبها حلفاؤها المحليون دعوات لإشعال "حرب دينية" ضدّ قوى المقاومة اللبنانية، وتحديداً حزب الله، وقامت بتجنيد عدد كبير من الجهلة والمضللين، ودفعهم لتفجير أنفسهم في مراكز مدنية في الضاحية الجنوبية لبيروت، إضافة إلى تنفيذ عمليات اغتيال استهدفت العديد من قادة المقاومة الإسلامية، في تماهٍ واضح مع العدو الصهيوني، الذي قدّم لتلك المجموعات بحسب بعض المعطيات معلومات استخبارية لتنفيذ عملياتهم التخريبية، والتي كادت لولا عناية الله، وذكاء وفطنة المقاومة أن تشعل فتيل حرب أهلية وطائفية مدمّرة .
اليمن لم يكن بدوره بعيداً عن دعوات "الحرب الدينية"، ولا سيّما بعد تمكّن جماعة أنصار الله من السيطرة على الحكم في صنعاء، والذي تحوّلت بعده من جماعة صغيرة وضعيفة في جبال صعدة، إلى قوّة إقليمية مُهابة الجانب، تقف في وجه أعتى قوى الشر في المنطقة.
خلال الأسبوعين الأخيرين تمّ تجديد الدعوات لشنّ "حرب دينية" ضدّ أنصار الله في العاصمة اليمنية، وجيّرت من أجل ذلك آلاف المواقع الإلكترونية، وصفحات السوشيال ميديا، إلى جانب عشرات الفتاوى الدينية التي أصدرها "علماء" السلاطين، والتي حثّت على الجهاد في وجه "أعداء الجمهورية"، وعملاء إيران، وغير ذلك من الصفات التي هدفت لدغدغة مشاعر المضللين والمغيّبين، واستثارة حماسة بعض الجهلة والمخدوعين.
بعد الهزيمة المدوّية لمشروع الفتنة في اليمن، والذي سقط في غضون عشر ساعات تحت أقدام الشرفاء والغيورين من أبناء هذا البلد العزيز، بدأت سردية "عملاء" القصر تتهاوي، بل وانقلب عليها الكثير من الذين آمنوا بها خلال الفترة الماضية.
على النقيض مما سبق، فقد صمتت كلّ الأصوات التي نادت بضرورة استدعاء "الحرب الدينية" في مواجهات سابقة عندما تعلّق الأمر بقضايا محقّة ومشروعة، كان من الممكن أن تنطبق عليها صفة "الحرب الدينية" بكلّ ما للكلمة من معنى.
في مناطق بعيدة وقريبة من العالم تعرّض المسلمون لحملات من التطهير العرقي، وحروب الإبادة الجماعية، وإلى مجازر صنّفتها المحاكم الدولية بأنها ترتقي لدرجة جرائم الحرب، إلا أنّ ذلك لم يكن كافياً بالنسبة للكثير من الدول، وما يتبعها من مجالس وجمعيات ومؤسسات دينية، لإعلان أو استدعاء "الحرب الدينية" كما جرت العادة عندما يتعلّق الأمر بمصالح أرباب النعم، أو مصالح حلفائهم في المنطقة والعالم.
من هذه المذابح والجرائم ما حدث في تموز/يوليو من العام 1995، عندما ذبح الجيش الصربي بقيادة "راتكو ميلاديتش" آلاف المسلمين البوسنيين، في مذبحة "سربرنيتسا" الشهيرة، والتي صنّفتها محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية كجريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان، إلا أنّ ذلك لم يكن كافياً لإعلان "شيوخ السلاطين" عن ضرورة دعم إخوانهم المسلمين ولو بالكلمة أو المال، ناهيك عن الدعم بالسلاح.
مذبحة أخرى استمرت على مدار سنوات طويلة استهدفت المسلمين في "ميانمار"، ذهب ضحيتها أكثر من 140 ألف مسلم ما بين قتيل أو جريح أو مشرّد.
وعلى الرغم من الإدانة الدولية لهذه الهجمات الإجرامية، والتي تمّ تصنيفها أيضاً مثل سابقتها بأنها جرائم إبادة جماعية، إلا أنّ الصمت المطبق من قبل الدول والجماعات والاتحادات والجمعيات استمر كما العادة، في تنكّر واضح للشعارات التي كانوا يرفعونها عن ضرورة نصرة المظلوم، والضرب على يد الظالم، وتحمّل كلّ التبعات التي يمكن أن تنتج عن ذلك.
غير أنّ المثال الأحدث والأوضح لاستخدام الدين كفتيل لإشعال الحروب الدينية عندما تحتاج إليه دول وأنظمة معيّنة كان في قطاع غزة، والذي تعرّض على مدى ثلاث سنوات متواصلة لحرب إبادة جماعية قل نظيرها، وأدّت حتى وقتنا الحالي إلى سقوط أكثر من مئة ألف شهيد، ومثلهم من الجرحى والمصابين، إلى جانب دمار كبير وهائل فيما يزيد عن ثمانين بالمئة من البنى التحتية على اختلاف أنواعها.
في الحرب الإسرائيلية الإجرامية على غزة، والتي صنّفتها المحكمة الجنائية الدولية كجريمة إبادة جماعية، وأصدرت على أثرها مذكّرات اعتقال بحقّ رئيس وزراء العدو ووزير حربه السابق، لم يصدر عن معظم الدول ولا سيّما تلك التي كانت تدعو إلى "الحروب الدينية" أي ردّ فعل يُذكر، ولم تُشر أو تدعو سواء بشكل مباشر أو عن طريق وكلائها وتابعيها إلى ضرورة إعلان "حرب دينية" للتصدّي لهذه الحرب المجنونة، أو على أقل تقدير التخفيف من تداعياتها على الفلسطينيين في قطاع غزة.
واللافت والمُستغرب أيضاً أنّ الأمر لم يقتصر على هذه الدول والجماعات التابعة لها، بل وصل إلى جماعات إسلامية لطالما صدّعت رؤوسنا بضرورة التصدّي للباطل، ومواجهته بكلّ السبل والوسائل، ولطالما أصدرت فتاوي ومواقف تجرّم كلّ من يختلف مع أفكارها ومناهجها، غير أنها عندما تعلّق الأمر بإجرام "إسرائيل" ضد الشعب الفلسطيني صمتت صمت أهل القبور، وابتلعت لسانها مثل القطط، وأدارت ظهرها لكلّ ما كانت ترفعه من شعارات، وتروّج له من مبادئ.
في الحرب على غزة والتي كانت تستحق أكثر من غيرها لقب "الحرب الدينية"، ولا سيّما بعد أن دمّر الاحتلال خلالها آلاف المساجد، ومنع إقامة الشعائر الدينية بشكل كامل، وقتل خلالها كلّ هذا العدد من المدنيين العزّل، والذين اعتبر بعض علماء الإسلام المحافظة على حياتهم والذود عنهم أهمّ من الحفاظ على الدين نفسه، في هذه الحرب كان من الأولى تحشيد طاقات الأمة، وتجميع شتاتها، وتوحيد صفوفها،والانطلاق نحو معركة "دينية" تُكسر فيها شوكة الأعداء مرة واحدة وإلى الأبد، وتُحرّر فيها الأرض والمقدّسات كما أمرت بذلك كلّ التعاليم السماوية.
ختاماً يمكننا الخروج باستنتاج واضح وصريح، وهو يشير من دون أدنى لبس إلى أنّ استدعاء "الدين" في الحروب كما أشرنا في بداية مقالنا كان خدمة لمصالح أنظمة وحكومات فاسدة ومجرمة، وتنفيذاً لأجندات صبّ معظمها في صالح أعداء الأمة، بينما تمّ نفي "الدين" وتغييبه، بل والمطالبة بعدم استدعائه عندما كان الأمر يستحقّ ذلك.
في غزة كما هو الحال في ميانمار والبوسنة، وفي الكثير من الساحات التي ارتكبت فيها جرائم إبادة جماعية بحقّ المسلمين صمتت منابر، واختفت وجوه، وسقطت شعارات كانت تملأ حياتنا ضجيجاً، كانت تدعو الأخ إلى قتل أخيه بحجة الاختلاف في المذهب أو الطائفة، ولكنها جميعاً غابت عندما تعلّق الامر بالتصدّي للظلمة والبغاة، وذهبت أدراج الرياح عندما أمر ولي النعمة بذلك.