قراءة في مواقف القارة الأفريقية تجاه الحرب في منطقة الخليج
تكشف التفاعلات الأفريقية مع الحرب في الخليج عن سؤال أعمق يتعلّق بمكانة القارة في النظام الدولي. فرغم صدور بيانات متتالية من الاتحاد الأفريقي، لا تبدو أفريقيا حتى الآن طرفاً مؤثّراً في النقاشات الدولية حول هذه الأزمة.
-
أفريقيا.. حرب بعيدة… وتأثيرات قريبة.
أثار استئناف الهجوم الأميركي ـــــ الإسرائيلي على إيران فجر يوم 28 شباط/فبراير 2026 موجة من القلق والتفاعلات الدولية، بالنظر إلى الأهمية الجيوسياسية التي تمثّلها منطقة الخليج والشرق الأوسط بشكل عامّ في معادلات الطاقة والتجارة العالمية.
ولا تقف هذه الأهمية عند حدود الإقليم، بل تمتدّ آثارها إلى مناطق أخرى من العالم، وفي مقدّمتها القارة الأفريقية التي ترتبط اقتصاداتها وأمنها الطاقوي بصورة وثيقة بما يجري في هاتين المنطقتين.
ورغم هذه الأهمية، اتسمت المواقف الصادرة عن الحكومات والمنظّمات الأفريقية بطابع عامّ، تمثّل أساساً في الإعراب عن القلق والدعوة إلى ضبط النفس وخفض التصعيد. غير أنّ طبيعة الحرب الجارية - التي ترى الدوائر الصهيونية المحافظة في الغرب أنها لا تستهدف تغيير النظام في إيران فحسب بل إعادة تشكيل توازنات القوة في الشرق الأوسط - تثير تساؤلات أعمق حول موقع أفريقيا في النظام الدولي، وقدرتها على التأثير في الأزمات التي تمسّ مصالحها المباشرة.
في الآونة الأخيرة، ومع تصاعد التحدّيات الدولية وتزايد مؤشرات تفكّك النظام الدولي وتعدّد الأزمات ذات الانعكاسات المباشرة على القارة، اتجهت تحليلات عدد متزايد من الخبراء والباحثين إلى التركيز على مسألة القيادة باعتبارها أحد العوامل الرئيسية المفسِّرة لحالة العجز الأفريقي في التعامل مع التحوّلات الجيوسياسية الراهنة، فضلاً عن الأزمات والتحدّيات داخل القارة.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الإثيوبي المتخصص في شؤون القارة الأفريقية ومؤسساتها، عبدول محمد، أنّ قدرة أفريقيا على التحرّك بفاعلية في النظام الدولي ترتبط إلى حدّ كبير بمدى نجاح مؤسساتها القارية في توظيف آليات العمل متعدّد الأطراف. ويؤكد أنّ العمل عبر هذه الآليات يمثّل الاختبار الأهمّ للقيادة الحالية داخل الاتحاد الأفريقي، خاصة في ظلّ التحوّلات الجيوسياسية المتسارعة التي تعيد تشكيل توازنات القوة في العالم.
حرب بعيدة… وتأثيرات قريبة
تأتي الحرب في الخليج في وقت تواجه القارة الأفريقية أصلاً أزمات سياسية وأمنية واقتصادية متعدّدة. فعدد من مناطقها يعاني بالفعل من نزاعات مسلحة واضطرابات سياسية وأزمات اقتصادية حادّة، الأمر الذي يجعل أيّ صدمة خارجية إضافية ــــــ خاصة في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد ـــــ ذات تأثير مباشر على استقرارها.
وفي المقابل، يرى بعض المحللين أنّ الأزمة قد تحمل أيضاً فرصاً محتملة للقارة. فتراجع صادرات النفط من الخليج، على سبيل المثال، قد يفتح مجالاً أمام الدول الأفريقية المنتجة للنفط لتحقيق عوائد أكبر في الأسواق الدولية.
لكنّ تقديرات أخرى أكثر تشاؤماً تحذّر من أنّ الصراع قد يمتد بآثاره إلى داخل القارة. فبحسب تحليل لرونك غوبالداس ومينزي ندلوفو، المتخصصين في سياسات المخاطر في معهد الدراسات الأمنية، فإنّ الطبيعة الجيوسياسية للصراع تجعل من المحتمل انتقال بعض مظاهره إلى أفريقيا، حيث تتنافس القوى الدولية بالفعل على النفوذ والمصالح.
ويرى الباحثان أنّ هذا الاحتمال قد يتخذ أشكالاً عدة، من بينها استهداف الأصول التابعة للأطراف المتحاربة داخل القارة، أو تراجع الاهتمام الغربي بالملفات الأمنية الأفريقية لصالح أولويات أخرى مثل الشرق الأوسط، الأمر الذي قد ينعكس في تقليص الدعم والمساعدات الأمنية.
وفي ظلّ هذا الوضع، قد تصبح بعض الدول الأفريقية أكثر عرضة لعودة التمرّدات أو تصاعد التوترات الداخلية، خصوصاً في الدول ذات التركيبة الدينية الحسّاسة حيث يمكن أن تؤجّج أحداث الشرق الأوسط الانقسامات المحلية داخلها.
اللغة الدبلوماسية في المواقف الأفريقية
غلب على البيانات الرسمية الصادرة عن الحكومات الأفريقية والمنظّمات الإقليمية استخدام لغة دبلوماسية تقليدية ركّزت على الدعوة إلى خفض التصعيد وضبط النفس واللجوء إلى الحوار. كما تضمّنت تلك البيانات تعبيرات عن القلق إزاء تطوّرات الحرب من دون الدخول في توصيفات سياسية مباشرة لطبيعة الصراع.
ويعكس هذا النهج - كما يرى مراقبون - محاولة للحفاظ على توازن دبلوماسي بين مختلف الأطراف، خاصة أنّ العديد من الدول الأفريقية ترتبط بعلاقات اقتصادية وسياسية مع الولايات المتحدة ودول الخليج، وفي الوقت نفسه تسعى إلى الحفاظ على علاقاتها مع إيران.
ومن بين المواقف الرسمية البارزة في القارة، دعا رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا إلى احترام القانون الدولي والاحتكام إلى الدبلوماسية في حلّ النزاعات، مؤكّداً أنّ مفهوم "الدفاع الاستباقي عن النفس" لا يستند إلى أيّ أساس في القانون الدولي.
ويعكس هذا الموقف توجّهاً مثالياً لدى الدول الأفريقية لإطار الأزمة من زاوية القانون الدولي، بدلاً من الانخراط في اصطفافات سياسية حادّة بين أطراف الصراع.
وعلى النقيض من هذه اللغة الرسمية الحذرة، اتخذت بعض الجهات الحزبية والشعبية في القارة مواقف أكثر صراحة ومباشرة. وعلى سبيل المثال، فقد وصف بيان صادر عن المكتب السياسي لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي في المغرب ما جرى بأنه "عدوان أميركي- إسرائيلي على سيادة إيران"، معتبراً أنّ ما يحدث يمثّل حلقة جديدة من الصراع الدولي للهيمنة على المنطقة وثرواتها. كذلك، أصدر حزب "المحاربون من أجل الحرية الاقتصادية" (EFF)، وهو حزب يساري التوجّه أيضاً في جنوب أفريقيا، بياناً وصف ما يجري في منطقة الخليج بأنّه "عدوان إمبريالي" و"انتهاك صارخ للسيادة الوطنية الإيرانية".
مواقف المنظّمات والتكتلات الأفريقية
على مستوى المنظّمات القارية، كان الاتحاد الأفريقي أول جهة إقليمية تصدر موقفاً من التطوّرات، حيث أصدر رئيس مفوّضية الاتحاد بيانين متتاليين في اليوم الأول من اندلاع الحرب، دعا فيهما إلى ضبط النفس وخفض التصعيد واستمرار الحوار.
وحذّر البيان من أنّ أيّ تصعيد إضافي قد يؤدّي إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار العالمي، مع ما يترتّب على ذلك من آثار خطيرة على أسواق الطاقة والأمن الغذائي والاقتصاد الدولي، وهي تداعيات قد تكون أشدّ وقعاً على أفريقيا التي تعاني بالفعل من ضغوط اقتصادية وصراعات متعدّدة.
ومع استمرار التصعيد، أصدر رئيس المفوّضية في 9 آذار/مارس بياناً جديداً حذّر فيه من أنّ الهجمات على البنية التحتية في المنطقة تزيد من حدّة التوتر وتهدّد الاستقرار الإقليمي والعالمي، كما تعطّل سلاسل الإمداد الحيوية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي.
ورغم ذلك، يرى بعض المراقبين أنّ الاتحاد الأفريقي يبدو أحياناً أسرع في إصدار البيانات بشأن أزمات تقع خارج القارة مقارنة بتفاعله مع الأزمات الداخلية في الدول الأعضاء.
بدورها، أعربت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) عن قلقها من تصاعد العمليات العسكرية في الخليج، محذّرة من أنّ استمرار التصعيد قد يهدّد الأمن والسلم الدوليين ويؤثّر سلباً على أسواق الطاقة العالمية.
كما أدانت المجموعة الأفريقية في مجلس الأمن (A3)، التي تضمّ حالياً الصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيريا، الهجمات الإيرانية على عدد من دول الخليج، معتبرة أنّ الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران تمثّل تصعيداً خطيراً يهدّد الاستقرار الإقليمي.
لماذا تبدو المواقف الأفريقية ضعيفة؟
تتعدّد التفسيرات لضعف المواقف الأفريقية تجاه الحرب في الخليج. فالعامل الجغرافي يؤدّي دوراً مهماً، إذ ينظر كثير من دول أفريقيا جنوب الصحراء إلى الشرق الأوسط باعتباره منطقة بعيدة نسبياً عن اهتماماتها المباشرة.
لكن في المقابل، فإنّ مناطق شرق أفريقيا والقرن الأفريقي أكثر ارتباطاً وتأثّراً بتطورات الخليج بحكم القرب الجغرافي والتداخل الاقتصادي، خاصة في مجالات التجارة والطاقة والتحويلات المالية للمهاجرين والعمالة في الخليج.
كما أنّ حساسية العلاقات مع القوى الكبرى تؤدّي دوراً مهماً في صياغة المواقف الأفريقية. فالدول الأفريقية ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة ودول الخليج من جهة، بينما تسعى في الوقت نفسه إلى تجنّب خسارة علاقاتها مع أطراف أخرى مثل إيران.
ولهذا تميل بعض الحكومات إلى إصدار بيانات عامّة أو متوازنة تدين أفعال جميع الأطراف، في محاولة لتجنّب الإحراج الدبلوماسي أو إغضاب شركائها الدوليين.
كما أنّ حالة الانقسام بين الدول العربية وضعف استجابتها الجماعية تجاه هذا الصراع تلقي بظلالها أيضاً على مواقف الدول الأفريقية. فهذه الأخيرة لا تبدو مستعدّة لأن تتخذ مواقف أكثر حدّة أو وضوحاً مما تتخذه الدول العربية المعنية مباشرة بالأزمة. وبعبارة أخرى، لا تميل العواصم الأفريقية إلى أن تكون "ملكية أكثر من الملك" في قضايا لا يظهر فيها حتى أصحاب المصلحة المباشرة موقفاً موحّداً أو قوياً.
ومن هذا المنطلق، تنطلق المواقف الرسمية الأفريقية في الغالب من الاعتبارات نفسها التي تحكم مواقف العديد من الدول والتكتّلات في أقاليم أخرى من العالم. فهي تنظر إلى الحرب أساساً من زاوية تأثيرها المحتمل على مصالحها الاقتصادية والأمنية، أكثر من النظر إليها من زاوية معيارية تتعلّق بالدفاع عن مبادئ القانون الدولي أو حماية ما يسمّى بـ "النظام الدولي القائم على القواعد".
الخليج كمنطقة بعيدة في الإدراك الأفريقي
إلى جانب البعد الجغرافي، أدّت طبيعة العلاقات بين إيران ودول الخليج في أفريقيا دوراً في تشكيل الإدراك السياسي داخل القارة. فقد كان التنافس الإيراني ـــــ العربي في أفريقيا يتركّز غالباً في المجالات الثقافية والدينية داخل المجتمعات المسلمة، وهو ما جعل كثيراً من الدول الأفريقية تنظر إليه باعتباره صراع نفوذ بين قوى خارجية وليس صراعاً بين شركاء لها.
وعلى الرغم من أنّ دول الخليج كانت قد أصبحت خلال العقود الأخيرة مصدراً مهماً للتمويل والاستثمار في أفريقيا، كما تستضيف أعداداً متزايدة من العمالة الأفريقية. ولهذا تخشى بعض الحكومات الأفريقية من أن يؤدّي استمرار الحرب إلى خسارة هذه الفرص الاقتصادية.
مع ذلك، لم تتطوّر العلاقات العربية- الأفريقية إلى مستوى مؤسسي قوي يمكن أن يُسفر عن مواقف تضامنية قوية وفعّالة. فالقمة العربية-الأفريقية، التي يفترض أن تكون منصة استراتيجية للتعاون بين الجانبين، لم تعقد سوى أربع مرات بين عامي 1977 و2016، بينما تأجّلت القمة الخامسة منذ عام 2023 عدة مرات.
التداعيات الاقتصادية وأمن الطاقة
حتى في ظلّ المواقف السياسية الحذرة، بدأت آثار الحرب تظهر سريعاً على اقتصادات عدد من الدول الأفريقية. فقد سجّلت عدة دول ارتفاعاً في أسعار الوقود والطاقة نتيجة اضطراب الأسواق العالمية.
كما أنّ تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب واحتمالات تعطّل حركة النقل عبر مضيق هرمز يثيران مخاوف بشأن اضطراب سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، وهي عوامل قد تزيد من الضغوط الاقتصادية على الدول الأفريقية.
ولا تقتصر التأثيرات على الاقتصاد فقط، بل تمتد أيضاً إلى العمل الإنساني في مناطق النزاعات داخل القارة، حيث تعتمد العديد من المجتمعات المتضرّرة من الحروب بشكل مباشر على الإمدادات والتمويل الدولي.
وفي ضوء حرب الخليج الحالية، وفي ظلّ التحوّلات الجيوسياسية العالمية وكذلك صعود النزعات الأحادية في السياسة الدولية والتوجّهات الفوضوية لإدارة ترامب، يخشى بعض المراقبين من أن تتحوّل مناطق غنية بالموارد في أفريقيا إلى ساحات جديدة للتنافس الدولي والتدخّلات الأميركية على غرار ما جرى في فنزويلا وما يجري مع إيران حالياً، خاصة في ظلّ الاهتمام المتزايد بالمعادن والطاقة.
خلاصة
تكشف التفاعلات الأفريقية مع الحرب في الخليج عن سؤال أعمق يتعلّق بمكانة القارة في النظام الدولي. فرغم صدور بيانات متتالية من الاتحاد الأفريقي، لا تبدو أفريقيا حتى الآن طرفاً مؤثّراً في النقاشات الدولية حول هذه الأزمة.
ويشير ذلك إلى أنّ القارة لا تزال تواجه تحدّياً في تحويل وزنها الديموغرافي والسياسي إلى نفوذ فعلي في إدارة الأزمات الدولية حتى تلك التي تنعكس عليها سلباً وتؤثّر على مصالح دولها وشعوبها.
لذا، تمثّل الحرب في الخليج اختباراً حقيقياً لقدرة أفريقيا على صياغة موقف جماعي يعكس مصالحها في النظام الدولي. فالقارة، لم تنجح بعد في بلورة موقف سياسي موحّد وقوي تجاه هذه الأزمة يأخذ بعين الاعتبار مراعاة مصالحها وصوتها تجاه ما يجري، رغم تأثّرها المباشر بتداعيات الصراع في مجالات الطاقة والتجارة والاستقرار الاقتصادي.
إجمالاً، وفي ظلّ التحوّلات المتسارعة في السياسة العالمية، يصبح تعزيز العمل الأفريقي المشترك عبر آليات متعدّدة الأطراف ـــــ وفي مقدّمتها الاتحاد الأفريقي ـــــ شرطاً أساسياً لجعل صوت القارة أكثر حضوراً وتأثيراً في القضايا الدولية التي تمسّ مصالحها الحيوية، كما هو الشأن في حرب الخليج الحالية.