في عصر المنافسة التكنولوجية: الاختراق الاستراتيجي للرقائق الصينية

تُظهر التجارب التاريخية أنّ كلّ تحوّل كبير في موازين القوى الدولية كان يقف خلفه تقدّم تكنولوجي جوهري.

  • الاختراق الاستراتيجي للرقائق الصينية.
    الاختراق الاستراتيجي للرقائق الصينية.

في 25 أيار/مايو، كشفت شركة هواوي الصينية للمرة الأولى عن "قانون تاو (τ) " خلال ندوة الدوائر والأنظمة الدولية 2026 التي عُقدت في شنغهاي. ويقوم هذا المفهوم الجديد على عدم الاكتفاء بمواصلة تصغير حجم الترانزستورات، بل السعي إلى رفع كفاءة الأداء عبر ما يُعرف بـ"الطيّ المنطقي" والتكامل على مستوى الأنظمة، في محاولة لاستكشاف مسار تقني جديد لتطوير الرقائق. ويُعدّ هذا أول مبدأ تطويري شامل تطرحه الصين في قطاع أشباه الموصلات على المستوى العالمي، ما يجعله تحدّياً مباشراً لمنظومة "قانون مور" التي هيمن عليها الغرب طوال أكثر من نصف قرن.

على مدى القرن الماضي، انتقلت الموارد الأساسية التي تحدّد موازين القوة بين الدول الكبرى من الأرض والطاقة إلى التصنيع الصناعي. أما في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، فقد أصبحت القدرة على الابتكار التكنولوجي العامل الأكثر تأثيراً في تحديد القدرة التنافسية للدول.

ومن الذكاء الاصطناعي إلى الحوسبة الكمّية، ومن الطاقة الجديدة إلى التكنولوجيا الحيوية، تعيد الثورة التكنولوجية العالمية تشكيل موازين القوى الدولية. ولم يعد التنافس على القمة التكنولوجية مجرّد نشاط اقتصادي أو صناعي، بل تحوّل إلى مواجهة شاملة بين القدرات الاستراتيجية للدول.

ولهذا السبب، أصبحت المنافسة حول أشباه الموصلات — التي تُعدّ الجهاز العصبي للمنظومة الصناعية الحديثة — جزءاً أساسياً من التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة. وخلال السنوات الأخيرة، بنت الولايات المتحدة منظومة متكاملة من القيود تستهدف قطاع أشباه الموصلات الصيني، تشمل الرقائق والمعدّات والبرمجيات والمواهب ورؤوس الأموال وسلاسل الإمداد.

فمن خلال إصدار "قانون الرقائق والعلوم" بهدف تركيز القدرات التصنيعية المتقدّمة وموارد البحث والتطوير داخل الولايات المتحدة ودائرة حلفائها، إلى فرض قيود على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي عالية الأداء مثل  A100  وH100 إلى الصين، ثمّ التنسيق مع هولندا واليابان لتوسيع القيود المفروضة على تصدير معدّات تصنيع الرقائق، بما في ذلك أجهزة الطباعة الضوئية، من تقنيات EUV إلى DUV وغيرها.

وفي الوقت نفسه، استمرّت قائمة الكيانات الخاضعة للعقوبات في التوسّع، حيث أُدرج عدد كبير من الشركات التكنولوجية الصينية ضمنها، كما فُرضت قيود على مشاركة المواطنين الأميركيين والشركات الأميركية في بعض مشاريع أشباه الموصلات المتقدّمة في الصين، في حين أسهمت آليات مراجعة الاستثمارات في تقييد تدفّق المعرفة التقنية ورؤوس الأموال معاً.

ولم يعد الهدف من هذه الإجراءات يقتصر على تقييد نمو شركات بعينها، بل أصبح يتمثّل في إبطاء وتيرة اللحاق الصيني بالتكنولوجيا المتقدّمة في مجالي أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي.

وفي ظلّ هذه الظروف، لم تُبطئ الصين خطواتها، بل رفعت صناعة أشباه الموصلات إلى مستوى الاستراتيجية الوطنية، من خلال الدعم السياسي والاستثمارات الرأسمالية وتوظيف قوة السوق المحلية لدفع بناء منظومة صناعية متكاملة على امتداد سلسلة القيمة.

وفي هذا السياق ظهر "قانون تاو". فمع تزايد القيود على وصول الصين إلى أحدث تقنيات تصنيع الرقائق، بدأت الشركات الصينية البحث عن طرق جديدة لتحسين أداء الشرائح بعيداً عن المسار التقليدي القائم على تصغير الترانزستورات باستمرار. ومن هنا طرحت هواوي "قانون تاو" بوصفه منهجية جديدة لتطوير الرقائق، تقوم على فكرة أساسية تتمثّل في الانتقال من التركيز على "التصغير الهندسي" إلى التركيز على تحسين سرعة انتقال الإشارات داخل الشريحة وكفاءة عملها.

ففي حين يعتمد قانون مور على زيادة عدد الترانزستورات داخل المساحة نفسها عبر تصغير حجمها، وهو مسار يقترب تدريجياً من حدوده الفيزيائية، يسعى "قانون تاو" إلى رفع الأداء بطريقة مختلفة. فبدلاً من جعل الترانزستورات أصغر، يركّز على تقليل الزمن الذي تستغرقه الإشارات للتنقّل داخل الشريحة، وذلك من خلال إعادة تصميم بنية الدوائر وتحويلها من هياكل مسطّحة إلى أخرى ثلاثيّة الأبعاد متعدّدة الطبقات باستخدام تقنية "الطيّ المنطقي"، ما يسمح بتقليص المسافات التي تقطعها الإشارات وتسريع أدائها.

وتكمن الأهمية لـ"قانون تاو" في أنه يفتح مساراً جديداً لتحسين أداء الرقائق من دون الاعتماد الكامل على أحدث تقنيات الطباعة الضوئية المتقدّمة. وبالنسبة لصناعة أشباه الموصلات الصينية التي تواجه قيوداً على الوصول إلى تقنيات التصنيع الأكثر تقدّماً، فإنّ هذا النموذج الجديد يعني الانتقال من السعي للحاق بالمسارات الغربية التقليدية إلى بناء مسارها الخاصّ على مستوى البنية المعمارية والأنظمة.

وقد نجحت هواوي بالفعل في إنتاج 381 شريحة استناداً إلى هذه النظرية، كما تخطّط لإطلاق أوّل معالج Kirin للهواتف الذكية يعتمد بالكامل على تقنية "الطيّ المنطقي" خلال خريف هذا العام. وتشير التقديرات التقنية للشركة إلى أنّ كثافة الترانزستورات في الرقائق المتقدّمة المعتمدة على "قانون تاو" قد تصل بحلول عام 2031 إلى مستوى يعادل تقنية تصنيع بدقة 1.4 نانومتر.

ومع ذلك، فإنّ هواوي ليست سوى نموذج واحد ضمن مسيرة الابتكار الذاتي لصناعة أشباه الموصلات الصينية.

فعلى مدى السنوات الماضية، ورغم تصاعد القيود التقنية الخارجية، واصل القطاع الصيني تحقيق اختراقات مهمة في عدد من المجالات الرئيسية.

ففي تصميم الرقائق، أحرزت شركات محلية تقدّماً ملحوظاً في مجالات الحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي والمعالجات عالية الأداء ورقائق الاتصالات. وفي التصنيع، أصبحت الشركات الصينية قادرة على إنتاج رقائق بتقنيات متقدّمة وتسعى باستمرار إلى الارتقاء بها. أما في مجال رقائق الذاكرة، فقد تمكّنت الشركات الصينية من كسر الهيمنة الطويلة للشركات العالمية الكبرى والدخول إلى مصاف اللاعبين الرئيسيين عالمياً في منتجات مثل NAND Flash.

وفي الوقت ذاته، تواصل البرمجيات المحلية لتصميم الرقائق (EDA) والمواد الأساسية وتقنيات التغليف المتقدّم ومعدّات أشباه الموصلات تقليص الفجوة مع المستويات العالمية المتقدّمة. كما بدأت أعداد متزايدة من الشركات الصينية بالمشاركة في صياغة مسارات تقنية واتجاهات صناعية جديدة.

إنّ قدرة صناعة أشباه الموصلات الصينية على تحقيق هذه الاختراقات تحت ضغوط متزايدة لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل. أوّلها الاستثمار طويل الأمد على المستوى الوطني. فمنذ عام 2014 أصدرت الحكومة الصينية "المخطّط الوطني لتطوير صناعة الدوائر المتكاملة"، ثم جاء برنامج "الخطة الخمسية الرابعة عشرة" ليجعل تحقيق الاكتفاء الذاتي والاعتماد على الذات في العلوم والتكنولوجيا ركيزة استراتيجية للتنمية الوطنية، مع إدراج الدوائر المتكاملة والرقائق المتقدّمة والبرمجيات الأساسية ضمن أولويات البحث والتطوير.

وثانيها الميزة الفريدة التي توفّرها السوق الصينية الواسعة النطاق. فالصين تمتلك أكبر منظومة تصنيع إلكتروني وأحد أكبر الأسواق الرقمية في العالم، ما يوفّر بيئة تطبيقية ضخمة تمتدّ من الهواتف الذكية والمركبات الكهربائية إلى الأتمتة الصناعية والذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يساعد على تسريع تحويل الابتكارات التقنية إلى منتجات وتطبيقات واسعة الانتشار.

أما العامل الثالث فيتمثّل في التكامل الصناعي الشامل. فالصين تُعدّ من الدول القليلة التي تمتلك جميع الفئات الصناعية المدرجة ضمن التصنيف الصناعي للأمم المتحدة. وصناعة الرقائق لا تعتمد فقط على التصميم والتصنيع، بل تشمل أيضاً المواد والمعدات والمعالجة الدقيقة والبرمجيات والاتصالات والطاقة. ويمنح هذا التكامل الصناعي الصين قدرة على تحقيق الابتكار المتزامن في حلقات متعدّدة من سلسلة القيمة، وهي ميزة يصعب على كثير من الدول تكرارها.

ويُضاف إلى ذلك تراكم الكفاءات البشرية وتعاظم القدرات الهندسية والابتكارية، فضلاً عن أنّ الضغوط الخارجية نفسها أسهمت في تسريع وتيرة الابتكار الذاتي وتعزيز الدوافع الداخلية للتطوير التكنولوجي.

وتُظهر التجارب التاريخية أنّ كلّ تحوّل كبير في موازين القوى الدولية كان يقف خلفه تقدّم تكنولوجي جوهري. فمن المحرّك البخاري الذي صنع العصر الصناعي، إلى الحاسوب الذي شكّل عصر المعلومات، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي الذي يفتح اليوم عصراً جديداً من التحوّل الذكي، ظلّت التكنولوجيا العامل الحاسم في قوة الدول. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد الرقائق مجرّد حوامل للقدرة الحاسوبية، بل أصبحت مورداً استراتيجياً يرتبط بحقّ الدول في التنمية ومستقبلها.

ومن هذا المنطلق، فإنّ قيمة "قانون تاو" قد لا تكمن فقط في مضمونه التقني، بل أيضاً في التحوّل الفكري الذي يجسّده. ففي الوقت الذي يسعى فيه العالم الخارجي إلى إبطاء تقدّم الصين عبر القيود التكنولوجية، بدأت الشركات الصينية بالانتقال تدريجياً من مرحلة اللحاق بالمسارات التقنية القائمة إلى مرحلة استكشاف مساراتها الابتكارية الخاصة.