في خلفية التصعيد الإقليمي .. خطوة عسكرية جديدة من "بلغراد" نحو "تل أبيب"

على الرغم من أن إعلان الرئيس الصربي، ألكسندر فوتشيتش، في حزيران الماضي وقف صادرات الأسلحة إلى "إسرائيل"، إلا أن إعلانه مؤخراً عن قرب افتتاح مصنع مشترك لإنتاج المسيرات مع "تل أبيب"، أكد عمق العلاقات العسكرية بين الطرفين.

  • مؤشرات متتالية على عمق العلاقات العسكرية بين بلغراد و
    مؤشرات متتالية على عمق العلاقات العسكرية بين بلغراد و "تل أبيب".

في أوائل آذار/مارس الماضي، أعلن الرئيس الصربي، ألكسندر فوتشيتش، عن قرب افتتاح أول مصنع لإنتاج الطائرات من دون طيار في صربيا، مشيراً إلى أنه مشروع مشترك مع شريك أجنبي، وأنه قد يبدأ العمل بحلول نيسان/أبريل الجاري.

هذه الخطوة كانت مفاجئة، بالنظر إلى عاملين أساسيين، الأول هو أن عمليات تشييد المصنع، وما سبقها من اتفاقيات وتجهيزات مع "الشريك الأجنبي"، تمت في سرية تامة، والثاني أن فوتشيتش، لم يكشف عن اسم الشريك الأجنبي الذي سيجري تشييد المصنع بالتعاون معه، لكن، كشفت الصحافة الصربية لاحقاً، أن هذا الشريك هو شركة "إلبيت سيستمز"، التي تعتبر من أكبر شركات الصناعات الدفاعية في "إسرائيل".

وقد أشارت التفاصيل التي نشرتها الصحف الصربية حول هذه الصفقة، أن المصنع المزمع افتتاحه، ستمتلك شركة "إلبيت" نحو 51 بالمئة من أسهمه، في حين ستمتلك بقية الأسهم مجموعة الصناعات الدفاعية الصربية "يوغوإمبورت"، ويقع هذا المصنع في منطقة "شيمانوفسي" الصناعية، غربي العاصمة الصربية بلغراد، داخل مرفق مستأجر من مجموعة "بينك ميديا"، التابعة لرجل الأعمال الصربي البارز، زيلجكو ميتروفيتش، ويستهدف هذا المصنع في المراحل الأولية، إنتاج نوعين أساسيين من أنواع الطائرات المسيرة، أحدهما للعمليات قصيرة المدى، والأخر للعمليات المسيرة بعيدة المدى.

مؤشرات متتالية على عمق العلاقات العسكرية بين بلغراد و "تل أبيب"

هذه الخطوة المتقدمة في العلاقات العسكرية بين كلا الجانبين، جاءت بعد عدة أشهر من تزايد المؤشرات حول دخول هذا الجانب من العلاقات بينهما، إلى مستويات لم يصلها منذ تطبيع العلاقات بين البلدين، ولعل أهم هذه المؤشرات، كانت الرحلات الجوية المتتالية لطائرات الشحن، بين قاعدة "نيفاتيم" الجوية الإسرائيلية، ومطار بلغراد الدولي، في شباط/فبراير الماضي، وكذلك رحلات مماثلة تمت خلال المرحلة التالية للسابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، بواقع نحو 18 رحلة على الأقل عام 2024، و 38 رحلة عام 2025، واتضح من خلالها أن تل ابيب، في خضم بحثها النشط عن ذخائر المدفعية من عيار 155 ملم - في ظل النقص العام في مثل هذه القذائف، بسبب  الحرب في أوكرانيا، والتي أدت إلى استنزاف مخزونات الذخيرة الغربية والحليفة بشكل كبير – قد لجأت إلى بلغراد، ضمن مقايضة تتسلم ضمنها كميات من هذه الذخائر، مقابل تزويد الجيش الصربي بأنظمة دفاعية متطورة، ظهرت تباعاً في صربيا من دون سابق إعلان عن التعاقد عليها.

وعلى الرغم من أن إعلان الرئيس الصربي، ألكسندر فوتشيتش، في حزيران/يونيو الماضي، عن وقف صادرات الأسلحة إلى "إسرائيل"، وذلك بعد اجتماع موسّع مع رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الصربي، إلا أن إعلانه مؤخراً عن قرب افتتاح مصنع مشترك لإنتاج المسيرات مع "تل أبيب"، أكد عمق العلاقات العسكرية بين كلا الطرفين.

يضاف إلى ذلك أن "المقايضة" السالف ذكرها، قد تأكدت أوائل العام الحالي، بعد الإعلان عن توقيع الجيش الصربي مع شركة "إلبيت" الإسرائيلية، سلسلة من الصفقات غير المعلنة التفاصيل، من بينها صفقة بقيمة 335 مليون دولار، لشراء أنظمة مدفعية وطائرات مسيرة، وصفقة أخرى بقيمة 1.64 مليار دولار، تشمل أنظمة مماثلة، وأنظمة خاصة بالاستطلاع الإلكتروني والإشاري، وأنظمة متطورة لجمع ومعالجة المعلومات الاستخبارية، إضافة إلى أنظمة كهروضوئية متقدمة وأنظمة رؤية ليلية، وتحديثات للمركبات القتالية، وأنظمة حماية.

حقيقة الأمر أن تبادل الأسلحة والمنظومات القتالية بين الجانبين، كان قد اقتصر خلال العقود الماضية، على حصول صربيا على طائرات الاستطلاع المسيرة قصيرة المدى "Orbiter"، بجانب أنظمة سيبرانية متطورة، استخدمت على نطاق واسع تقنيات مراقبة جماعية لرصد معارضي الحكومة الصربية، وفي الجانب الأخر، حصلت تل أبيب على ذخائر خفيفة ومتوسطة صربية الصنع، وبعض المعدات الخاصة "بقوات مكافحة الشغب"، التي ينتجها مصنع الأسلحة الحكومي الصربي "كروسيك". لكن من أواخر عام 2023 وحتى الآن، ظهرت ضمن تسليح الجيش الصربي، سلسلة من الأنظمة الإسرائيلية، من بينها طائرات الاستطلاع المسيرة "Hermes-900"، والراجمات الصاروخية "PLUS"، والطائرات المسيرة "SkyLark"، والذخائر الجوالة "Sky Striker"، ورادار المراقبة وتحديد النيران RPS-42".

مسارات متباينة ضمن العلاقات العسكرية بين البلدين

بشكل عام، اتسمت العلاقات بين الجانبين، بارتباطها بالروابط التاريخية بين التاريخ الصربي والحركة الصهيونية، في ظل انحدار عائلة "تيودور هرتزل" من ضاحية "زيمون" شمال شرق العاصمة الصربية. هذا الأمر، بجانب أمور أخرى ترتبط بالجانب الفكري والعقائدي في الذهنية الصربية، كانت دافعاً لأن تكون مملكة صربيا، أول دولة تؤيد رسمياً وعد "بلفور" عام 1917.

لكن رغم هذه الوقائع، شاب العلاقات بين "إسرائيل" وجمهورية يوغسلافيا – فتور مستمر على مدار العقود التي سبقت عام 1990، خاصة خلال فترة خمسينيات وستينيات القرن الماضي، التي اتسمت بنشاط كبير ليوغوسلافيا ضمن رابطة دول عدم الانحياز، وكذلك نشوء علاقات وثيقة بين بلغراد والقاهرة، وهو ما أدى إلى فتور العلاقات بين يوغسلافيا و"إسرائيل"، وانحصارها ضمن حدود ضيقة للغاية، مع انعدام أي تعاطٍ عسكري بين الجانبين.

لكن مع تفكك الاتحاد اليوغسلافي أوائل تسعينيات القرن الماضي، تصاعد بشكل لافت التعاطي بين بلغراد وتل أبيب، لتبدأ عملياً العلاقات العسكرية المعاصرة بينهما، حيث زودت "تل أبيب" جيش صرب البوسنة بمعدات عسكرية وذخائر، في ظل عدم قدرة الجيش الصربي على الحصول على هذه المعدات، نظراً للحظر العسكري الذي فُرض عليها إبان ازمة إقليم البوسنة والهرسك.

اللافت أن هذه المرحلة من العلاقات العسكرية بين الجانبين، لم تظهر بشكل واضح حينها، لكن بدأت الدلائل حولها في الظهور تدريجياً في عام 1992، حين نشرت مسؤولة سابقة  في وزارة الدفاع الصربية كتابًا ذكرت فيه بعض التفاصيل عن صفقة الأسلحة بين "إسرائيل" وصربيا، التي وُقعت في تشرين الأول/أكتوبر 1991، بعد نحو شهر من بدء تطبيق الحظر العسكري على صربيا، وتضمنت قذائف دبابات وقذائف مدفعية، ورشاشات خفيفة ومتوسطة، وصواريخ مضادة للدروع. جدير بالذكر أن هذه المسألة أُعيد فتحها مرة أخرى عام 2016، وحينها رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية، التماسًا للكشف عن تفاصيل صادرات الدفاع الإسرائيلية إلى يوغسلافيا خلال عمليات الإبادة في البوسنة. 

تصاعد للصادرات العسكرية رغم الإبادة

استمرت المواقف الإسرائيلية المؤيدة للتوجهات الصربية خلال الفترات اللاحقة، حيث كانت ضمن الأطراف الرافضة للحملة الجوية التي شنها حلف الناتو على صربيا عام 1999، وهو ما انعكس على العلاقات العسكرية بين الجانبين، التي شهدت في الفترة بين عامي 2000 و2020، نشاطًا تجاريًا محدودًا لكنه مهم على المستوى الاستراتيجي، حيث كانت صربيا ثاني أكبر مصدر أسلحة لـ"إسرائيل" بعد الولايات المتحدة خلال الفترة بين عامي 2004-2007، وتركزت عمليات التصدير على الذخائر بمختلف أنواعها، في حين تعاقدت صربيا في تشرين الأول/أكتوبر 2008، على شراء عشر طائرات استطلاع مسيرة قصيرة المدى، من نوع "Orbiter"، ضمن صفقة بلغت قيمتها 700 ألف دولار.

وقد عاد الجمود إلى العلاقات بين الجانبين، عقب اعتراف "تل أبيب" بإقليم كوسوفو دولة مستقلة عام 2020، وهو ما أثار حفيظة صربيا، التي اتخذت عدة إجراءات لتخفيض مستوى العلاقات مع "تل أبيب"، بما في ذلك عدم نقل السفارة الصربية من تل أبيب، وهو ما كان له انعكاسات أساسية على التبادل الدفاعي بين البلدين، إلا أن هذا الجمود لم يستمر طويلاً، حيث تحسنت العلاقات بين الجانبين، بتعيين سفير صربي جديد في "إسرائيل" عام 2023، وهو نفس العام الذي شكل نقطة الانطلاق للتصاعد الحالي في التبادل الدفاعي بين كلا الجانبين.

فقد تطور حجم الصادرات الدفاعية الصربية إلى "إسرائيل" بشكل لافت ومتسارع منذ ذلك التوقيت، فقد بلغت هذه الصادرات عام 2023، نحو 3 ملايين يورو، لتقفز في العام التالي إلى 48 مليون يورو، ثم ترتفع بنسبة 140 بالمئة عام 2025، لتصل إلى 115 مليون يورو، من بينها 55 مليون يورو صادرات تمت في النصف الأول من هذا العام، وهو ما مثّل تأكيد على موثوقية العلاقات العسكرية بين تل أبيب وبلغراد، رغم الاستخدام المباشر للذخائر الصربية، في عمليات إبادة في قطاع غزة ولبنان.

في خلاصة ما سبق، يمكن القول إن الجانب "الأيديولوجي" يعتبر محدداً أساسياً من محددات العلاقات بين "إسرائيل" وصربيا، بما في ذلك الجانب العسكري من هذه العلاقات، في ظل تطابق نهج كلا البلدين حيال الحقوق التاريخية للمسلمين في كوسوفو وفي فلسطين، لكن لا يمكن إغفال جوانب أخرى تعتبر أساسية في تطوير العلاقات العسكرية بينهما، مثل حقيقة أن صربيا تعي جيداً الدور الوظيفي لـ"إسرائيل" "كبوابة" لتحسين العلاقات مع واشنطن، في ظل تزايد السخط الشعبي على الحزب التقدمي الحاكم في صربيا.

على المستوى التسليحي، تتمتع صربيا بخبرة طويلة في الصناعات الدفاعية – خاصة في ما يرتبط بالذخائر على مختلف أنواعها – وهو ما تعمل تل أبيب على الاستفادة منه، سواء عبر سد النقص الذي تواجهه في مخزوناتها، أم التعاون في مشاريع التحديث والتطوير، ناهيك عن أن مشروع المصنع المشترك لإنتاج المسيرات، سيسهم في سد نقص أساسي تعاني منه الصناعات الدفاعية الصربية، التي تعتبر متأخرة كثيراً في القطاع المرتبط بالأنظمة المسيرة، وبالتالي، تفعيل هذا المصنع سيسهم في منح صربيا قدرات جديدة على المستوى التسليحي والتصنيعي، ويفتح أسواقاً جديدة أمام الأنظمة المسيرة الإسرائيلية، خاصة في منطقة البلقان.