فنزويلا في حسابات الصين... مصالح اقتصادية واختبار لعالم متعدد الأقطاب

ماذا لو سيطرت واشنطن على النفط الفنزويلي، فهل تحتاج الصين إلى شرائه من الولايات المتحدة الأميركية بأسعار أعلى مما كانت تحصل عليه، أو تمتنع واشنطن عن بيعه لبكين في حال نشوب صراعات أو نزاعات بين البلدين؟

  •  الصين تُعد مستثمراً رئيسياً في قطاعي التعدين والبنية التحتية في فنزويلا.
    الصين تُعد مستثمراً رئيسياً في قطاعي التعدين والبنية التحتية في فنزويلا.

قبل ساعات فقط من اعتقال الولايات المتحدة الأميركية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في عملية هوليوودية تصلح لأن تُمثل فيلماً عن الغطرسة والبلطجة الأميركية، التقى الرئيس مادورو المبعوث الصيني الخاص لشؤون أميركا اللاتينية تشيو شياوتشي في القصر الرئاسي في كاراكاس. 

وفي كلمته الوداعية للمبعوث الصيني، وصف مادورو العلاقة بين بكين وكاراكاس بأنها اتحاد مثالي يصمد أمام الاختبارات في كل الأوقات، دائماً منتصر وبأقصى سرعة، وشدد الجانبان الصيني والفنزويلي على التعاون من أجل بناء عالم متعدد الأقطاب قائم على التنمية والسلام.

ومع قيام الولايات المتحدة الأميركية بشنّ ضربات عسكرية على كاراكاس واعتقال الرئيس مادورو، تجد الصين نفسها أمام اختبار حقيقي لتثبت أن علاقاتها مع شركائها صامدة في وجه العواصف، وأنها تسعى إلى بناء عالم متعدد الأقطاب يذكره الرئيس الصيني دائماً في خطاباته.

لم تعد خافية على أحد رغبة واشنطن في السيطرة على النفط الفنزويلي، حتى إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه لم يخفِ هذه الرغبة، فقد أكد أن شركات نفط أميركية كبرى ستتوجه إلى فنزويلا للاستثمار. وفي تصريح آخر، قال ترامب: "الولايات المتحدة الأميركية بحاجة إلى سيطرة كاملة على النفط وغيره من الموارد في فنزويلا".

وبما أن الصين هي أكبر مستورد للنفط الفنزويلي، وأكبر دائن لفنزويلا، وقد استثمرت مليارات الدولارات في هذا البلد الغني بالنفط والموارد الطبيعية، كان من الطبيعي أن يثير العمل العسكري في كاراكاس قلق بكين، مع علمها بأن أحد أهداف الولايات المتحدة من السيطرة على فنزويلا هو تقييد نفوذها في أميركا اللاتينية. ولم تخف الإدارة الأميركية ذلك، إذ قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو صراحة بأن أحد أهداف التدخل الأميركي في فنزويلا هو الحد من استثمارات خصوم الولايات المتحدة، بما في ذلك الصين.

اقتصر موقف الصين على الدعم السياسي والدبلوماسي لفنزويلا وإصدار بيانات الاستنكار، فقد دانت الصين بشدة اعتقال مادورو، معتبرة أن ذلك يشكل انتهاكاً للقانون الدولي وتهديداً للسلام والأمن في أميركا اللاتينية، وطالبت مراراً بالإفراج الفوري عنه وزوجته، ودعمت عقد جلسة لمجلس الأمن لبحث التطورات في البلاد.

سعت الصين خلال العقود الماضية إلى تعزيز حضورها في أميركا اللاتينية التي تعتبرها واشنطن حديقتها الخلفية، إلا أن الموارد الطبيعية في المنطقة أثارت شهية بكين، من النفط إلى النحاس والذهب وفول الصويا البرازيلي الذي شكّل طوق نجاة لها في حربها التجارية مع الولايات المتحدة، بعدما توقفت عن استيراد فول الصويا الأميركي كضغط على الرئيس ترامب.

وإذا كان الموقف الصيني إزاء أحداث فنزويلا لغاية الآن يقتصر على الإدانات، فذلك لا يعني أن بكين ليست قلقة على مصالحها في المنطقة، فالصين أكبر دائن لفنزويلا بأكثر من 10 مليارات دولار حتى العام 2024، وذلك في إطار برنامج النفط مقابل القروض. كما أنها تستورد 80% من النفط الفنزويلي، وبأسعار مخفضة؛ ففي شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي، بلغت صادرات فنزويلا النفطية إلى الصين أكثر من 600 ألف برميل يومياً، ما يشكل 4% من إجمالي واردات الصين من النفط، ولديها عقود طويلة الأجل في هذا القطاع. ففي العام 2024 مثلاً، وقعت شركة China Concord Resource Corp  الخاصة اتفاقية مدتها 20 عاماً لتطوير حقلين نفطيين فنزويلين باستثمار مخطط له بقيمة مليار دولار أميركي.

كما أن الصين تُعد مستثمراً رئيسياً في قطاعي التعدين والبنية التحتية في فنزويلا ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق. وعام 2024، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 6.4 مليارات دولار بزيادة سنوية قدرها 52.5%، وتوصل البلدان إلى اتفاق جزئي يمهّد لإعفاء كامل لنحو 400 منتج فنزويلي. وفي حال نجح الاتفاق، فإن الصادرات الفنزويلية سترتفع إلى الصين التي كانت تعتبر شريان الحياة الاقتصادي لكاراكاس في ظل العقوبات المفروضة عليها.

حاول ترامب تهدئة مخاوف بكين بشأن النفط الفنزويلي؛ ففي رده على سؤال حول اجتماع مادورو مع المبعوث الصيني قبل اعتقاله، قال ترامب: "لدي علاقة جيدة جداً مع الرئيس الصيني، ولن تكون هناك مشكلة. سيحصلون على النفط".

ولكن ماذا لو سيطرت واشنطن على النفط الفنزويلي، فهل تحتاج الصين إلى شرائه من الولايات المتحدة الأميركية بأسعار أعلى مما كانت تحصل عليه، أو تمتنع واشنطن عن بيعه لبكين في حال نشوب صراعات أو نزاعات بين البلدين العملاقين؟ وهل تسمح واشنطن لشركات النفط الصينية بتطوير حقول النفط الفنزويلية؟ بطبيعة الحال، ستكون الأولوية لشركات النفط الأميركية على الصينية. وماذا عن شركات التكنولوجيا الصينية المنتشرة في البلاد، ولا سيما عملاق الاتصالات الصيني هواوي؟ ربما ستعمد واشنطن إلى إنهاء عمل الشركة على الأراضي الفنزويلية بذريعة الأمن القومي الأميركي.

قد يجادل البعض بأن نسبة 4% التي يشكلها النفط الفنزويلي من إجمالي واردات الصين يمكن لبكين تعويضه من دول أخرى، كالشرق الأوسط مثلاً، إلا أن توقف تصدير النفط الفنزويلي أو تقليله يقوض استراتيجية الصين في مجال الطاقة، والتي تهدف إلى تجنب الاعتماد المفرض على أي مورد واحد للطاقة. كما أن فنزويلا تُزوّد ​​الصين بنوع فريد من النفط الخام الثقيل عالي الكبريت، والذي يُستخدم في إنتاج البيتومين، وهو مادة حيوية في البناء ورصف الطرق، ويُباع بأسعار مخفّضة للغاية، ما يجعله مرغوباً لدى مصافي التكرير الصينية المستقلة.

لم تخف الولايات المتحدة الأميركية في استراتيجيتها الجديدة للأمن القومي رغبتها في السيطرة على نصف الكرة الغربي وإبعاد القوى الأجنبية عنها. ومنذ تولي ترامب رئاسته الثانية، أبدت إدارته قلقاً حول تزايد النفوذ الصيني في المنطقة. ففي شباط/فبراير الماضي، شنّ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، المعروف بمواقفه المتشددة تجاه الصين، حملة دبلوماسية مكثفة في منطقة أميركا اللاتينية. وأعلن روبيو أن مهمته هي مواجهة نفوذ الحزب الشيوعي الصيني في نصف الكرة الغربي، وسعى إلى إقناع عدد من دول أميركا اللاتينية بتقليص تعاونها مع الصين. وبالفعل، انسحبت بنما رسمياً من مبادرة الحزام والطريق، وأعلنت الشركة المشغلة لقناة بنما، ومقرها هونغ كونغ، بيع معظم حصتها لتحالف من الشراكات الأميركية، في خطوة جاءت عقب اتهام ترامب للصين بالسيطرة على هذا الممر المائي الحيوي.

ولن يكتفي الرئيس ترامب بالسيطرة على فنزويلا، فقد هدد كوبا وكولومبيا. وللصين استثمارات كبيرة فيهما، فضلاً عن أن صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية نشرت تقريراً عام 2023 أشارت فيه إلى أن الصين ستدفع لكوبا مليارات الدولارات مقابل استضافة ما وصفتها بأنها "قاعدة تجسس صينية سرية"، وهو ما نفاه كل من الصين وكوبا. 

من المعروف عن الصين أنها لا تتخذ قراراتها بطريقة متسرعة وانفعالية، وهي حالياً تدرس وتراقب من كثب ما ستؤول إليه الأوضاع في فنزويلا. وقد أعلنت استعدادها للتعاون الاقتصادي مع كاراكاس ومع الدول الإقليمية للدفاع عن استقرار الأمن في أميركا اللاتينية.

منذ اعتقال الرئيس مادورو، تطلق الصين كل يوم تقريباً تصريحات عن فنزويلا. ومن النادر أن تصدر الصين تصريحات وبيانات حول حدث دولي، إلا إذا كان يهدد مصالحها، وهذا ربما يشير إلى أن أحداث فنزويلا ستضر بشكل كبير جداً بالمصالح الصينية. 

من المستبعد أن تقدم الصين على المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، حتى مع تهديد واشنطن للمصالح الصينية فيها. ويرى البعض أن الأحداث الأخيرة في فنزويلا قد تشكل فرصة للصين فيما لو غرقت الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، فضلاً عن أن الصين تستغل الأحداث لترسخ مكانتها لحماية القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ولكن إذا لم تتحرك الصين لحماية مصالحها وشركائها فسيقوم العديد من دول المنطقة وحتى دول العالم بإعادة النظر في جدوى التعاون معها في ظل التهديدات الأميركية.

وفي هذا الإطار، قال رئيس كولومبيا غوستافو بيترو إن تحالف بلاده بصورة أحادية مع الصين وروسيا والرئيس البرازيلي الحالي لم يحقق النتائج.  كما أن استمرار صمت الصين حيال ما يجري في أميركا اللاتينية يعتبر انهياراً للنظام العالمي المتعدد الأقطاب الذي يدعو إليه دائماً الرئيس الصيني، وسكوتها عن مواجهة الولايات المتحدة سيدفع بواشنطن إلى تقليص النفوذ الصيني في مناطق أخرى من العالم.

لدى بكين خيارات عديدة لحماية مصالحها ونفوذها في المنطقة يمكن أن تلجأ إليها لاحقاً في حال ابتزازها من قبل الولايات المتحدة والإضرار بمصالحها. مثلاً، يمكنها تقييد تصدير المعادن النادرة إلى الولايات المتحدة أو إلغاء زيارة الرئيس ترامب المقررة إلى بكين في الربيع القادم، والتي إن تمت، فمن شأنها أن تفيد الولايات المتحدة الأميركية وترامب شخصياً، أو قد تلجأ إلى الامتناع عن استيراد فول الصويا الأميركي في محاولة للضغط على الرئيس ترامب، بمعنى أن الصين يمكن أن تستغل أي فرصة لإيلام واشنطن اقتصادياً وتكنولوجياً.

وفي إطار آخر، أثار الهجوم الأميركي على فنزويلا مخاوف من أن يشجع الصين على التحرك ضد تايوان، إلا أن قضية فنزويلا وتايوان مختلفة تماماً، والصين تفضل حلاً سلمياً لقضية تايوان. لذلك، من المستبعد أن تقوم الصين بأي عمل عسكري ضد تايبيه.

تتبع الصين مقولة "لا يهم لون القطط"، أسود أو أبيض، ما دامت تصطاد الفئران. وعليه، لا يهم الصين من يكون في الحكم، فما يعنيها أن يلبي مصالحها وتطلعاتها، ولكن في الوضع الفنزويلي تصرّ الولايات المتحدة الأميركية على أن تتولى هي زمام الأمور فيها، ولن تسمح بأي رئيس لا يتعاون معها، ومن ضمن ما ستطلبه واشنطن تقليص التعاون مع بكين.

الصين الآن في اختبار لما كتبه مادورو، قبل اعتقاله، في وسائل التواصل الاجتماعي، من أن اجتماعه بالمبعوث الصيني يؤكد من جديد الروابط القوية للأخوة والصداقة بين الصين وفنزويلا في السراء والضراء.