فنزويلا.. مدخل ترامب لإعادة تشكيل خارطة القوى العالمية

ما حدث في فنزويلا ليس سوى دليل آخر على استمرار "البلطجة" الأميركية في العلاقات الدولية، وجرس إنذار على الآخرين إدراكه، فالجعجعة الفارغة لن تنقذ المغفلين عن واقع ما يجري.

0:00
  • فنزويلا.. مدخل ترامب لإعادة تشكيل خارطة القوى العالمية
    فنزويلا.. مدخل ترامب لإعادة تشكيل خارطة القوى العالمية

لم يكن مفاجئاً ما قامت به الولايات المتحدة الأميركية من اعتداء على فنزويلا. ربما المستغرب فقط هو أسلوب المواجهة وطريقة القرصنة. 

في شهر آب الماضي، ضاعفت الولايات المتحدة المكافأة لمن يدلي بمعلومات عن نيكولاس مادورو من 25 مليون دولار أميركي إلى 50 مليون دولار.

15 ألف جندي أميركي كانوا موجودين في منطقة البحر الكاريبي، إضافة إلى حاملة طائرات وعشر سفن حربية وعدد من الطائرات المقاتلة بمختلف أنواعها متمركزة قبالة فنزويلا في عملية سمتها الولايات المتحدة "الرمح الجنوبي". 

خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، كانت القوات الأميركية قد نفذت مجموعة من الضربات على 20 قارباً قالت واشنطن إنها مرتبطة بتهريب المخدرات. 

في آخر  نوفمبر، أعلن ترامب إغلاق الأجواء حول فنزويلا، وبالتالي فرض منطقة حظر طيران غير معلنة الهدف منها عزلها سياسياً وعسكرياً واقتصادية ومنع وصول أي مساعادات إليها من الصين أو روسيا أو إيران. 

كل المؤشرات كانت تشير إلى أن الولايات المتحدة كانت تقترب من مواجهة عسكرية مع فنزويلا، وخصوصاً بعد حديث ترامب في نوفمبر الماضي عن أن "أيام مادورو باتت معدودة"، لكن سيناريو الاختطاف لم يكن مرجحاً.

تتهم واشنطن مادورو بأنه "زعيم لعصابة إجرامية" متورطة بتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة الأميركية، وصنفتها الخارجية الأميركية مؤخراً بأنها منظمة إرهابية، وبالتالي يبدو أنها تصرفت معه على هذا الأساس، مستعيدة دورها كشرطي للعالم.

لماذا فنزويلا؟

فنزويلا دولة هامة للولايات المتحدة الأميركية لاعتبارات كثيرة، أهمها الموقع والثروات، وآخرها تهديدها للأمن القومي الأميركي من خلال علاقاتها مع أعداء أميركا (روسيا والصين وإيران). 

كما أنها دولة غنية وضعيفة ومكروهة سياسياً لدى المواطن الأميركي، وبالتالي فإنها تحقق الشروط الثلاثة اللازمة لغزو أي دولة من قبل الولايات المتحدة الأميركية.

تقع فنزويلا في أقصى شمال قارة أميركا الجنوبية، وتطل على البحر الكاريبي، تقدر مساحتها بـ 916 كيلومتراً مربعاً، وعدد سكانها نحو 30 مليون نسمة.

تبعد نحو 200 كم عن سواحل ولاية فلوريدا الأميركية، التي تعد "عاصمة العداء للاشتراكية"، وفيها الكتلة اللاتينية المناهضة للاشتراكية التي ينتمي إليها وزير الخارجية ماركو روبيو.

تتهم الولايات المتحدة مادورو وحكومته "بتهريب المخدرات" إلى الولايات المتحدة، وأن فنزويلا في عهده كانت مصدراً للمهاجرين غير الشرعيين، وبالتالي تهديد الأمن القومي الأميركي.

المخدرات تقتل نحو 80 ألف مواطن أميركي سنوياً، لكن فنزويلا ليست بلداً منتجاً للمخدرات، بل هي ممر لعبور نحو 10% من الهيرويين فقط. 

منذ العام 2013، هاجر من فنزويلا نحو  8 مليون نسمة، وصل منهم أكثر من مليون مهاجر إلى الولايات المتحدة، وهو ما حمل الخزينة الأميركية نحو 5 مليار دولار. 

هجرة هؤلاء كانت نتيجة لسوء الأوضاع المعيشية، والتي لا يمكن إنكار دور العقوبات الأميركية فيها، كما أن إزاحة مادورو لن تسقط الهجرة، بل ستتسبب بمزيد من الفوضى والاضطرابات، وبالتالي يمكن أن تؤدي إلى زيادة في عدد طالبي الهجرة واللجوء. 

الدوافع الحقيقية لترامب

حديث ترامب عن موضوعي الهجرة والمخدرات يبدو غير مقنع، وهذا ما يدفعنا إلى البحث عن الدوافع الحقيقية  لما قام به، وخصوصاً أن ترامب كان قد انتخب على أساس رغبته في إنهاء الحروب الخارجية والسعي لنيل جائزة نوبل للسلام، وإذا به يفتعل حروباً جديدة لم تكن فنزويلا سوى البداية لها.

وما الذي دفعه إلى ذلك رغم تحفظات الكونغرس وتحفظات حزبه وتحفظات الماغا التي تنادي بالابتعاد عن المغامرات الأميركية بخوض حروب خارجية؟

يقدر احتياطي فنزويلا من الذهب بـ 8 ألف طن، ويقدر إنتاجها السنوي منه بـ  20-30 طناً، أغلبه يوجد في مناطق خارجة عن سيطرة الدولة، ولا يدخل في النظام المالي الرسمي للدولة.

فنزويلا لاعب رئيس في سوق النفط العالمية، وهي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد، يقدر بـ 300 مليار برميل، كما يمكن أن تنتج نحو 3 مليون برميل يومياً، في حال تم تطوير وسائل الاستخراج وغيرها.

يقدر الإنتاج اليومي لفنزويلا من النفط حالياً بمليون برميل، وهذا ناتج من العقوبات الأميركية وتراجع وسائل الاستخراج. 

كما يقدر الاحتياطي المؤكد لفنزويلا من الغاز الطبيعي بـ 200 تريليون قدم مكعب، وهو الأكبر في أميركا اللاتينية، أغلبه غير مسال، وغير مستثمر فعلياً نتيجة للعقوبات الأميركية المفروضة على البلاد.

إمساك الولايات المتحدة بالنفط والغاز الفنزويلي سيشكل فرصة استثمارية لشركات النفط الأميركية، ويزيد من الربحية ويسهم في السيطرة على التضخم في أميركا، والذي وصل إلى أرقام غير مسبوقة. كما يسمح للولايات المتحدة باستخدام نفط فنزويلا كورقة ضغط على روسيا وإيران والصين.

روسيا التي تسعى الولايات المتحدة إلى تعويض نفطها وغازها في السوق العالمية، واستمرار الحصار المفروض عليها، وصولاً إلى تسوية الأزمة الأوكرانية التي استنزفت روسيا والدول الأوروبية بشكل خاص. 

أما إيران، فكل المؤشرات تشير إلى أن "إسرائيل" والولايات المتحدة لن يتأخروا في استهدافها، بعد فشلهم في العدوان الأخير عليها. ويبدو أن الحراك الداخلي في إيران ليس سوى البداية، ودور القوى الخارجية فيه واضح ومعلن. 

أما الصين، فإن استهداف فنزويلا يشكل صفعة قاسية لها، وخصوصاً أنها استثمرت عشرات المليارات هناك، كما أنها تؤمن نحو 4% من احتياجاتها النفطية من هناك. 

كما يمكن للولايات المتحدة استخدام سلاح النفط مستقبلاً في وجه الدول العربية المصدرة له، عبر قدرتها على التلاعب بأسعاره وحجم المعروض منه في السوق العالمية، وقدرتها على تأمين البديل لنفط الشرق الأوسط، لكن ذلك لن يكون قريباً، وخصوصاً أن البنية التحتية لقطاع النفط الفنزويلي متدهورة، كما أن السوق العالمي يعاني حالياً فائضاً في العرض وانخفاضاً على الطلب.   

كما أن النفط الفنزويلي هو نوع من النفط الثقيل والثقيل جداً، يحتوي على نسبة عالية من الكبريت، ما يجعله صعب الاستخراج والتكرير. وتتراوح كلفة استخراج النفط الفنزويلي بين 20-40 دولاراً للبرميل، وهي كلفة عالية جداً مقارنة بسعر برميل النفط حالياً التي لا تتجاوز 60 دولاراً. 

السيطرة على نفط فنزويلا عامل مهم، لكنه ليس هو الهدف الرئيسي لترامب الذي يريد إرضاء الناخبين بالظهور بمظهر الرئيس القوي القادر على وقف الهجرة ومنع تهريب المخدرات والقضاء على الأنظمة المعادية للولايات المتحدة، بخلاف بايدن الذي يرى فيه ترامب رئيساً ضعيفاً جلب الويلات لأميركا. 

هذا العام سيشهد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر القادم، إذ سيتم انتخاب كامل أعضاء مجلس النواب، وثلث أعضاء مجلس الشيوخ، وانتخابات لحكام 36 ولاية، وبالتالي فإنه عام انتخابي بامتياز، يجعل الرئيس ترامب يسعى خلاله لنيل ثقة الناخبين.

ما حدث في فنزويلا يشير إلى سرعة تفكك المحور المعادي للولايات المتحدة وعدم رغبة كبار لاعبيه في إيقاف هذا التفكك. وهذا عائد ربما إلى طبيعة هذا المحور وعدم قدرته على تشكيل تحالف حقيقي بين أعضائه، فكل ما يجمع بينهم هو العداء للولايات المتحدة لا أكثر، مع اختلاف كبير في أيديولوجيا الدول المشكلة له، وتغليبهم المصلحة على المبادئ، ما جعل العلاقة بين أعضائه أقرب إلى "الشراكات" من كونها "تحالفات". 

عدم تدخل روسيا والصين لحماية حلفائهما يثير تساؤلاً كبيراً وهاماً حول جدوى التحالف مع تلك الدول. وبالتالي، لا يمكن النظر إليهم كحلفاء، بل شركاء يخضعون كل شيء في تعاملاتهم لحسابات الربح والخسارة. 

ما حدث في فنزويلا ليس سوى دليل آخر على استمرار "البلطجة" الأميركية في العلاقات الدولية، وهو جرس إنذار على الآخرين إدراكه، فالجعجعة لن تنقذ المغفلين عن واقع ما يجري، والحكمة توازي الشجاعة في قراءة المتغيرات الدولية المتسارعة.