فاطمة فتوني: من عنوان الصدق إلى مرتبة الشهادة
رحم الله فاطمة رحمة تغشاها في منقلبها، وأسكنها منازل الأبرار حيث لانصب ولا لغوب. فلئن كانت الأجساد تفنى، فإن صادقات السير تظل أرواحها تتردد في سماء المجد.
-
رحم الله فاطمة رحمة تغشاها في منقلبها، وأسكنها منازل الأبرار.
يا له من رزء فادح، ومصاب عظيم، وخسارة كبيرة للإعلام الباحث عن الحقيقة والمعبِّر عنها كما هي بلا تلوين ولا تزييف، إذ زُفَّت صحافية الميادين لتلحق بقافلة العظماء الذين نذروا أنفسهم لله وللحق، بعد أن اغتالتها "إسرائيل" التي لم تعرف للحق طريقاً، ولا للكلمة قدسية، ولا للصحافي حرمة، فكان اغتيالها جريمة تضاف إلى سجلها الأسود المُترع بانتهاك الدماء وتبديد الأرواح.
إنها فاطمة فتوني، التي كانت عنواناً للصدق في زمن تزاحمت فيه الأباطيل، ومثلت أروع معاني الشجاعة في زمن خبا فيه وهج الجسارة ورباطة الجأش، وظلت على مدى السنوات رمزاً للوفاء والمهنية ولكل قيم الخير التي لا تفنى حين يعرج أصحابها إلى المعالي شهداء، بل تخلد في ذاكرة لا يطويها الزمان ولا يواريها النسيان.
سعت بجد لا تُنال الغايات إلا به، وإخلاص لا تُدرك المقاصد العظام إلا معه، لنقل صور العدوان الإسرائيلي على لبنان في أقسى تجلياته، وتوثيق بسالة مقاومين أوتوا من الصبر والعزائم ما جعلهم صخوراً لا تلين، اختاروا طواعية أن يذودوا عن حياض وطنهم، فيدفعوا عنه شرور الاحتلال الغاشم وسرطان الاستيطان الآثم، وضعوا أرواحهم على أكفهم، لم يبالوا على أي جنب كان في الله مصرعهم، ومن أي الأبواب دخلوا إلى ملكوت رضوانه.
وإذ اختار الله فاطمة واصطفاها لمرتبة الشهادة، وما أعظمها مرتبة وما أجلها مكانة، فالتحقت بكوكبة الشرف، فرحة بما آتاها الله من فضله {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}، مسرورة بحياة أبدية باذخة بين أخير خلق الله وأفضلهم { ولَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}
رحم الله فاطمة رحمة تغشاها في منقلبها، وأسكنها منازل الأبرار حيث لا نصب ولا لغوب. فلئن كانت الأجساد تفنى، فإن صادقات السير تظل أرواحها تتردد في سماء المجد، وتظل أسماؤها نبراساً يضيء درب كل من يطلب الحق ولا يخاف في الله لومة لائم. ورغم أنف كل من يظن أن بالاغتيال تُطفأ الأنوار، فإن "إسرائيل" لم تزدها إلا خلوداً، ولم تزد قضيتها إلا اشتعالاً. فسلام عليها يوم ولدت، ويوم جاهدت، ويم رحلت شهيدة، ويوم تُبعث حية ترزق في جنات النعيم.