غرب آسيا تعود إلى حجمها الطبيعي: إيران وتركيا ومصر في مواجهة الإمبراطوريات المتأخرة
الاستقرار في المنطقة لا يتحقق بالهيمنة بل بالتوازن، واستمرار محاولات إقصاء إيران أو تفكيكها هو وصفة لحروب لا تنتهي، والخيار الوحيد هو الذهاب نحو بناء نظام إقليمي يرتكز إلى حقائق الجغرافيا والتاريخ
-
إيران وتركيا ومصر في مواجهة الإمبراطوريات المتأخرة.
لم تنته الحرب بعد، بل هي ماضية نحو مزيد من التصعيد. إيران أعدت العدة المتكاملة لحرب غير متماثلة، لا مركزية، ومن تحت الأرض، على مدى أكثر من عشرين عاماً.
من الواضح الآن أن مساراتها تنحو نحو تغيير البيئة الجيوسياسية لمنطقة غرب آسيا، بما يقطع مع مفاعيل ما يزيد على قرن من الزمان شوهت المنطقة منذ تحطيمها على يد النظام الغربي، وكل هذا ينبئ بتحول كبير في إعادة رسم الخرائط، يؤدي إلى "عودة الدول إلى أحجامها الطبيعية" على حساب "الإمبراطوريات المتأخرة".
شكلت كل من تركيا (هضبة الأناضول) وإيران (الهضبة الإيرانية) ومصر (وادي النيل)، استناداً إلى جغرافيتها الواسعة وديموغرافيتها الكبيرة وإرثها الحضاري الإمبراطوري، دوراً سياسياً يليق بثقلها عبر أكثر من 5000 عام، حُرمت منه لعقود لصالح دول أصغر حجماً، وأقل فعالية تاريخية، بشكل مصطنع يخدم المصالح الغربية، وخاصة نظام "البترودولار" الذي يمد الولايات المتحدة بشريان الحياة والبقاء.
أفرز الصمود الإيراني المفاجئ والمذهل، القادر على رفع كلفة العدوان الأميركي-الإسرائيلي إلى مستويات غير مسبوقة قد تدفع إلى حرب عالمية ثالثة، قلقاً عميقاً لدى ما يُعرف بـ"الإمبراطوريات المتأخرة". فما اعتبرته "إسرائيل" "انتصاراً نهائياً" بعد معركة "طوفان الأقصى" تحول إلى مشروع إمبراطورية متعثرة قد يطيح بها خلال بضع سنوات.
ما نشهده اليوم قد يكون إعادة ضبط جيوسياسي، تعود بعده إيران وتركيا ومصر إلى موقعها الطبيعي كقوى إقليمية عظمى، فيما تنسحب الدول الصغيرة إلى موقعها الذي تحدده الجغرافيا والديموغرافيا والتاريخ.
إيران: الحارس الطبيعي للمضائق.. وأكثر
بعد أن استطاع حرس الثورة الإيراني ومعه الجيش تدمير القواعد العسكرية الأميركية في منطقة الخليج، وإغلاق مضيق هرمز بشكل شبه كامل، هبط عدد الناقلات البحرية من 128 إلى ناقلتين فقط في اليوم التالي. هكذا تحول الدور الإيراني إلى أكبر المؤثرين على الاقتصاد العالمي.
منع أكثر من 20% من تدفق النفط والغاز يهدد الاقتصادات العالمية بكارثة لا تستطيع تحملها، ما يحفز تشكل أزمات اجتماعية ضاغطة ستتحوّل إلى أزمات سياسية.
هذه الأزمات تدفع الدول إلى إعادة رسم سياساتها الخارجية تجاه قضايا ملحّة مثل العقوبات الاقتصادية غير القانونية، وضرورة التفكير خارج الصندوق تجاه الموقف من "إسرائيل" وحل القضية الفلسطينية. كل هذا نتيجة إغلاق مضيق هرمز وحده، فكيف إذا انضم الحوثيون اليمنيون إلى إغلاق باب المندب؟
تدمير القواعد الأميركية أسقط معادلة الحماية التي قام عليها البترودولار، ما يدفع الدول الخليجية إلى التفكير بقبول واقع جيوسياسي جديد: التوجه نحو استبدال القواعد الأميركية التي أصبحت تهديداً لاستمرارها، والعودة للتفكير بمسؤوليتها مع إيران في مشروع الأمن الجماعي.
تداعيات الإنجاز الإيراني لا تتوقف عند ما سبق، بل تمتد إلى قلب آسيا، حيث ستأخذ إيران دورها المحوري في وسط آسيا ودول بحر قزوين، وأبرزها آذربيجان التي تشكل تهديداً لها ولروسيا، وتدفعها إلى إعادة النظر في علاقاتها مع "إسرائيل" بعد أن انخرطت معها كساحة حرة للموساد.
تركيا: الإمبراطورية الإقليمية العائدة
تركيا هي الأخرى تعود إلى حجمها الطبيعي. بموقعها المطل على البحر الأسود والمتوسط وبحر إيجة، وسيطرتها الجزئية على ممرات النقل البحرية بينهما، إضافة إلى كونها الجسر الأساسي بين آسيا وأوروبا، وإرثها الحضاري الإمبراطوري الممتد من الحثيين (1658 ق.م) إلى العثمانيين (1923 م)، وامتدادها إلى آسيا الوسطى والبلقان والوطن العربي، يجعل منها قوة إقليمية عظمى بامتياز.
أنقرة أنجزت جزءاً من مشروعها الكبير بتعظيم دورها المتصاعد في سوريا والعراق وليبيا، وتوازنها بين روسيا والغرب، وتحولها إلى ضاغط رئيسي قبل الحرب الإيرانية-الإسرائيلية لمنع اندلاعها. كلها مؤشرات على بدء مسار عودتها إلى موقعها الطبيعي بعد عقود من الانكفاء الكمالي.
مشكلة تركيا الأساسية في استكمال عودتها هي حاجتها إلى التخلص من ربقة حلف "الناتو" والعلاقة السياسية والاقتصادية مع "إسرائيل"، التي تهددها وجودياً.
انكسار المحور الأميركي-الإسرائيلي في هذه الحرب قد يمنحها الفرصة لتجاوز ارتباط اقتصادها بالغرب واستثماراته التي بلغت 2 ترليون دولار خلال ربع قرن.
مصر: أم الدنيا تعود
تنتظر مصر نتائج انكسار المحور الأميركي-الإسرائيلي، لتثأر لنفسها بعد 48 عاماً من الإذلال الذي حولها من مركز استقطاب للعالم العربي وأفريقيا إلى دولة تبحث عن حماية لما تبقى من أمنها القومي.
موقعها الجغرافي الفريد في قلب العالم العربي، والإشراف على البحرين المتوسط والأحمر، وامتلاك قناة السويس، وتعدادها السكاني الأكبر عربياً، وتاريخها الحضاري الممتد لسبعة آلاف عام، يمنحها صفة قوة إقليمية عظمى.
عقود من الانكفاء تحت عبء "كامب ديفيد" والتبعية للغرب شوهت هذا الدور الطبيعي.
الوساطة النووية التي استضافتها القاهرة في سبتمبر 2025، والاتصالات المباشرة مع إيران، والاصطفاف الشعبي خلف طهران، والشراكة المتنامية مع تركيا في السودان وإثيوبيا، والتحذيرات من مشروع "إسرائيل الكبرى" الذي يهدد الأمن القومي المصري، كلها مؤشرات على أن مصر تعمل على استعادة دورها الطبيعي بشق الأنفس كحارس للتوازن الإقليمي.
"إسرائيل": من الإمبراطورية الطامحة إلى المتأخرة والانهيار المؤجل
على الجانب الآخر، تكتشف "إسرائيل" حدود قوتها، بعد أن عميت شبكة دفاعاتها الجوية عن التصدي لأي صاروخ في الأيام الأخيرة، الأمر الذي يدفع باصطدام مشروع "إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل" بواقع الجغرافيا والديموغرافيا، وبدء تحولها إلى موقع الانهيار المؤجل، الذي تحدث عنه كبار مفكريها ومؤرخيها الموضوعيين، وآخرهم إيلان بابيه صاحب كتاب "انهيار إسرائيل".
"إسرائيل" قوة نووية وتقنية وعسكرية كبيرة، لكنها تبقى دولة صغيرة جغرافياً (بلا جذور تاريخية) وسكانياً (9 ملايين من أصقاع الأرض المتعددة).
محاولاتها للتوسع وفرض الهيمنة تواجهها إيران من الشرق، وتهددها تركيا من الشمال، وتتحضر لها مصر من الجنوب، والحرب الحالية تظهر أنها غير قادرة على حسم الصراع مع إيران حتى بالشراكة مع الولايات المتحدة، القوة العسكرية الأعظم في العالم.
دول الخليج: مراكز اقتصادية لا قوى عسكرية
العجز الأميركي شبه الكامل في الدفاع عن نفسه وقواعده وعن دول الخليج، أسقط معادلة الرهان على قوة دولية تتظلل بها. هذا سيدفعها للاعتراف بحدود قدراتها كمراكز اقتصادية منتجة للطاقة ومالية جاذبة، مع الرهان على الأمن الإقليمي المشترك بديلاً عن رهانات الأمن القومي الأميركي والإسرائيلي. فالثروة والمال لا يصنعان قوة حقيقية وازنة في غياب الجغرافيا السياسية والديموغرافيا السكانية والقاعدة المعرفية.
السعودية حالة خاصة. ثقلها الاقتصادي (أكبر مصدر للنفط) والديني (الحرمين الشريفين) يضعها في مصاف القوى الكبرى، لكن حجمها السكاني (35 مليوناً) وقوتها العسكرية المحدودة وتأخر بناء القاعدة المعرفية التي انطلقت منذ سنوات، كلها عوامل تحد من قدرتها على لعب دور القوة العظمى العسكرية.
تتحرك الرياض بحذر في منطقة مليئة بالألغام، وتحاول بناء تحالفات متوازنة، وتفضل أن تكون صانعة توازن لا قوة مواجهة. يكفيها في المرحلة الحالية عدم رضوخها للولايات المتحدة بالذهاب نحو الاتفاقات الإبراهيمية، وإصرارها على حل الدولتين كخيار وحيد لحل القضية الفلسطينية.
هل نشهد لحظة فيينا 1815؟
ما تنتظره منطقة غرب آسيا بعد الحرب هو مؤتمر شبيه بمؤتمر فيينا 1815. بعد الحروب النابليونية التي دمرت أوروبا لعشرين عاماً، حيث اجتمعت القوى الكبرى لإعادة رسم خريطة القارة وفق مبدأ "توازن القوى"، فعادت فرنسا إلى حجمها الطبيعي، وتوزع النفوذ بين بروسيا والنمسا وروسيا وبريطانيا، وأخذت الدول الصغيرة أدوارها بما يتناسب مع إمكاناتها.
الاستقرار في المنطقة لا يتحقق بالهيمنة بل بالتوازن، واستمرار محاولات إقصاء إيران أو تفكيكها هو وصفة لحروب لا تنتهي، والخيار الوحيد هو الذهاب نحو بناء نظام إقليمي يرتكز إلى حقائق الجغرافيا والتاريخ، اعتماداً على الأحجام الطبيعية لدولها.
السؤال المتبقي: هل تدرك القوى الكبرى أن استقرار المنطقة يمر عبر القبول بهذا التوازن؟ أم تستمر في مشاريعها التفتيتية؟
المؤكد حتى الآن أن غرب آسيا لن تعود كما كانت قبل فبراير 2026، فالحرب بدأت بإعادة تشكيل الوعي الإقليمي، وأظهرت أن الإمبراطوريات المتأخرة - أميركية أو إسرائيلية - لا يمكنها الاستمرار في فرض إرادتها على دول لها تاريخ وجغرافيا وثقل سكاني لا يمكن تجاهله. فكيف إذا اكتشفت الدول الثلاث الكبرى ضرورة التحول من اللقاء اللحظي إلى منطق "الشراكة الاستراتيجية"؟ وهل تدرك طهران وأنقرة والقاهرة أن مصيرها المشترك يتطلب تحويل هذا التقارب الظرفي إلى تحالف دائم، يقود المنطقة نحو نظام إقليمي متكامل؟