عن البندقية… وحروب أخرى

الحروب لا تُخاض عسكرياً فقط، بل تمتد إلى الجبهة الثقافية والإعلامية، ما يفرض على المثقفين مواجهة الدعاية المعادية وحماية الوعي الوطني.

0:00
  • عن البندقية… وحروب أخرى
    عن البندقية… وحروب أخرى

في زمن الحرب يعلو صوت الرصاص فوق كل صوت. ولأن "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، تكون الشعوب مطالبة بالتراص خلف دولتها وجيشها والصبر والتضحية في سبيل تحقيق النصر المنشود، الذي يحقق أهداف الأمة ويحقق أمجادها.

هذا الكلام ليس صحيحاً دائماً، فبعض الدول والأنظمة تخوض الحروب في محاولة لتصدير أزماتها الداخلية، هذا ما اشتهرت به دولة العصابات الصهيونية في فلسطين، وما تفعله مملكة آل سعود في اليمن. وهناك دول أخرى تشن الحروب بهدف نهب الشعوب والسيطرة على مقدراتها، كما فعلت الرأسمالية عبر تاريخها. وفي كل الحالات تُستغل حماسة الجماهير وتعبئتها لحرف أنظارها عن الأهداف الحقيقية لهذه الحروب.

خلف غبار المعارك تغيب التغيرات التي تصيب المجتمعات نتيجة ما تتركه هذه الحروب من أزمات اقتصادية واجتماعية تنال من استقرار الشعوب ونمط معيشتها. في زمن الحرب يحل الخوف محل الطمأنينة، وتتعزز غريزة الخلاص الفردي بكل ما فيها من أنانية. يترك فقدان الأحبة والمعيلين تشوهات اجتماعية واقتصادية، فتتفاقم حالات الفقر، والتفكك الأسري، واللجوء، ويصبح الأمن الاجتماعي والاقتصادي في حكم المفقود. يصبح الإنسان أكثر ميلاً للسلبية وتوجيه التهم، وأكثر ميلاً لتصديق الشائعات وترويجها.

تبذل الدول الكثير من الجهد لحل الأزمات، لكن الحروب الكبرى غالباً ما تترافق بأزمات كبرى، إذا أضفنا لها الدعاية المضادة التي يشنها العدو، فإن كل حدث بسيط قابل للتحول إلى أزمة. وما على العدو سوى استغلال ذبابه الإلكتروني لنشر شائعة، مثل "فقدان الخبز" أو "ارتفاع أسعار النفط"، لترى طوابير المواطنين تتجمع أمام الأفران ومحطات الوقود، ويمكن أن تحدث مواجهات بين المواطنين أنفسهم، أو بين المواطنين وأجهزة الأمن، وتنتشر الصور على مواقع التواصل، وتصبح المواجهات خبراً جديداً، فتُكرس كل الجهود لحل أزمة ليست موجودة أصلاً. هذه حرب أخرى تُخاض بعيداً عن الخنادق، لكنها جزء من النصر أو الهزيمة.

في الحرب الوطنية العظمى التي يخوضها محور المقاومة اليوم ضد الرأسمالية ومشاريعها، تكرس الرأسمالية آلتها الإعلامية المهولة للتسلل إلى ثقافة مجتمعاتنا. وتحاول الاستيلاء على الثوابت الثقافية وتسخيرها لخدمتها. في ربيع الصهاينة استولى الاستعمار على الدين، والبنية الاجتماعية العشائرية، وأصبح عملاء الرأسمالية وإرهابيوها ثواراً يمثلون هذه الثوابت الثقافية، وهرع الليبراليون المتضررون من الأنظمة الوطنية لمنح هؤلاء العملاء صفة الثورية، لنجد أنفسنا أمام "ثورات" يقودها خبراء وضباط أميركيون وصهاينة وآخرون تابعون لحلف "الناتو".

لن ينتهي دور هؤلاء العملاء بعد إسقاط الدول الوطنية أو تحويلها إلى دول فاشلة، بل امتد دورهم لمحاربة فكرة المقاومة، وهو ما نشهده اليوم من تحليلات تبرئ المحتل، وتدين المقاومين في غزّة، واليمن وإيران، تارة بحجة أنهم اتخذوا قراراً مغامراً، وأخرى بأنهم بتصديهم للعدوان هاجموا دولاً عربية، دون أن يتساءل أحدهم: لماذا يجب أن يكون لدينا قواعد أجنبية؟

يبرز هنا دور الثقافة والمثقفين. فهم الجدار الناري الذي يحمي المجتمعات من تسلل ثقافة العدو، ويصنع ثقافة التصدي لهذا العدو. لكن شريحة واسعة من مثقفينا كانوا غارقين في نرجسية "الفيلسوف الملك" المعارض لكل ما هو سائد، ويرون أنهم من طينة نادرة مثالية تتيح لهم الارتقاء فوق الواقع ومحاكمته من عليائهم. تركوا الباب مفتوحاً لاجتياح ثقافي لا يقل خطورة عن الاجتياح العسكري. ووجد بعضهم في تاريخه المعارض لأنظمة الحكم في بلده سلعة يمكن بيعها، فاستسهلوا الارتزاق بتاريخهم وثقافتهم حتى وقعوا في فخ خيانة أوطانهم والتآمر عليها.

كان من الصعب على هؤلاء العودة إلى حضن أوطانهم، فهاموا على وجوههم في عواصم العدو، وتحولوا إلى معاول لهدم الوطن الذي ناضلوا يوماً في سبيله، لينتهوا منتحرين أو منسيين في بقاع من العالم لا تعرف عنهم شيئاً. آخرون اختاروا الحياد، في معركة لم تكن تحتمل الحياد، وساووا في موقفهم بين الضحية والجلاد، وبين صاحب الأرض والمحتل، وكأنهم لم يسمعوا ما قاله دانتي في جحيمه؛ من أن الدرك الأسفل في الجحيم مخصص لأولئك الذين يختارون الحياد في وجه الظلم.

يبقى السؤال: لماذا هرب معظم المثقفين العرب من ساحة المواجهة مع العدو؟

تاريخياً، انحاز قطاع من المثقفين العرب للحضارة الغربية بصفتها تحمل التقدم إلى الشعوب المتخلفة (نحن)، ولم يكتفوا بهذا الانحياز، بل تقمصوا الموقع السياسي والاقتصادي لهذه الحضارة. ويوماً بعد يوم أخذوا بالابتعاد عن جوهر المعركة الحقيقي، بصفتها معركة تحرر تقوم على طرد العدو وفك الارتباط مع بناه السياسية والثقافية والاقتصادية.

وعلى قرع طبول منظمات الأنجزة تحول هذا المثقف إلى طرح قضايا المجتمعات الرأسمالية من وجهة نظر هذه المجتمعات، كحقوق المرأة والطفل والأقليات والجندرية والتعددية الثقافية، مغرقاً في تبعيته واستسلامه للمحددات الثقافية التي صاغها العدو.

لم يكن الدور الوطني التعبوي للمثقف مطلوباً في تاريخنا الحديث كما هو مطلوب اليوم، فالعدو أقوى من أي وقت مضى ووسائله أكثر تعقيداً وتشعباً. والمؤامرة على منطقتنا أشرس من أي وقت مضى، فالعدو يعتقد أن ضرورة بقائه تفرض عليه خوض الحرب على أرضنا، وأن الفرصة متاحة في ظل تهالك النظام الرسمي العربي، وتراجع فعالية الجسد الشعبي العربي بسبب ما أصابه من ندوب ما سمي "الربيع العربي".

ما زال المثقفون مطالبين بمواجهة العدو كل يوم، والنزول إلى الشارع كل يوم، وتشكيل محور مقاومة ثقافي يحارب أفراده كما يحارب الجنود على الجبهة، بل أن تكون الثقافة جبهة لها أبطالها، وقد يكون لها شهداؤها. أن يطرح المثقفون عن كواهلهم نرجسيتهم، ويلتجئوا إلى وطن الكادحين والمقاومين، فهذا الوطن أكبر من الجميع، وسوف يبقى بعد رحيل الجميع ليكتب تاريخ من خانوا ومن صمدوا.