عُمان إذ تعطي "الاعتدال" معنى آخر.. وتقترح منظومة إقليمية للأمن والتعاون

عُمان تستوحي دروس الحرب الأخيرة، لتقدم رؤية جديدة ترسم معالم طريق لمستقبل النظام الأمني الإقليمي، فيما يشبه المراجعة الشاملة لتجربة نصف قرن من الصراعات والحروب وحروب الوكالة وتدافع المحاور الإقليمية - الدولية.

  • عُمان إذ تعطي
    عُمان إذ تعطي "الاعتدال" معنى آخر.. وتقترح منظومة إقليمية للأمن والتعاون

تُعطي عُمان معنى جديداً لمفهوم "الاعتدال" في السياسة والتحالفات العربية، يتخطى التماهي مع الاستراتيجية الأميركية وإملاءاتها، ويسعى إلى بلورة رؤية أكثر توازناً واتزاناً في مقاربتها للشأن الإقليمي.

بهذا المعنى، انفردت السلطنة بعلاقات طيبة مع طهران في مختلف الظروف، حتى في أزمنة القطع والقطيعة مع الجمهورية الإسلامية، مثلما انفردت كذلك بإدانة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، بوصفها حرباً بلا تفويض أممي، وغير شرعية، وغير ضرورية، في حين انصبت البيانات الرسمية العربية، معظمها على الأقل، على إدانة الهجمات الإيرانية ضد أهداف في دول عربية، ضاربةً صفحاً عن "أُسّ المشكلة"، والمتمثل في العدوان ذاته.

اليوم، ومنذ عدة أسابيع وأشهر، تتقدم السلطنة برؤية جديدة، تستوحي دروس الحرب الأخيرة، وترسم معالم طريق لمستقبل النظام الأمني الإقليمي، فيما يشبه المراجعة الشاملة لتجربة نصف قرن من الصراعات والحروب وحروب الوكالة وتدافع المحاور الإقليمية - الدولية، جاءت حصيلتها وبالاً على المنطقة وشعوبها، وتهديداً لأمنها واستقرارها وازدهارها.

تقوم رؤية مسقط على ركائز عدة، أوضحها رئيس الدبلوماسية العُمانية، الوزير بدر البوسعيدي، في مقالين منشورين له، أحدهما في "ذي إيكونوميست" البريطانية، في الـ18 من آذار/مارس 2026، والثاني في "لوموند" الفرنسية، في الـ14 من تموز/يوليو 2026. وقد أعاد موقع وزارة الخارجية العُمانية نشر المقالين، تأكيداً على "رسمية" الموقف وجديته. ومما جاء في المقالين:

أولاً: في تقييم الحرب، جرى التأكيد أكثر من مرة، وفي غير موضع في المقالين والبيانات الرسمية، أنها حرب غير شرعية، وغير ضرورية، وبلا تفويض أممي، وأن واشنطن انجرّت إليها بتحريض و"غواية" من "إسرائيل"، وأنها أدت إلى فقدان الإدارة الأميركية السيطرة على سياستها الخارجية، وعطّلت مساراً دبلوماسياً كان واعداً ومحمّلاً ببشائر التوصل إلى اتفاق نهائي، وأفضت، من ضمن ما أفضت إليه، إلى إلحاق أضرار جسيمة بأمن المنطقة ومصالحها، وأمن الطاقة والملاحة، من دون مسوّغ ذي مغزى.

ثانياً: في المقالين، كما في مختلف التصريحات العُمانية، يجري التأكيد والتشديد على أن "المهددات الأبرز والأخطر" لأمن الإقليم تأتيه من خارجه، وليس من دوله ومكوّناته، ودائماً ما يجري توجيه الاتهام إلى "إسرائيل" على وجه الخصوص، مع تلميح يقترب من التصريح بأن واشنطن، بانسياقها الأعمى وراء حملات التحريض الإسرائيلية، تتحول بدورها إلى عامل مزعزع للاستقرار.

تلكم "سردية" تعاند السائد من السرديات العربية والخليجية، التي تكتفي بإدانة إيران وتحميلها وزر التوتر الإقليمي الحاصل، من دون أي إشارة إلى مسؤولية واشنطن، وبالأخص "تل أبيب"، عما جرى ويجري.

ثالثاً: ثمة ما يشبه الإعلان الصريح عن "فشل النظام الأمني الإقليمي" الذي تأسس منذ عام 1979 على فرضية أن إيران هي العدو والتهديد، وأن الآخرين، بما فيهم "إسرائيل"، حلفاء ومشاريع حلفاء. ويوازيه ويكمله إعلان آخر عن سقوط نظرية "احتواء إيران"، بعد سنوات وعقود من العمل بنظرية "الاحتواء المزدوج" لها وللعراق زمن صدام حسين، وهي الفرضيات التي فتحت أبواب "عسكرة بلا جدوى"، وسباق تسلح، وصفقات فلكية، ونشر القواعد الأجنبية، واستجلاب التدخل الخارجي.

هذه المنظومة من السياسات والإجراءات ثبت فشلها وعدم قدرتها على توفير الأمن والحماية، بعد أن سقط "وهم الاحتواء".

رابعاً: تقوم الرؤية العُمانية للمستقبل، وللنظام الإقليمي للأمن والتعاون، على فرضية "الإدماج بدل الاحتواء"؛ أي إدماج إيران في المنظومة بدلاً من عزلها "المتعذر"، واستعدائها الذي لم يجلب سوى المتاعب والخسائر لدول المنطقة وشعوبها.

وتلحظ هذه الرؤية، وإن بصورة موجزة، أن "الشرق الأوسط" بعد هذه الحرب لم يعد كما كان قبلها، وأن أي ترتيبات إقليمية يتعين أن تلحظ الجديد الناشئ في معادلات القوة ودينامياتها.

خامساً: بعموميات تسعى إلى تجنب استباق التطورات المتسارعة، في الميدان كما في الدبلوماسية، تقترح عُمان ترتيبات لإدارة الملاحة الحرة في مضيق هرمز وتنظيمها وتأمينها، بمشاركة الدول المشاطئة، وبما لا يتعارض مع قوانين الملاحة وأعالي البحار. وذلك موقف ظهّرته السلطنة في تصريحاتها، كما في مفاوضاتها مع طهران ومشاوراتها مع واشنطن وعواصم الخليج ذات الصلة.

سادساً: بتلميح من دون توسع، تلحظ المقاربة العُمانية الحاجة إلى شق مسارات وسياقات سياسية واقتصادية واجتماعية لمعالجة الأزمات المفتوحة في قوس الأزمات الممتد من اليمن إلى لبنان، مروراً بسوريا والعراق، وعلى قاعدة معالجة "جذور الأزمات"، لا أعراضها فقط، وبالذات ما يتصل منها بإنهاء الاحتلالات الإسرائيلية، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

والحقيقة أن "مقالي البوسعيدي" وتصريحات المسؤولين العُمانيين تذكرنا بنتائج مؤتمر إقليمي نظّمه مركز القدس للدراسات السياسية في بيروت عام 2019، تحت عنوان "نحو منظومة إقليمية للأمن والتعاون". وقد تناول المشاركون فيه، من مختلف دول المنطقة، دروس مرحلة من الصراع امتدت لسنوات وعقود، قبل أن يخلصوا إلى الحاجة إلى إعادة تعريف مهددات الأمن القومي والإقليمي، والسعي إلى بناء توافق حولها، والانتقال من الاحتواء والاستعداء إلى البحث عن المشتركات.

لكن الجديد هذه المرة أن ما كان يمثل آراءً لمجموعة من الباحثين والمفكرين أخذ يتحول إلى سياسة رسمية لدولة مؤثرة كعُمان، وأن بعض عناصر هذه الرؤية أخذت تتسرب إلى المواقف الرسمية لدول أخرى مؤثرة ووازنة، كما في "التسريبات" بشأن رؤية وأفكار تركية - قطرية حول سوريا ولبنان، أُبلغت بها واشنطن، وتصب في الاتجاه ذاته.

وتشفّ مواقف دول عربية وإقليمية عن اقتراب ملحوظ من هذه المقاربة، بعد أن تعاظم، في حساباتها، موقع "إسرائيل" كمصدر للتهديد، وليس كحليف محتمل، وشروعها في فتح قنوات التواصل مع طهران وتوسيعها، حتى في ظروف الحرب ومناخاتها الأكثر حساسية وتعقيداً، وغير المسبوقة في تاريخ العلاقات على ضفتي الخليج.

همسة في أذن عرقتشي

يستدعي ذلك، من ضمن ما يستدعي، تنبهاً إيرانياً يقظاً ومبكراً إلى الحاجة لاعتماد مقاربات وسياسات جديدة تلحظ تطور المواقف على الضفة الأخرى للخليج. وفي ظني أنه يتعين على طهران أن تدرك:

أولاً: أن عُمان لا يمكنها أن تتماهى مع المواقف والمطالبات أو "الاشتراطات" الإيرانية، وبالذات بشأن نظام هرمز وإدارته، وتحديداً لجهة فرض الجباية على المرور، أو على خدمات الأمن والحماية ورعاية البيئة، مثلما انتهى إليه الموقف الإيراني. ولقد كان الموقف العُماني واضحاً في هذا السياق، منذ أن تحول المضيق إلى "مسألة كونية".

ثانياً: إن عُمان، وفي الوقت الذي حرصت وتحرص فيه على أفضل العلاقات مع طهران، ليس من مصلحتها، ولن يكون بمقدورها، وهي ليست راغبة، في إدارة ظهرها للمنظومة الخليجية، رغم تميزها عنها في بعض المواقف، بل في الكثير منها. فالسلطنة ركن ركين في هذه المنظومة، وهي دولة مؤسسة لمجلس التعاون الخليجي، ومن مصلحة إيران، وليس عُمان فقط، ألا توضع مسقط في موقع من يتعين عليه الاختيار.

ثالثاً: حتى وهي تقترح إعادة تقييم دور القواعد والحماية الأجنبية، وترى في انسياق واشنطن خلف "إسرائيل" سبباً في تفاقم أزمات المنطقة، فإن السلطنة لا ترغب، ولا تستطيع، أن تتحمل تداعيات استعداء الولايات المتحدة، ولا سيما في عهد رئيس أهوج يتحرك كالفيل في دكان الخزف. وقد سبق له أن هدد بتفجيرها إن هي تساوقت مع طهران في قضية "رسوم العبور".

رابعاً: ليس من اللائق، استناداً إلى تاريخ العلاقات العُمانية - الإيرانية، أن يجري التعامل مع السلطنة بلغة الضغوط، لا السياسية والدبلوماسية ولا العسكرية منها، وتحت أي حجة أو ذريعة. فالحوار والدبلوماسية هما الطريق الوحيد لحل الخلافات بين الدولتين، وعلى طهران أن تتذكر كم من المرات التي احتاجت فيها إلى السلطنة، سواء في تفاوضها غير المباشر مع واشنطن، أم حتى في إدارة بعض الملفات الأقل أهمية، كما في الأزمة اليمنية، وتبادل الأسرى، والإفراج عن رهائن ومغيبين قسراً.

خامساً: ندرك، كما تدرك طهران، أن الأولوية هي لكسب المنازلة الميدانية في حرب الوجود التي تخوضها إيران في مواجهة هجمة أميركية - صهيونية عاتية. لكن الحاجة تشتد، مع ذلك، إلى التفكير في مرحلة ما بعد الحرب، بما يقتضي التفريق بين مواقف الدول والعواصم الإقليمية. وفي السياسة، ليس من الحكمة وضع الجميع في سلة واحدة، ومندرجات ما بعد الحرب تملي اعتماد تمييز من هذا النوع.

سادساً وأخيراً: لو كان لي أن أهمس في أذن عباس عرقتشي، لنصحته بتشجيع مسقط على توسيع رؤيتها ومقاربتها، وتقديمها على شكل "مبادرة" لتنظيم العلاقات بين دول مجلس التعاون، تأسيساً على مواقف مشتركة بين البلدين، بدءاً بالتفكير في إنجاز معاهدة عدم اعتداء بين دول المنطقة، تحدثت عنها طهران وتحدث عنها الوزير البوسعيدي.

وربما يمكن التفكير في صيغة "8+2"، التي تجمع دول الخليج العربية الست إلى جانب كل من إيران والعراق، على أن تظل مفتوحة لمساهمة دول أخرى نشطة في الإقليم، بدأت تستشعر خطراً من مقاربة نتنياهو القاضية بإنشاء محور سداسي في مواجهة محورَي إيران وحلفائها من جهة، و"المحور الراديكالي السني" من جهة أخرى.