عادل عبد المهدي يكتب للميادين نت: وعدٌ صادقٌ، ودحرٌ للعدوان
في قراءته للأحداث، يرى السيّد عادل عبد المهدي أنّ الحروب تدفع الشعوب إلى مفترق طرق يُخيّرون فيه بين الخضوع أو التحرّر، ويشير إلى أنّ القواعد والوجود العسكري يشكّلان واقعاً أشدّ من الاحتلال نفسه.
-
القواعد والوجود العسكري أسوأ من الاحتلال
العدوان على الجمهورية الإسلامية وتداعياتها الإقليمية والعالمية، ليس بداية، بل قد يكون مقدّمة لنهاية. فالحرب لم تبدأ قبل أسبوعين. بل هي مستمرة ومتواصلة بأشكالها كافة منذ انتصار الثورة، بل وقبل الانتصار، إذا ما ربطنا ذلك بحركة شعوبنا للتخلّص من الهيمنة والاستعمار والصهيونية. مع ملاحظة أنّ التطورات متسارعة، وأنّ النشر يتم بعد 3 أيام على الأقل من تحرير النص، ما يقتضي التنوية أنّ بعض المعلومات غير مجددة، وكذلك بعض الاستنتاجات.
فما نشهده أمامنا ليس حرباً أو ثورة. ما نعيشه هو انقلاب كامل وشامل على كل ما سبقه، في إيران والمنطقة والعالم. بدأت تباشير صبحه تلوح كاملة في الأفق. وهو قد يكون الآن –بالنسبة إلى البعض- خيطاً رفيعاً يفصل الخيط الأبيض من الخيط الأسود. لكن سرعان ما سيعمّ الفجر، وستشرق الشمس. عندها لا مجال للنقاش.
لهذا نفضّل الفهم الإيراني لمفهوم الثورة Revolution. ففي اللغة الفارسية يقولون "انقلابي إسلامي" وليس "الثورة الإسلامية". فالأولى تعبير عن سنن إلهية، وقوانين تاريخية واجتماعية. يمكن تلمّس بناءاتها ومفاعيلها وتبنّي مناهجها. إنها التداول، والدورة واختلاف الفصول، واختلاف الأحوال من حالة كانت تهيمن علينا بالمطلق، إلى حالة جديدة تتحطّم فيها القيود.
حالة جديدة تماماً بكلّ أبعادها ومرتكزاتها الاستراتيجية والمفاهيمية والقانونية والتنظيمية وفي ما يخصّ اصطفافات الشعوب والدول. قد يصعب تصور تفاصيلها كافة. أما تعبير "الثورة" فهو حالة من الغضب والاحتجاج والتمرد، الذي هو حالة إيجابية طبيعية. لكنها قد تأتي بسرعة وتذهب بسرعة. رغم ذلك، ولكي لا نثير الارتباك، فإننا سنستمر باستخدام كلمة "ثورة". لكن بمعناها المجازي.
كما إن ما نشهده هو تحول وانقلاب يتجاوز إيران والمنطقة إلى العالم بأسره. لهذا ارتبطت الثورة الإسلامية منذ البداية بفلسطين ومحاربة الاستكبار والاستعمار والصهيونية والعنصرية في العالم كله. وهذه جميعاً كلٌ مترابط. ومن هنا لا مجال للحياد.
العدو لم يترك لنا الخيار كدول وشعوب وأفراد. فهو قد خيرنا ويخيرنا اليوم. إما أن نكون معه، فنكون ظالمين ومعتدين وعنصريين وموالين للكفر والاستعمار والصهيونية، أو أن نلغي مبادئنا وهويتنا ووطنيتنا ومصالحنا ومستقبلنا وكرامتنا واستقلالنا وسيادتنا، شئنا أم أبينا.
سنقسم هذا البحث الى قسمين: الأول، عن الحرب وبعض التقديرات، بعد مرور أسبوعين عليها، والثاني الوجود والقواعد العسكرية في المنطقة، تحت عنوان: القواعد والوجود العسكري أسوأ من الاحتلال. وهل هي إرادة سيادية وطنية أم عنوان للهيمنة.
القسم الأول
أولاً: في المنهج وتقديرات عن الحرب
1- هناك طريقتان للرؤية. الأولى رؤية سريعة، أو متسرّعة، تعتمد الأخبار اليومية الجارية. والقياس -انطلاقاً منها- للحكم على مآلات الحرب القريبة والبعيدة الأمد. والثانية استراتيجية ومتأنية، تضع الحرب في إطارها التاريخي والبعيد المدى. فترى الوقائع اليومية في إطار رؤية طويلة وشاملة وتراكمية، فتخرج بنتائج مغايرة.
الرؤية الأولى ستسقط في حساب الخسائر والآلآم والدمار في جبهة المعتدى عليهم. ويتعذر عليها -في أغلب الأحيان- قراءة التداعيات التاريخية والاستراتيجية الكبرى التي تقع في صفوف الجبهة المعتدية. فيخرجون بقناعات محبطة وسلبية وخاطئة.
لن نقف طويلاً عند الرؤية الأولى، لأنها رؤية ستتغير مع كل متغير وحادث، لهذا لا يمكن الاعتماد عليها. ولكل من يتابع ما يدعيه الجانبان الأميركي والإسرائيلي، وما يحققانه يستطيع أن يستنتج ببساطة، بأن مرتكزات الجبهة المعتدية تتراجع. وأن مرتكزات الجبهة المعتدى عليها تتقدم. وهذا لن يبين مستقبل هذه الحرب فقط، بل أيضاً حسن تفسير مصاعب وخسائر الجبهة المعتدى عليها خلال مجريات الحرب.
2- منهجان للتعامل: المنهج الأول الذي يتبعه الأميركي والإسرائيلي والإرهابي وهو التعامل مع المنطقة كساحة واحدة، وتجاوز كل السيادات القطرية والمحلية، ما يتطلب من الشعوب -والمقاومة أيضاً- ربط الساحات بشكل عقلائي خلّاق، للدفاع عن حقوقها المترابطة أصلاً. والمنهج الثاني المبالغة بالانخداع بالمتبنيات المحلية والقطرية، ما يخدم في النهاية العدوان. ولا يدافع، لا عن سيادة ولا عن أوطان وشعوب.
3- فهمان لشمولية الارتباطات المحلية والإقليمية والدولية: فلا يرى الأول الشبكة والهيكلية العالمية المهيمنة ودور الكيان الصهيوني داخلها، والتي هي السبب الأساس في التخلف والحروب الداخلية وانتهاك السيادة والحقوق المشروعة لشعوبنا وبلداننا. والثاني يَفهَم تماماً ارتباط جميع النشاطات المحلية والإقليمية، بمشاريع قوى الهيمنة والكيان الصهيوني، ولا يفصل تحركاتهم الداخلية عن الحقائق التي تجري على المستويين الإقليمي والدولي.
ثانياً: هدف الحرب والتداعيات المختلفة: سنتناول أولاً مرامي الولايات المتحدة و"إسرائيل" وثانياً ردّ الفعل الإيراني والمقاوم.
1- الولايات المتحدة و"إسرائيل"
أ- الاغتيالات وإثارة الفتنة واستغلال التناقضات
- سعى العدوان لإثارة الشعب الإيراني ضد نظامه. وفشل فشلاً ذريعاً في ذلك. فاغتيال السيد خامنئي قُدّس سره، وعدد من كبار المسؤولين، بدل أن يُرعب الشعب الإيراني ويفجّر التناقضات الداخلية، فإنه وحّد الشعب وجعله يرابط في الميادين والشوارع والأحياء. وإن أعمال التدمير والقتل خصوصاً للمدنيين، وبالذات الأطفال والنساء، بدل أن تخيف الناس، فإنها قد أثارت غضبهم ودعوتهم للثأر.
- وقف كبار العلماء وعلى رأسهم المرجعية الدينية في النجف الأشرف متصدّين للعدوان، ودعوا للوقوف دفاعاً عن النظام. كذلك فعل الزعماء والقوى السياسية والدول. ومع هذا الالتفاف، ومع استمرار مقاومة الجمهورية الإسلامية للعدوان، وما دامت الجماهير في الميادين، فنستطيع القول باطمئنان أن لا خوف على النظام الإسلامي.
- سعى المعتدون إلى إثارة النعرات العنصرية والمذهبية مستغلين عدة جبهات ونذكر منها أربعاً: كردستان، أذربيجان، خوزستان (عربستان)، وبلوشستان/سيستان. الجبهتان الأخيرتان لا تجد لهما امتدادات خلفية للإمداد. لا من جنوب العراق، ولا من باكستان وأفغانستان. ورفضت هذه الدول تشجيع أي مشاريع تقسيمية، لأنها مهددة بها أصلاً.
- أما جبهة أذربيجان، فرغم النشاط الواسع الأميركي والصهيوني لإثارة الفتنة، لكن أذربيجان تركية القومية، شيعية المذهب. ونعتقد أن فرص استغلال هذه الجبهة قد تلاشت تقريباً، خصوصاً بعد التهنئة التي أرسلها الرئيس الأذربيجاني في 9/3/2026 لانتخاب السيد مجتبى الخامنئي مرشداً جديداً. والاتصال الذي جرى بين الرئيسين الإيراني والتركي لعدم الاعتداء، وللتعاون والتهدئة.
- المعارضة الكردية الإيرانية: أعلن الرئيس ترامب نفسه أنه اتصل بالزعماء الكرد العراقيين والإيرانيين. ورغم أنّ ذلك يجب أن يُنظر إليه كنقطة ضعف، بل كفشل مدوٍ للخطة الأميركية/الصهيونية لإسقاط النظام في طهران، لكن البعض أثار نقاشات حول هذه المسألة.
والهدف هنا هو إثارة الحرب الداخلية داخل المحافظات الإيرانية الثلاث، وهي كرمنشاه وكردستان وإيلام.
لكن في هذه الخطة ثغرات كثيرة لا يفهمها ترامب والإسرائيليون. إذ يجب التفريق بين عواطف التضامن القومية الموجودة بين الكرد في مختلف مناطقهم، وبين الانخراط في مشروع لا أفق له. وهناك على الأقل اعتباران أساسيان.
- حكومة الإقليم في العراق هي جزء من الحكومة العراقية. وبغض النظر عن بعض المناكدات هنا وهناك، لكن الموقف الرسمي لا يمكن أن يكون إلا بمنع الانخراط بمثل هذه المغامرات. ولقد سبق أن نُقل عن زوجة رئيس الجمهورية الأسبق، الزعيم الوطني الراحل جلال الطالباني، قولها: "اتركوا الكرد وشأنهم، نحن لسنا بنادق للإيجار".
فلدى الكرد تجربة طويلة عن خذلان الولايات المتحدة لهم. ومن دون الذهاب بعيداً، فهي قد خذلتهم عام 1975 باتفاقية الجزائر بين الشاه وصدام. وخذلتهم عندما تحرّك نحوهم صدام، المدعوم يومها من الولايات المتحدة والغرب في نهاية الحرب عام 1988، في حملة "الأنفال"، التي كلّفت الكرد عشرات الآلاف من الضحايا، ثم في استخدام السلاح الكيميائي ضدهم في حلبجة.
وخذلتهم في الاستفتاء لخيار الاستقلال عام 2017. وأخيراً وليس آخراً، خذلتهم في سوريا. وإن ما يتمتعون به من كيان شبه مستقل في كردستان العراق، ومن حقوق وتطور معيشي واقتصادي وثقافي ومجتمعي في الإقليم والعراق عامة، لم تعطه إياهم أميركا أو "إسرائيل"، بل كان نتيجة تضحياتهم وبسالتهم وتحالفهم ليس فقط مع القوى الوطنية العراقية الأخرى، بل وقوفهم مع الجمهورية الإسلامية في الحرب التي شنها صدام على إيران.
فصدام انسحب من كردستان عام 1990، وتشكلت أولى الحكومات الكردستانية المستقلة مباشرة بعد الانتفاضة الشعبانية في آذار/مارس 1991. وإن من وقف معهم بتحريم مقاتلتهم والتضامن معهم في أيام الحصار والإبادة هم مراجع العراق العظام كالإمام محسن الحكيم قُدّس سره.
ومن دعمهم على طول الخط هو شعبا العراق وإيران خصوصاً. من دون أن يعني ذلك عدم وجود خلافات واختلافات بين القوى الوطنية في المنطقة. وأنّ الحركة الكردية في مجراها العام، وفي عمقها الإسلامي والتاريخي، هي حركة وطنية ذات جذور إسلامية راسخة، تعيش الخلافات بين الشركاء، كما تعيش مركبات الوحدة بينهم.
وإنني من أولئك الذين يفرّقون عند الخلاف بين المواقف الخاطئة –بل والمنحرفة جداً أحياناً- الصادرة من هذا الطرف أو ذاك، في لحظات الاختناق والشعور بالمحاصرة، والمواقف الكبيرة المعبّرة عن مركبات الوحدة والمشاركة.
- لقد خرجت المحافظات الثلاث أعلاه في بداية الثورة الإسلامية عن سيطرة الحكومة المركزية في طهران. كما لا تخلو تلك المناطق من مشاحنات واختلافات بين آونة وأخرى. وتتوافر مشاعر قومية أو مذهبية تختلف عن توجّهات الحكومة المركزية في طهران.
لكنّ نزعة الانفصال والثورة بين كرد إيران كانت هي الأضعف بين بقية كرد المنطقة. فلقد قامت جمهورية مهاباد في 22 كانون الثاني/يناير 1946 بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. واستمرت 11 شهراً بدعم الاتحاد السوفياتي، عندما احتلّ شمال إيران، واحتل البريطانيون بقية البلاد.
وكانت تلك الجمهورية برئاسة القاضي محمد الذي أعدمته حكومة الشاه في 1947 والتي كان المرحوم ملا مصطفى البرزاني أحد أركانها. واستحق بسببها لقب "الجنرال الأحمر"، عندما انتقل إلى الاتحاد السوفياتي بعد انهيارها. وعليه يخطئ من يتصور أن البيئة الشعبية الكردية ستستقبل مثل هذه الفتنة بالأحضان. فالكرد يمثّلون 8-10% من سكان إيران. ولديهم ما يقارب هذه النسبة من الأعضاء في مجلس الشورى. وقد أعلن كبار علمائهم ونخبهم الموقف المؤيد للقيادة الإيرانية في هذه الحرب الظالمة.
- دول الخليج والدول العربية: رغم ضراوة الهجمات الإيرانية على القواعد الأميركية في المنطقة، بل واستهداف بعض الفنادق والمنشآت التي لجأ اليها الأميركيون والإسرائيليون، إلا أنّ السعي لتخفيض التصعيد، وإيقاف القتال، وبذل الوساطات، ما زال متقدماً على التورط عميقاً في الحرب. رغم اللجوء إلى مجلس الأمن (مساء 11/3/2026) وإصدار إدانات مكشوفة لإيران. وهذا تطور سنناقشه في فقرة مستقلة لاحقاً.
بالمقابل عبّرت دول عربية أخرى عن مواقف استنكار للعدوان، والتضامن الصريح أو الضمني ضد العدوان. ونخص بالذكر منها مصر وتونس والجزائر والسودان وعُمان، وبالطبع العراق واليمن، إلخ.
- الدول الأخرى وموقفها من الحرب: سارعت شعوب العالم للتظاهر والاستنكار بما في ذلك في الولايات المتحدة (وتظاهرات صغيرة في الكيان) كتعبير عن رفض شعبي مطلق في الدول كافة، وهو يظهر بشكل واسع في مواقع التواصل الاجتماعي. والتعليق على التقارير والتصريحات، بما في ذلك أكثر المصادر تطرفاً لصالح العدوان.
كما اختلف موقف الدول. بين من وقف مع إيران صراحة، كروسيا والصين وكوبا وعدد كبير من الدول الآسيوية والأفريقية وفي أميركا اللاتينية. وأخرى أدانت العدوان مثل إسبانيا وتركيا والكثير من الدول، وأخرى قالت إنها لن تشارك مثل إيطاليا وكندا. وثالثة اكتفت بالقول بأنها ستشارك بالدفاع (وليس الهجوم) إذا طُلب منها، مثل فرنسا. ودول وقفت ضد العدوان الأميركي- الإسرائيلي على إيران، بينما وقفت ضد العمليات الحربية الإيرانية ضد بعض الدول العربية. والواضح أن ترامب غاضب من موقف أعضاء "الناتو". والأبرز في ذلك موقفه من بريطانيا وتهديده لها بأنها ستدفع الثمن نتيجة موقفها المتردد، وعدم تقديم التسهيلات اللازمة له.
ب- الذخائر والاقتصاد والطاقة والقوى البشرية: لن نخوض طويلاً في هذا الموضوع. فلقد عالجه كثيرون. وبات من الواضح أن مصادر قوة العدو في هذه الأمور كافة لن تقدم احتياطات أو مفاجآت تتفوق على ما هو متوفر حالياً. على العكس تشير كل المعلومات والدراسات إلى أن العدو سيعاني من نقص في ذخائره، ومن تراجع في اقتصادياته، ومن تناقص في موارد الطاقة، ومن عجز عن زيادة قدراته البشرية. بل على العكس يتوقع أن تزداد التناقضات بين نخبه الحاكمة. وبين النخب الحاكمة وجماهيره لتزداد التظاهرات والضغوطات عليه. وأن الصعوبات الاقتصادية ستزداد عليه وعلى جمهوره، وأن خسائر الحرب ستضغط عليه بالمطلق.
ج- هل يعني ذلك أن الحرب ستكون قصيرة: نعم جميع هذه العوامل قد تقود للاستنتاج أن الحرب قد تكون قصيرة. وأنها ستُحسم خلال أيام وأسابيع. لكن مثل هذا الاستنتاج قد يكون متسرعاً. فهذه الحرب وجودية لكل الأطراف. وهو عامل يجب استذكاره دائماً. خصوصاً وأن "اسرائيل" وأميركا ما زالتا تمتلكان قوى هائلة، بما فيها النووية، لمنع حدوث ذلك.
وفي محاضرة له قبل عامين يقول الصهيوني "يوفال نوح هراري" الباحث في التاريخ البشري والعسكري، وصاحب الكتابين الشهيرين Sapiens و Homo Deus وغيرهما: "إننا في خطر عظيم، وكل المنطقة في خطر عظيم، وقد نكون على بعد 24 ساعة من استخدام القنبلة النووية. لأنه قد تهاجم إيران وحزب الله بعشرات الآلاف من الصواريخ. وإن "إسرائيل" قد تستخدم أسلحتها كافة ومنها النووية. وهذا أخطر تهديد لنا وللمنطقة"..
نحن أمام قوتي جذب. أي إنهاء الحرب بسرعة لمنع توسّعها، أو استمرار الحرب، أو ما بينهما. فلنستعرض هذه الاحتمالات.
د- احتمالات انتهاء الحرب أو استمرارها
- الاحتمال الأول: انتهاء الحرب خلال أيام أو أسابيع قليلة: وهذا إن تم بالشكل الذي توقفت فيه حرب الاثني عشر يوماً، فإنه سيُعدّ انتصاراً استراتيجياً كبيراً لإيران، ولمحور المقاومة، ولكل حركات التحرر في المنطقة والعالم. لكن إيران صرّحت أنها لن توقف الحرب من دون ترتيبات تضمن حقوقها. بالمقابل، قد لا يقبل العدو بإيقافها، وإعطاء إيران هذا الامتياز، ذلك لاعتقاد العدو أيضاً أنه ما زال هو الأقوى، ويستطيع أن يوقع ضربات قد تغير من المعطيات الحالية التي تبدو أنها لمصلحة إيران ومحور المقاومة. وهنا قد يبرز الاحتمال الثاني.
- الاحتمال الثاني: تدخّل الوسطاء وطرح ورقة تتضمن مكاسب لكل طرف وتنازلات من كل طرف. ففي ما يخص إيران فلديها مروحة مطالب تدور، حول -كل أو بعض- قضايا التخصيب، وعدم الاعتداء عليها مجدداً، والحفاظ على قدراتها العسكرية، وحماية حلفائها، وحل يقبله الفلسطينيون، ورفع العقوبات، والمطالبة بالتعويضات. أما بالنسبة لأميركا و"إسرائيل" فقد يتم الاتفاق على عدم مهاجمة الكيان، أو شكل من أشكال الهدنة. وإعادة النظر بالقواعد العسكرية، وضمان حرية الملاحة في الممرات المائية. فإذا لم تتوقف الحرب، ويتم شيء من ذلك، فقد نذهب للخيار الثالث.
- الاحتمال الثالث: استمرار الحرب لأشهر طويلة: ولا شك أن هذا الخيار سيرهق الجميع. ويتفق الجميع أن قدرة التحمل ستكون أكثر إرهاقاً للإسرائيليين والأميركيين والنظام العالمي منها على إيران وقوى المقاومة. وهنا قد تصل "إسرائيل" ومعها أميركا بالشعور بالخطر الوجودي الذي يهددها فيتم التفكير باستخدام القنبلة الذرية التكتيكية أو الاستراتيجية. وهو ما تكلم عنه "هراري" كما أشرنا أعلاه. بل إنّ حالة الجنون الموجودة لدى القيادتين الأميركية والإسرائيلية قد تدفع بهما لوضع هذا الخيار على طاولة الوساطة، أو المفاوضات، لتهديد إيران، ولتحسين الشروط الأميركية والإسرائيلية.
ه- استخدام سلاح نووي تكتيكي أو استراتيجي: يجب عدم استبعاد هذا الخيار إطلاقاً. فالحروب الاستعمارية لا تعرف الأخلاق والمبادئ الإنسانية إطلاقاً. ما سيمنع استخدامه هو في نظرنا عدة أمور منها:
- الأول: مدى استعداد إيران لتلقّي ضربة نووية، وتحمّل الخسائر البشرية والمادية المهولة. فكما فاجأت إيران العالم كله بقدراتها الصاروخية والاستخباراتية فإنها قد تفاجئ العالم أيضاً في هذا المجال. وفي ما يخص الأمر الأول، فلا بد أن نستذكر تجربة الصين بعد خلافها مع الاتحاد السوفياتي عام (1956-1960)، وأصبحت مكشوفة نووياً.
فقامت انطلاقاً من سعة جغرافيتها وضخامة عدد سكانها، بتبنّي سياسة قد تبدو بدائية يلخّصها شعار، "حفر الأنفاق وخزن الحبوب"، لكنها كانت حامية ورادعة تماماً. وبالفعل قامت في الصين مدن كاملة تحت كل الأحياء والمدن الرئيسية. ومن زار تلك المدن وشبكة الارتباطات بينها (ونحن قد زرناها عام 1978) يُذهل لضخامتها وفعّاليتها. واستمرت الصين على هذه الحالة، إلى أن امتلكت هي ذاتها القنبلة الذرية.
- الثاني: ذكرت "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" أنها عثرت في أحد المواقع الإيرانية على يورانيوم مخصّب بدرجة 83.7%. وأن الوصول إلى هذه النسبة انطلاقاً من نسبة تخصيب 60% هي مسألة أيام وليس سنين وأشهراً، كما هو الأمر في بدايات عمليات التخصيب.
وأن الموجود من خزين إيراني والذي يزيد على 400 كغم كافٍ لصناعة 10 قنابل ذرية، وقد برهنت الصواريخ الإيرانية أنها قادرة على حمل أوزان القنبلة وعلى إصابة الهدف بدقة متناهية. لذلك يقولون إن إيران هي دولة نووية لكن من دون قنبلة نووية. ناهيك بإمكانية استهداف مفاعلات "ديمونا" الإسرائيلية، بكل آثارها المدمرة.
- الثالث: يقول عدد مهم من المختصين الجادين إن الأرجح أن إيران تمتلك قنبلة "كهرومغناطيسية"، غير فتاكة بالبشر والأصول، لكنها قادرة بسرعة الضوء، وعلى نطاق واسع من تعطيل كل الدوائر الإلكترونية. وهو ما يحرم الولايات المتحدة و"إسرائيل" كامل تفوقهما الجوي والتكنولوجي اللذين هما أساس قوتهما القاتلة. ويستدلون على ذلك من تصريح "إسرائيل" في حرب الاثني عشر يوماً بأنها قصفت منشآت لتصنيع القنبلة الكهرومغناطيسية.
2- الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحور المقاومة
أ- على خلاف الطرف الآخر، ورغم كل الآلآم والخسائر البشرية والمادية، فإن إيران نجحت ليس فقط في تجاوز الضربات الأولى بما فيها الضربة القاسية لاستشهاد المرشد الأعلى الشهيد الإمام خامنئي قدّس سره. هذه الضربات بدل أن تُضعف إيران، فإنها وحدت صفوفها بشكل مذهل ومنقطع النظير. فازداد التفاف الشعب –ومنهم المعارضون الوطنيون- حول نظامه.
وانتخب مجلس الخبراء الولي والمرشد الجديد. بشخص آية الله السيد مجتبى خامنئي حفظه الله. والذي يبلغ عمره 57 عاماً اليوم، بينما استلم الشهيد خامنئي الكبير الولاية وعمره 49 عاماً. وتشهد إيران في كل يوم مزيداً من الوجود الجماهيري المؤيد للثورة. وإن مؤسسات الدولة ودورة الحياة اليومية مسيطر عليها ضمن معايير بلد يواجه عدواناً من أشرس القوى الاستعمارية.
وجّهت إيران ضربات قاتلة للداخل الإسرائيلي، للقواعد الأميركية والإسرائيلية، ومواردها البشرية والتجسسية والرصدية والدفاعية والهجومية.
وتوقفت حركة السفن في مضيق هرمز. بل حققت لها إضافات مهمة دولية وعالمية تستنكر الاعتداء وتزج بالمزيد من الجماهير في العالم بأسره تأييداً لها. لم تكن تمتلكه إطلاقاً سابقاً.
سنقتنع أكثر بحسن المآلات، عندما نقارن هذا الوضع مع الوضع الذي عاشته إيران والعاصمة طهران والمدن الإيرانية خلال حرب السنوات الثماني والتضحيات الهائلة التي بلغت مئات الآلآف يومها. إذ كان حرس الثورة والبسيج يفتحون حقول الألغام بأجسادهم، وكانت الأوضاع الاقتصادية صعبة للغاية. وتم أيضاً تجاوز تفجيرات الحزب الجمهوري، والاغتيالات التي راح ضحيتها كبار المسؤولين كالشهيد بهشتي والرئيس رجائي وغيرهما، والذين لا يقلون أهمية عن استشهاد المسؤولين الحاليين.
وكذلك وصول القوات العراقية الى كرمنشاه ومناطق واسعة من إيران، بدعم غربي وعربي واسعين. والقصف المستمر على المدن الإيرانية والتسبّب في هجرة واسعة وتضحيات كبيرة. ووجود انقسام داخلي حاد عبّر عنه في النهاية عام 1982، تحالف رئيس الجمهورية بني صدر، ورئيس منظمة مجاهدي خلق، والعديد من الأحزاب والمنظمات المعارضة والجماعات الانفصالية.
ولمزيد من الاستدلال والمقاربات على فهم تغير موازين القوى في أعماقها وأثقالها الحقيقية، بعيداً عن التصريحات والشعارات، نذكر بأن الإمام الخميني قدس سره خطب في 20 تموز/يوليو 1988 معلناً "بتجرع كأس السُم"، لقبوله بقرار مجلس الأمن 598 ووقف الحرب.
وأن المعتدي في تلك الحرب لم يعاقب بما يجب دولياً. فاعتبره صدام انتصاراً. وأعلن الاحتفالات. كذلك فعلت جبهة الخليج والغرب. لكن لم تمر سوى أشهر قليلة، إلا وفرض الأمر الواقع الجديد نفسه، ومزقت موازين القوى الجديدة منظومات ومركبات الموازين القديمة. فاجتاح صدام الكويت، وانقلبت الأمور رأساً على عقب، ليس في العراق فقط، بل في المنطقة والعالم، لتبرز إيران وفلسطين والثورة في المنطقة أقوى وأكثر فاعلية.
ب- في الجغرافيا والقوى البشرية والقدرات العسكرية والحلفاء:
- الجغرافيا: تزيد مساحة إيران 80 مرة عن مساحة الكيان الصهيوني، والقواعد الأميركية في المنطقة. ويزيد عدد سكان إيران بـ12-13 مرة عن عدد الصهاينة في الكيان والقوات الأميركية. وأكثر من 20 مرة، إذا ما احتسبت البيئة الشعبية لقوى المقاومة. وأن الكثافة السكانية في الكيان هي (459/شخص/كلم2)، بينما في إيران هي (57/شخص/كلم2/).
وتبين الحقائق أعلاه أنه يتعين على العدوان أن يستخدم 10-20 ضعفاً وأكثر من القدرات العسكرية في حملته. وإذا أضفنا قدرة التحمّل والألم وروح التضحية بين الطرفين التي تميل بالمطلق لمصلحة إيران وقوى المقاومة، فإن المعادلة ستميل بشكل كبير بالضد تماماً من مصلحة الولايات المتحدة و"إسرائيل".
فالأميركي يقاتل بعيداً عن وطنه. والمستوطن الصهيوني غريب له بلد آخر ينتمي إليه. وأن الروح الجهادية ومفهوم الاستشهاد يمنح الإيرانيين وجبهة المقاومة مقومات صمود وإرادة قتال لا يمتلكها الإسرائيلي أو الأميركي. ناهيك بالضغوطات الاقتصادية والحياتية، وملفات إبستين، واحتمال فشل الجمهوريين، وبالتالي الرئيس ترامب، في الانتخابات الأميركية النصفية، والتهديدات التي يشعر بها من الصين وروسيا، وحتى البلدان الأوروبية.
- إنتاج الصواريخ والمسيّرات والمضادات وقدرات التعويض. غطى الخبراء والتقارير المختلفة هذا الموضع بشكل تفصيلي وجيد من حيث الكم والنوعية وقدرات التعويض التي تمتلكها إيران ومحور المقاومة. وما تمتلكه جبهة العدوان والصعوبات في ذلك. وفي تحمل أعباء حرب طويلة.
فالولايات المتحدة والكيان ينتميان لما يسمى بـ"النظام العالمي". والنظام بطبيعته يحتاج إلى استقرار واستمرارية وتشابكية. وإن تعطله هو الاستنزاف الحقيقي الذي أوقف الحروب سابقاً، والذي وضع وسيضع نهايات هذه الحرب.
- محور المقاومة: مثّل ويمثّل انخراط محور المقاومة رصيداً إضافياً كبيراً لتحقيق النصر، ومنع الانتكاسة والهزيمة، ليس في إيران فقط، بل على صعيد كل بلد وفي المنطقة. فالعدوان استباح الحدود، واخترق الساحات والأجواء والنفوس والسياسات. وعبر المراجع العظام وفي مقدمتهم الإمام السيستاني دامت بركاته، والفعاليات والقوى المجتمعية والسياسية والشعبية عن الوقوف مع الحق، والمعتدى عليه ومصالح البلاد، ضد الباطل والعدوان والاحتلال.
وهنا لسنا بصدد دعوة الجميع لحمل السلاح. فنتائج الحرب ستقرر مصير الجميع. إذ هناك أمرٌ واقع قد فرض نفسه ولا يمكن الآن تغييره. فإن انتصرت "إسرائيل" وحلفاؤها، فلن تبقى لا سيادة، ولا كرامة، ولا حتى أوطان. فالأفعال والسياسات المطبقة منذ عقود هي حلقات متواصلة لتحقيق ذلك.
يقول السفير الأميركي في "إسرائيل" مايك هاكابي"، بحسب BBC، نهاية شباط/فبراير2026، في لقائه مع الصحافي الأميركي "تاكر كارلسون": إنّ لإسرائيل، من منظور توراتي، "حقاً في أجزاء واسعة من الشرق الأوسط"، وأنه لا يرى بأساً، في استيلاء "إسرائيل" على منطقة الشرق الأوسط بأكملها، مستنداً في ذلك إلى تفسيرات دينية و"حقّ توراتي يمتد من نهر النيل إلى الفرات". أي ما تؤمن به "الصهيونية المسيحية" التي ينتمي إليها الكثير من الطبقة السياسية الأميركية، واللوبي الناشط جداً في الولايات المتحدة.
وانطلاقاً من ذلك كله، يجب الابتعاد عن الشعارات الفارغة والكلمات المبطنة، والمعايير والمفاهيم والقوانين والحدود والسيادات التي لم تُحترم، ولم تطبق إلا للاعتداء على شعوبنا.
ومن دون أمور فرعية تشوش عقولنا، وفي لحظة الحقيقة التاريخية الحالية، نقف أمام خيارين في هذه المعركة الكبرى والتاريخية والمفصلية. إما أن نقف مع الحق أو مع الباطل. فكما خُيّر الحسين عليه السلام سابقاً: بين "السِلة أو الذلة". نُخير اليوم: إما أن نبقى عبيداً بيد الصهيوني والأجنبي، أو أن نردّ العدوان ونحرر أنفسنا وبلداننا. ولا يوجد خيار ثالث، أو حياد أو نأي بالنفس، حتى لو اصطنعنا أو حاولنا ذلك.
فالمسؤول، وفي أي موقع كان، هو بتعريفه الأول مسؤول. أي خاضع للمساءلة التي لا يستطيع التهرب منها ما دام في موقعه. وعلينا كمسؤولين، أن ننطلق من ضوابطنا الشرعية والتاريخية والقانونية والوطنية والأخلاقية. فلا نفصل الأحداث بعضها عن بعض. ولا نبالغ في حدث ونتناسى ما هو أهمّ. ولا نستخدم كلمة حق يراد بها باطل. ولا نغلب الجزئيات والفرعيات والشكليات والمجاملات على الكليات والأولويات والأساسيات والمواقف المسؤولة. ولا نستخدم معايير ومفاهيم لخداعنا فقط، بينما يتملّص منها العدوان.
ولا ننسى التاريخ وترابط الأحداث والمصالح زمانياً ومكانياً. ولا نكون عوناً –سواء بالسر أو بالعلن- للظالم لأننا نخشاه، لنقف ضد وطننا وإخواننا المطلوب منا التنمر عليهم. فالواجب أن نقف معهم عندما يكونون محقين، وهم كذلك. علناً إن استطعنا، أو سرأ لأي سبب آخر. فإن اخطأوا فالواجب النصح والأبوة والحكمة والرشد والشجاعة.
- المقاومة الإسلامية في لبنان: لم ترفع المقاومة السلاح هوايةً أو بطراً أو تنمراً على حكومتها. بل رفعت السلاح أمام الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 عندما كانت الحكومة عاجزة عن حماية السيادة ومنع الاعتداءات.
فحررت المقاومة بلادها عام 2000. ومنعت تكرار الاجتياح الإسرائيلي في عام 2006. وبقيت تدافع عنه حتى طوفان الأقصى وحرب الإسناد. فتحملت مسؤولياته. وقدمت هي وبيئتها أغلى التضحيات.
فلا يحق لمن تخلف وتخلى أن يمنعها من ممارسة واجباتها ومسؤولياتها، عندما يصبح مصير كل شيء على الطاولة كما هو اليوم. فلا الخلافات القديمة تبرر ذلك. ولا النظريات المفرغة من محتواها عن السيادة ومكانة الدولة تبرر ذلك. ولا التهديدات أو الضغوطات الأجنبية تبرر ذلك.
وأن موقف المقاومة من المشاركة اليوم، ليست ضد الحكومة والدولة بل دفاعاً عنها، خصوصاً بعد تجربة 15 شهراً من عدم تطبيق الجانب الاخر التزاماته وفق القرار (1701).
الذي يقضي بالانسحاب والتوقف عن أي أعمال عدوانية. فإن لم تفعل المقاومة ذلك اليوم، حتى من دون موافقة الحكومة والمعارضين، فإن الحكومة والآخرين سيضطرون -في هذه المعركة المفصلية- أن يتركوا الساحة له، كما تركوها بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وحتى تحرير لبنان وجبهة الاسناد.
والحكومة، أي حكومة، عندما تعجز عن حل المسائل الكبرى يجب أن لا تضعف من يعرب عن إرادة حقيقية وتجربة ناجحة للتصدّي للعدوان. وهو ما فعله الجنرال "ديغول" ضد حكومة بلاده التي اختارت الانضمام إلى صفوف العدو والاستسلام لشروطه.
علماً أن حزب الله برهن أن قوته ما زالت في أحسن أحوالها. بل في رأي البعض أنها ازدادت. وأن مجريات الحرب تشير إلى مقاومة بطولية عند الحدود. أوقعت خسائر كبيرة في القوات المعتدية. وتدفع إلى تهجير المستوطنين من سكان الشمال. والذي من شأنه تكوين معادلة لإيقاف التغول الإسرائيلي في التهجير والقتل. كما منعت -لحد الآن- قوات الكيان من التقدم في القرى الجنوبية.
كما يتكلم الصهاينة، إن صواريخ حزب الله تؤذيهم بقدر ما تؤذيهم الصواريخ الإيرانية والتي وصلت إلى عُمق 120 كلم من الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة. وعلى قدرة لاستخدامها واستخدام الطائرات المسيرة بشكل لم يقل كثافة، إن لم يكن أكثر، من حرب الإسناد.
بل استخدم حزب الله مؤخراً –بحسب الأوساط الإسرائيلية- النسخة الجديدة من صاروخ "الماس 4". ومداه 25 كلم. والمصمم لاستهداف الدبابات والآليات خارج مدى الرؤية، ويمكن إطلاقه من الأرض أو من الحوامات أو حتى من طائرات مسيرة، ما يمنحه مرونة وقدرات عالية جداً. مقارنة بنسخة "الماس 1 و2 و3" ومداهم 4-10 كلم.
المقاومة العراقية: كذلك الأمر بالنسبة للمقاومة في العراق. فهذه المقاومة نمت وتوسعت في ظروف مقاومة النظام السابق. وفي ظروف الحروب التي قاد البلاد اليها، وقدمت تضحيات هائلة. ثم نمت وتطورت في مواجهة الإرهاب والاحتلال.
وكانت هي العنصر الأساس لتحقيق النصر وتوفير الأمن والاستقرار، ولقيام حكومات وطنية –ومنها الحكومة الحالية- التي عززت من قدرات البلاد، وسعت عبر السياسة لانسحاب القوات الأجنبية وتركها البلاد. ونعتقد أن مفهوم التوازن أو عدم توريط البلاد، والبقاء بمنأى عن النفس يجب أن لا يبقى موقفاً هلامياً وكلمات فارغة تجاوزتها الأحداث، وهذا الصراع الشامل الذي يقول فيه "ترامب"، إما أن نقف معه أو أن يعتبرنا ضده.
الشعب العراقي منحاز ضد العدوان وضد الكيان. وهو كان منذ أمد طويل، وهو اليوم، جزء أساسي من هذا الصراع ومنغمس فيه لأقصى الحدود.
وقد اختار الشعب -رغم كل التضحيات- الموقف الصحيح. واختار دائماً الانتماء الصحيح بالتضامن مع أشقائه في إيران وفلسطين وبقية شعوب المنطقة.
فالدفاع عن العراق يتطلب التضامن ووحدة الصف. وإن الدفاع ضد العدوان على شعوبنا العربية والإسلامية هو دفاع عن العراق. هذه هي المعادلة على الأقل منذ الحرب العراقية الإيرانية، وغزو العراق واحتلاله، وتوسع نشاطات الإرهاب لتصل "داعش" عام 2014 إلى مشارف العاصمة بغداد. والتي لم يصدها في يومها، سوى كلمة حق من المرجع الأعلى دامت بركاته، معلناً "الجهاد الكفائي"، لتنقلب الأمور رأساً على عقب لصالح الشعب والأمن.
وللتذكير فقط، فإن "صدام حسين" قد عمل في حربه الظالمة كل ما في وسعه لشن الحرب على الشعبين الإيراني والعراقي وإضعافهما. لكنه عندما ضعُف، وتعرض هو للهجوم طلب الدعم، كما تدلل رسائله للمرحوم الشيخ الرفسنجاني رضوان الله عليه، في وقتها. وهو موقف يجب أن تستذكره حكوماتنا، خصوصاً تلك التي نمت فيها لظروف قاهرة وعدائية مفروضة عليها، مقاومة حكيمة، كالمقاومتين العراقية واللبنانية، تساند حكوماتهما، وتدافع عن دولتيهما، ولا تسعى لإسقاطهما.
واجب الحكومة العراقية حماية الممثليات الدبلوماسية. لكن واجبها أيضاً منع الممثليات من استخدامها كمعسكرات حربية ومسلحة. كما أن واجب الحكومة حماية أجوائنا وساحاتنا وممراتنا وقواعدنا من استخدامها من قبل الأجنبي ضد جيراننا أو ضد مواطنينا.
فإن كنا عاجزين عن القيام بذلك، فيجب أن لا نكون ظهيراً للأجنبي في الاعتداء على مواطنينا وجيراننا. وهذا أضعف الإيمان.
وبهذه المناسبة، أعيد الفقرة النهائية من التوصية التي تضمنها خطابي المطول والذي شرح مسببات الوجود الأجنبي والحشد الشعبي واغتيال قادة النصر أمام مجلس النواب يوم 5/1/2020 والتي تنص: "التوصية التي أوصي بها كرئيس مجلس الوزراء وكقائد عام للقوات المسلحة هو الذهاب إلى الخيار الأول وهو: إنهاء وجود القوات بإجراءات عاجلة ووضع الترتيبات لذلك.
فرغم بعض الصعوبات الداخلية والخارجية التي قد تواجهنا، لكنه يبقى الأفضل للعراق مبدئياً وعملياً. بل هو أفضل لإعادة تنظيم علاقات صحية وصحيحة مع الولايات المتحدة وبقية الدول. تؤسس لصداقة أصولية متينة على أساس احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتعزيز المصالح المشتركة. فالعراق عاش من دون قوات أجنبية للفترة 2011-2014، ولم تتدهور علاقاته. لا بالولايات المتحدة ولا بأي طرف آخر. رغم أن الظروف الحالية في الصراع ضد داعش هي أفضل مما كانت عليه يومها."
- هناك جبهات كبيرة ومهمة حبلى بالمفاجآت كفلسطين واليمن وغيرهما. وهناك متغيرات ومفاجآت قد لا تكون بالضرورة لدعم إيران في الحرب. لكنها قد تكون لتفكيك مرتكزات مراكز الهيمنة و"الكيان الصهيوني" في المنطقة والعالم.
هذه التوقعات، مضافاً إليها مواقف الشعوب التحررية، وسياسات الصين وروسيا، ومن يقف معهما في هذا المحور، هي أمور حاسمة في تأكيد الخط المنتصر والصاعد لإيران ومحور المقاومة.
الحرب ليست مجرد "فزعة". بل هي قدرات استمرار، ومرونة الحركة. وهي حساب شامل، عالمي وإقليمي ووطني، للأصول والطاقات البشرية والقيادية والعسكرية والتقنية والاقتصادية والجماهيرية، الهابطة لطرف والصاعدة للطرف الآخر.
مما يدفع كله لاعتماد التقديرات الإيجابية والمتفائلة –رغم التضحيات- لمن يقف مع إيران، وهابطة ومتراجعة لمن يقف مع الولايات المتحدة و"إسرائيل"، رغم قدراتهما التدميرية.
- يتم الكلام كثيراً عن استخدام الأوضاع في الجارة الشقيقة سوريا. صحيح أن الأوضاع في سوريا باتت متشابكة ومتداخلة ويسعى الإسرائيليون والأميركيون لاستغلالها سواء ضد العراق أو لبنان أو غيرهما. لكننا نعتقد أن هذه جزء من سلسلة الخيارات الفاشلة التي بدأت بإسقاط النظام في طهران، أو استخدام حركات انفصالية. فالوضع في سوريا ما زال متداخلاً ومعقداً وفيه تناقضات كثيرة لا تمنحه قوة واستمرارية للاندفاع في مشاريع مغامرة كهذه، ليست في مصلحة النظام في سوريا أو شعبها، وليس في مصلحة قوى المنطقة. وعند بحث هذا الموضوع لا بدّ من التذكير ببعض الحقائق منها:
- أخذ الموقف التركي والمصري وجزء مهم من الخليجي بنظر الاعتبار. فسوريا تحتاج لمن يدعمها. لا أن تستخدم وقوداً لدعم المشاريع العدوانية مع بلدان الجوار.
- يخطئ من يعتقد أنه يستطيع استثمار الانقسامات المذهبية التي تم استخدامها كثيراً في السابق. فشعوب المنطقة السنية والشيعية وحتى المسيحية والعلمانية، بل وقسم يتزايد من اليهودية تقف في جمهورها الأعظم مؤيدة لفلسطين وإيران وقوى المقاومة بشكل أساس. أو على الأقل لا تقف مؤيدة للعدوان والكيان الصهيوني.
- إذا أضفنا التوازن السياسي والجغرافي والديموغرافي بالنسبة لأعداد الشيعة والسنة الأشاعرة والصوفية في غرب آسيا والمنطقة. فإن أعدادهم تفوق بعشرات المرات بكثير أعداد الغلاة والنواصب. فهناك أوهام كثيرة قد تبددت. خصوصاً منذ طوفان الأقصى والتغوّل الإسرائيلي، والغطرسة الأميركية.
- صوّت مجلس الأمن مساء 12/3/2026 على مشروع قرار قدمته البحرين لإدانة إيران ويدعوها لوقف هجماتها ضد الدول العربية.
فهل هي بداية تشكيل تحالف جديد. علماً أن التاريخ السابق كان منذ حرب الخليج الأولى وقبلها، هو تحالف فعال وشديد بين دول الخليج والدول الغربية والولايات المتحدة والكيان الصهيوني. ذلك التحالف لم يضعف إيران أو التيارات الصاعدة في الأمة. بل فكك جبهة الأعداء لا غير.
لهذا يصح التساؤل، إن كانت هذه محاولة للنزول من الشجرة. فسيستطيع ترامب الادعاء أنه حقق كل أهدافه، بما في ذلك الحصول على قرار دولي بإدانة إيران، والسعي لوقف إطلاق النار.
فما يهمنا هنا ليست هذه المهازل الجديدة/القديمة، فلقد اعتدنا عليها. ما يهمنا هو موقف الصين وروسيا. فقد يبدو لكثيرين أنهما خذلتا إيران في هذا التصويت. وأعتقد –وقد أكون مخطئاً- أن الأمر ليس بهذه الشاكلة. صحيح أن مصالح البلدين التجارية مع بلدان الخليج أعظم من مصالحهما مع إيران. لكن الصحيح أيضاً من نظرهما أن استخدام حق النقض لن يغيّر من حقيقة أن غالبية الدول في مجلس الأمن أرادت إصدار هذا القرار.
وإن خلافي مع وجهة النظر السائدة لفهم الموضوع ينطلق من متابعة أحداث الجلسة. فقبل المشروع الذي تقدمت به البحرين، طرح الروس مشروع قرار لوقف الأعمال القتالية من دون ذكر الأطراف. لكن المندوب الأميركي استخدم ضده حق النقض.
ولم يحصل القرار سوى على 4 أصوات من مجلس الأمن. وكان واضحاً من أجواء الجلسة أن حالة من الاشتباك كانت تدور بين روسيا والصين من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى. وأن تقدير البلدين هو أن أميركا استطاعت استغلال جلسة مجلس الأمن التي تترأسها الولايات المتحدة، موظفة شكوى الدول حيث توجد قواعدها العسكرية فيها.
وأنها مصممة على اتخاذ قرار يضمن يقيناً الحصول على أغلبية ساحقة فيها. وأن روسيا والصين قد لا تريان فائدة من استخدام الفيتو ما دام القرار لا يجري تحت أحكام الفصل السابع. ولا أثر عملياتياً له سوى الأثر الإعلامي والسياسي، المتحقق أصلاً بدلالة تصويت الأغلبية إلى جانب القرار.
فهما ليستا بصدد الدخول في معركة مع الدول العربية والخليجية نفسها. إذ مهما بلغت الحسابات الذاتية، وفي ظل المستوى الذي وصله الصراع اليوم عالمياً، يصعب تصور أن حسابات الموازين التجارية تتقدم على حسابات الموازين الاستراتيجية.
مصالح إيران وكل من روسيا والصين ليستا بالضرورة تتطابقان في كل شيء، أو في كل المواقف، لكنها مصالح مشتركة استراتيجية عالية المستوى.
تقدّمت إلى حد الآن وخلال سنوات طويلة، وراكمت من المكاسب ما ستعجز عن تغيير مساراته، جلسة "مسروقة" لمجلس الأمن. وستتقدم هذه المكاسب أكثر فأكثر في المستقبل لتغرق في طياتها الكثير من العقبات والحسابات المرحلية المختلفة. فالأفعال العدائية لنظام الهيمنة العالمي والصهيونية لا تترك مجالاً لجبهة "بركس" و"شنغهاي" وغيرهما، إلا للوقوف صفاً واحداً. حيث الجميع مستهدف. ولقد برهنت هذه الجبهة أنها تتحرك بحسابات استراتيجية متكاملة، بينما الجبهة الأخرى منفعلة، وتتبنى سياسات تنهار خلال فترات قصيرة.
ولاستكشاف الجو المشتبك في جلسة مجلس الأمن المشار إليها، يكفي العودة لموقع الأمم المتحدة لتحليل تصريحات مندوبي روسيا والصين. يقول مندوب روسيا "فاسيلي نيبنيزيا": "إن مشروع القرار صيغ بطريقة متحيزة وأحادية الجانب" وإن "واشنطن بقرارها ضد إيران وضعت دول الخليج في مرمى النيران".
ويصرح المندوب الصيني "فو تسونغ" أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" و"من دون إذن من مجلس الأمن وفي خضم مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، أطلقتا هجمات عسكرية ضد إيران. بما ينتهك بشكل واضح مبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة والأعراف الأممية التي تحكم العلاقات الدولية".
وشدد –بحسب التقرير- على "أهمية أن تتوقف الولايات المتحدة و"إسرائيل" عن الأعمال العسكرية. وفي الوقت نفسه أهمية الاحترام الكامل لسيادة وأمن وسلامة منطقة الخليج. وأن تتوقف الهجمات الإيرانية العشوائية على المدنيين الأبرياء، والأهداف غير العسكرية. وأن مشروع القرار لا يعكس الأسباب الجذرية والصورة الأشمل للنزاع بشكل متوازن.
وأن المقترحات التي قدمتها الصين لم تُؤخذ بعين الاعتبار. ومن يعرف دقة الصينيين في صياغة بياناتهم سيتسنى له قراءة معاني الكلمات الحقيقية. فالموضوع أعمق مما تطرحه بعض الأسئلة المتسرعة".
القسم الثاني:
القواعد والوجود العسكري أسوأ من الاحتلال
أثارت الحرب مع الجمهورية الإسلامية التي اندلعت في 28 شباط/فبراير 2026 نقاشات حادّة بين مفاهيم السيادة ووجود القواعد الأجنبية واستخدام واشنطن لها لمهاجمة الجمهورية الإسلامية. وبديهياً أنه كلما تكلّمنا عن القواعد الأميركية أو المصالح الأميركية فإنّ الأمر سيشمل بالتالي الكيان الصهيوني، وكلّ مصالحه وأهدافه وسياساته. لذلك وجب علينا مناقشة هذا الأمر، بعيداً عن المفاهيم المسطّحة والمفردات الجوفاء.
ولا بدّ قبل كلّ شيء من وضع الإطار القانوني الدولي لثلاثة عناصر تحدّدها القوانين والأعراف الدولية، ومنها:
1- حقّ الشعوب في مقاومة العدوان والاحتلال.
2- حدود استخدام أراضي دولة لمهاجمة دولة أخرى. وحقّها بالاعتداء على الآخرين لمبرّرات تقرّرها هي، وليس لها أساس أو اعتراف قانوني دولي.
3- مسؤولية الدولة المضيفة للقواعد الأجنبية، أمام شعبها والقانون الدولي والدول التي تتعرّض للأذى بسببها.
ارتأينا، ابتداءً وضع جدول يهيّئ القارئ الكريم للمادة المطروحة. إذ مع كلّ ما يمثّله الاحتلال من إجرام، لكنّ الوجود الأجنبي والقواعد العسكرية يبقيان أقسى منه.
-
مقارنة تبيّن أنّ الوجود الأجنبي والقواعد العسكرية أقسى من الاحتلال.
فلندخل عميقاً في الموضوع.
أولاً: ما هو الوضع القانوني والقضائي والسيادي للقواعد والوجود العسكري؟
1- الوضع القانوني: أساسه اتفاقيات ثنائية.
لا يقوم الوجود العسكري الأميركي في دولنا على الاحتلال، بل يستند بشكل أساسي إلى اتفاقيات وتعاون أمني ثنائي بين الولايات المتحدة والدولة المضيفة. هذه الاتفاقيات تمنح القوات الأميركية "تسهيلات واسعة" تشمل حقّ استخدام المجال الجوي والموانئ والمطارات، وتخزين الأسلحة، وإجراء المناورات المشتركة. وشنّ الحملات العسكرية خارج نطاق الدول. والحرب الأخيرة مع إيران، ليست الأولى.
هذه الاتفاقيات تجعل الوجود القانوني رهناً لشروط قد لا يتمّ الكشف عن تفاصيلها الكاملة للعلن.
2- الوضع القضائي: منطقة رمادية بين القانونيين: الوضع القضائي هو أكثر الجوانب تعقيداً وإثارة للجدل، وغالباً ما تكتنفه السرية.
3- الحصانة القضائية: عادةً ما تتضمّن الاتفاقيات الثنائية بنوداً تمنح القوات الأميركية درجة من الحصانة من الملاحقة القضائية المحلية. هذا يعني أنّ أفراد الجيش الأميركي إذا ارتكبوا جرائم أثناء وجودهم في الدولة المضيفة، فهم يخضعون للقانون العسكري الأميركي وليس للقانون المحلي للدولة التي يوجدون فيها. وهذه ثلمة مهمة في سيادة الدولة المضيفة.
4- قانون أميركي داخلي: من الجانب الأميركي، هناك قوانين مثل "قانون القواعد العسكرية" (Defense Base Act) الصادر عام 1941 والذي ينظّم شؤوناً مثل تعويضات العمال المدنيين المتعاقدين مع الحكومة الأميركية في هذه القواعد، لكن هذا لا يتعلّق بالجرائم الجنائية . مما يثير تساؤلات حول المساءلة والعدالة.
5- الوضع السيادي: إشكالية "السيادة المستأجرة":
6- الجانب السيادي هو الأكثر إثارة للجدل على المستوى السياسي والوطني والجماهيري. فبينما يُدّعى أنّ هذه القواعد توفّر غطاءً أمنياً للدول المضيفة، فإنها تطرح تساؤلات جوهرية حول استقلالية القرار الوطني. يمكن النظر لهذا الموضوع من خلال عدة زوايا.
7- تأمين المصالح الأميركية أولاً: الهدف الأساسي لهذه القواعد هو تأمين المصالح الأميركية في المنطقة، مثل حماية النفوذ والموارد وشبكات النقل، وليس بالضرورة الدفاع عن الدولة المضيفة . فالقواعد تُستخدم لشنّ حروب أو عمليات عسكرية قد لا تكون في مصلحة الدولة المضيفة، أو حتى على خلاف مع سياستها المعلنة.
8- التبعيّة في القرار: أنّ وجود هذه القواعد يجعل الدول العربية "ترهن حقوق السيادة للقوى الخارجية"، حيث يصبح قرار الحرب والسلم مرتبطاً باستراتيجية واشنطن، وبالطبع "إسرائيل". فعلى سبيل المثال، تُستخدم قاعدة "العديد" في قطر لإدارة عمليات عسكرية في المنطقة والعالم، مما يضع الدولة المضيفة في موقف حساس.
9- التطور التاريخي للوجود: تحوّل الوجود الأميركي من "تسهيلات مؤقتة" بعد حرب الخليج الثانية (1991) إلى "انتشار دائم". وفي 5/8/1990، وفي مكالمة هاتفية بين جورج بوش الأب، والملك فهد بن عبد العزيز، شدد الرئيس الأميركي على أنّ دخول القوات الأميركية إلى المنطقة سيكون طويلاً بل مستداماً، وأنّ على المملكة أن تتفهّم هذا الوجود الطويل.
10- هذا التطوّر جعل هذه القواعد حقيقة واقعة ونقطة ارتكاز أساسية في أي صراع إقليمي، كما حدث بعد 7 أكتوبر 2023 عندما عززت واشنطن و"الناتو" وجودها بشكل كبير لدعم "إسرائيل".
ما هو وضع هذه القواعد؟ هل هي تحت نظام "سوفا"؟ حيث الولاية القضائية والسيادية داخل القاعدة، وفي حركة القوات بيد الأجنبي؟
تخضع هذه القواعد لاتفاقيات وضع القوات (SOFA-Status of Forces Agreement) الـ"سوفا". وهي بالفعل الآلية القانونية التي تحوّل الوجود العسكري من مجرّد وجود "مؤقت" أو "تعاوني" إلى وضع استثنائي دائم.
ثلاث نقاط أساسية:
1- ما هي اتفاقية "سوفا" SOFA تحديداً:
هي عقود ثنائية تبرمها الولايات المتحدة مع الدولة المضيفة. إنها تنظيم وضع حركة القوات والجنود الأميركيين في البلد المضيف.
أ- السيادة القضائية مسلوبة: الجرائم الجنائية التي يرتكبها الجندي الأميركي خارج أو داخل القاعدة، وأثناء تأديته لواجبه الرسمي، تخضع حصرياً للقانون العسكري الأميركي، وليس للقضاء المحلي.
ب- السيادة الوطنية: عدم جواز الدخول، فالسيادة الوطنية لا تمتدّ إلى داخل القاعدة. لا يستطيع أيّ مسؤول محلي، ومنهم رئيس الدولة المضيفة، دخول القاعدة من دون تصريح مسبق من القائد الأميركي. فالقاعدة أرض أميركية بحكم القانون العرفي المستند لهذه الاتفاقية.
ج- الاستقلال عن الفضاء الوطني: القاعدة تتعامل مع الأقمار الاصطناعية والفضاء الخارجي والملاحة الجوية ولوجستيكيات الحرب في المنطقة والعالم بشكل مستقل تماماً عن برج المراقبة المدني في الدولة المضيفة. كما أنها غير مرغمة على التشاور مع الدولة المضيفة. فهي "دولة داخل دولة" في كل ما يتعلق بالعمليات العسكرية والتقنية والسوقية والاستخباراتية والتكتيكية، إلخ.
2- المقارنة بين "السوفا" وحصانة الممثليّات الدبلوماسية Extraterritoriality:
تتعدّى امتيازات وحصانات "السوفا" بمراحل شاسعة امتيازات وحصانات الممثليّات الدبلوماسية، من حيث الحجم والصلاحيات، وليس فقط من حيث المبدأ:
-
المقارنة بين "السوفا" وحصانة الممثليّات الدبلوماسية.
إذاً، الفرق ليس كمّياً فقط (مساحة أكبر)، بل نوعي. القاعدة العسكرية ليست مجرد مبنى محصّن؛ إنها منصة انطلاق للحرب. عندما تُشن غارة جوية من قاعدة "العديد" في قطر، فإن الدولة المضيفة (قطر) لا تملك حق الاعتراض، أو حتى المراقبة الفعلية. وقد تجد نفسها متهمة سياسياً أو شعبياً بعملية لم تشارك في قرارها.
1- إذاً ليست احتلالاً للبلاد، فماذا هي؟ مما يطرح إشكالية "الاحتلال الوظيفي".
فإذا لم تكن احتلالاً للبلاد، حيث بقي الحكم المحلي وسيادة الدولة اسمياً، فماذا نسميها؟ المصطلح الأدق هو "احتلال للجغرافيا الوظيفية" أو "السيادة المستأجرة"، وذلك للأسباب الآتية:
أ- احتلال للقرار السيادي: وجود هذه القاعدة العسكرية يخلق "فيتو أميركياً" ضمنياً على أي قرار وطني قد يهدّد أمن القاعدة أو عملياتها.
ب- قيد على التحالفات: يمنع الدولة المضيفة من التحالف العسكري مع قوى أخرى مخالفة أو معادية لأميركا، لأنّ ذلك سيهدّد اللوجستيات الأميركية.
ت- انتهاك للخصوصية: فالقاعدة العسكرية تراقب الفضاء الخارجي والمجال الجوي للدولة المضيفة لصالح واشنطن، وليس لصالح الدولة نفسها .
هذا النوع من اتفاقيات الـ"سوفا" (SOFA) يخلق وضعاً "فوق سيادي" للقوات الأميركية. لا يمكن وصفه بالاحتلال العسكري الكلاسيكي، لأنّ الدولة لم تُغزَ. ولكنه بلا شك احتلال للسيادة. حيث يتم تفريغ السيادة الوطنية من مضمونها الفعلي على رقعة محددة من الأرض، لكن بصلاحيات مطلقة على مجمل الفضاءات. فالصلاحيات هنا تتجاوز بكثير ما هو متاح لأيّ سفارة.
ثالثاً : لماذا الوجود الأجنبي أخطر من الاحتلال وأخطر من سوفا. (مثال العراق)
1- النموذج العراقي: الوجود من دون اتفاقية (ما بعد سوفا)
فبعد الانسحاب الأميركي المعلن عام 2011، لم تكن هناك اتفاقية "سوفا" رسمية. لكن مع ظهور "داعش" عام 2014، وجدت الولايات المتحدة مدخلاً جديداً:
أ- كسبت "الشرعية" عبر الطلب الرسمي العراقي من الأمم المتحدة، وبالتالي التحالف الدولي للمساعدة. فأصبح هذا الطلب (وهو رسالة من وزير الخارجية) الغطاء القانوني والسياسي للوجود. وما عدا ذلك تلاعب بالكلمات والمصطلحات.
ب- غياب التنظيم القانوني: لم تحدّد أية وثيقة رسمية ملزمة وضع القوات الأميركية. العرف الذي نشأ هو أنّ كل ما تفعله أميركا "ضروري لمحاربة الإرهاب". لكن أساسه وجوهره بقي موجّهاً ضد إيران ومحور المقاومة في الحقيقة.
ج- النتيجة: طبّقت القوات الأميركية قوانينها بشكل كامل، واستخدمت القواعد العراقية كنقطة انطلاق لعمليات معادية خارج وداخل العراق ومنها، استهداف قادة النصر 2020، واغتيال الشهيدين المهندس وسليماني وإخوانهما رحمهم الله).
د- وهذا ما يمكن تسميته (احتلال فعلي مخدوعاً بمنفعة وطنية وهمية)، حيث الوجود لا يُبرّر بمعاهدة أو اتفاقية، بل بإظهار وكأنّ هناك حاجة أمنية للدولة المضيفة. فإن برزت اعتراضات على هذا الوجود. فالتهديد بالعقوبات والاغتيالات وقس على ذلك.
2- لماذا الوجود العسكري الأجنبي، قد يكون "أقسى من الاحتلال الحقيقي"؟ وأقسى من الـ"سوفا": فآلية التبعية تتجه من الخضوع العسكري للاحتلال إلى الخضوع الشامل للوجود. فالأمر يتجاوز البعد العسكري ليشمل بنية الدولة بأكملها. وعندما تستضيف دولة ما قاعدة كبرى (مثل العديد في قطر أو الأسطول الخامس في البحرين)، فإنّ التبعيّة لا تتوقّف عند حدود القاعدة:
أ- التبعية الاقتصادية: عقود التسليح الأميركية الضخمة، والاستثمارات المتبادلة، تجعل الاقتصاد الوطني مرتبطاً باستمرار هذه العلاقة. فبلغت برامج المبيعات الأميركية FMS للسلاح الأميركي للعراق في 2016 و2017 ولغاية تشرين الأول/أكتوبر 2018، 12.8 مليار دولار. وكلها عقود إذعان مدفوعة الأثمان مسبقاً ويسودها الفساد المطلق.
ب- التبعية السياسية: لا يمكن للدولة المضيفة اتخاذ قرار كلي (مثل التطبيع مع محور آخر أو حتى إدانة سياسة أميركية) من دون المخاطرة بعلاقتها الاستراتيجية.
ج- التبعية الأمنية: أنظمة الدفاع الجوي والإنذار المبكر تصبح مرتبطة بالمنظومة الأميركية، مما يعني أنّ أي تهديد للدولة يحتاج موافقة أميركية للتصدّي له.
3- "الدولة الحامية" (أميركا) التي تتحوّل إلى "دولة محمية".
أ- لنأخذ ما حدث بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 كمثال.
عندما اندلعت الحرب في غزة، وجدت القواعد الأميركية في العراق وسوريا نفسها في مرمى النار. لكن ماذا حدث؟ العراق وجد نفسه ورقة في صراع لم يختره: القواعد على أرضه أصبحت أهدافاً مشروعة للمقاومة المسلحة، وهو يتحمّل العواقب الأمنية والسياسية.
ب- انكشاف السيادة العراقية: الحكومة العراقية لم تكن قادرة على إجبار أميركا على مغادرة القواعد، ولا قادرة على منع المقاومة من استهدافها.
ج- عدم حماية القواعد للعراق: الوجود الأميركي لم يمنع انتشار المنظّمات الإرهابية، بل زاد تعقيد المشهد الأمني.
ففي النهاية القواعد موجودة لخدمة المصالح الأميركية الإقليمية (في هذه الحالة حماية إسرائيل ومهاجمة إيران)، وليس لخدمة أمن الدولة المضيفة. بل على العكس، قد تجرّ الدولة المضيفة إلى صراعات ليست طرفاً فيها.
د- السيادة المستباحة بصمت: إذاً نحن أمام اختراق غير شرعي لمفهوم السيادة في النظام الدولي المعاصر. لم تعد السيادة تعني السيطرة الكاملة على الأرض، بل أصبحت تعني مجرّد القدرة على "إدارة" العلاقة مع القوى الكبرى.
والدول التي تستضيف قواعد أميركية تدفع ثمن هذه السيادة الشكلية بفقدان السيطرة الفعلية على قرارها الوطني. إذاً بقدر ما ترضي الولايات المتحدة فأنت دولة سيتمّ التعامل معك سياسياً وإعلامياً ومفاهيمياً كدولة ذات سيادة. وبعكسه إذا قاومت ذلك، فأنت ذراع أو أداة لقوى أخرى تعاديها "إسرائيل" وأميركا.
رابعاً: سيادتنا بيد أميركا، وأميركا هي البلد الوحيد الذي لا يخضع لسيادة أممية:
1- الأساس الدستوري الأميركي: السيادة أولاً. فهناك جذور عميقة في الفقه الدستوري الأميركي تؤكّد مبدأ راسخاً مفاده أنّ الدستور الأميركي هو القانون الأعلى للبلاد، ولا يجوز لأيّ معاهدة أو التزام دولي أن يتجاوزه.
هذا المبدأ تجسّد بوضوح في قضية Reid v. Covert الأميركية التي قتلت زوجها في بريطانيا. حيث قضت المحكمة الاتحادية الأميركية العليا في عام 1957 بأنه: "لا يمكن لاتفاقية مع دولة أجنبية، أن يمنح السلطة للكونغرس أو أي فرع للحكومة، أن ينزع حقّ المواطنين الأميركيين المدنيين خارج الولايات المتحدة من حقهم بموجب التعديل الخامس والسادس من الدستور"، الذي يتضمّن الحماية القانونية الأميركية للمتهمين.
بمعنى آخر، حتى لو وقّعت أميركا على معاهدة دولية، فهي توقّعها مع احتفاظها الكامل بحقّها في تفسيرها وتطبيقها بما يتوافق مع الدستور الأميركي، وليس العكس. هذا يفسّر لماذا يمكن لأميركا الانسحاب من منظمات أو معاهدات، إذا رأت أنها تتعارض مع مصلحتها الوطنية.
2- الحصانة القضائية: لا سلطة أجنبية على العسكري الأميركي: هذا المبدأ الدستوري يترجم عملياً ما تستلزمه اتفاقيات الـ"سوفا". هناك إصرار أميركي تاريخي على عدم خضوع الأفراد العسكريين الأميركيين لأيّ سلطة قضائية خارجية.
- نقاشات مجلس الشيوخ 1953: عندما عُرضت اتفاقية "سوفا" مع حلف الناتو على مجلس الشيوخ، أثيرت انتقادات قوية بأنّ أميركا تسمح بممارسة الولاية القضائية الأجنبية على جنودها. الرئيس أيزنهاور تدخّل شخصياً لتهدئة الموقف، لكنّ المبدأ بقي: الهدف هو "توفير أقصى حماية قانونية للقوات الأميركية في الخارج" .
- إصدار قانون حماية أفراد الخدمة الأميركية (ASPA) عام 2002، والذي سمّي بـ "قانون غزو لاهاي" لحماية أفراد الجيش الأميركي وغيرهم من المسؤولين المنتخبين والمقيمين في حكومة الولايات المتحدة ضدّ الملاحقة الجنائية من محكمة جنائية لا تكون الولايات المتحدة طرفاً فيها.
- في 6 شباط/فبراير 1925 أصدر الرئيس الأميركي أمراً تنفيذياً يفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية ومدّعيها العامّ، لإصدار مذكرات ضد المسؤولين الإسرائيليين.
- سحبت الولايات المتحدة توقيعها على نظام روما الأساس عام 2002. وامتنعت عن الانتماء للمحكمة الجنائية الدولية المسؤولة عن الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والعدوان.
- ضغطت الحكومة الأميركية على العراق من خلال تشريعات مثل "قانون حماية أعضاء الخدمة الأميركية" لعام 2002، والتهديد بقطع المساعدات العسكرية والمالية، والضغط السياسي عبر الاتفاقيات الأمنية لضمان حصانة جنودها من الملاحقة القضائية. وكانت الحكومة العراقية في 2005 قد وقّعت بالأحرف الأولى على اتفاقية روما، لكنها سحبت التوقيع لاحقاً. بضغط أميركي بحجة أنّ التوقيع سيرغمهم على تسليم صدام حسين إلى المحكمة الدولية، ليحاكموا فيها، كما حصل مع المسؤوليين اليوغسلافيين والأفارقة السابقين.
خامساً: العلاقة مع الأمم المتحدة: "قوة القانون" أم "قانون القوة"
1- الفيتو أو الانسحاب يتجلّى بوضوح في علاقة أميركا بالأمم المتحدة. إذ صرّح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في كانون الثاني/يناير 2026 بأنّ: "الولايات المتحدة تعتقد أنها تستطيع التصرّف من دون عقاب، وهي مقتنعة بوضوح بأنّ قوتها أهمّ من القانون الدولي. قوة القانون يتمّ استبدالها بقانون القوة"
2- هذا ليس مجرّد رأي سياسي، بل وصف دقيق لآلية العمل:
أ- استخدام الفيتو: أميركا تستخدم حقّ النقض (الفيتو) في مجلس الأمن ليس فقط لحماية مصالحها، بل لحماية حلفائها (مثل إسرائيل) من أيّ قرارات دولية.
ب- الانسحاب من المنظمات: عندما تشعر أنّ منظمة دولية تعارض سياساتها، تنسحب أو توقف تمويلها (مثل الانسحاب من اليونسكو ومنظمة الصحة العالمية في فترات سابقة، أو تهديدات متكررة تجاه الأمم المتحدة نفسها) .
ج- تجاهل قرارات محكمة العدل الدولية: هناك سوابق عديدة تجاهلت فيها أميركا قرارات محكمة العدل الدولية (مثل قضية الأنشطة العسكرية في نيكاراغوا 1986). وفرضت عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية بسبب مذكرات إلقاء القبض على المسؤولين الإسرائيليين بسبب جرائم الإبادة التي ارتكبوها في غزة مؤخراً، وقس على ذلك.
3- التلاعب بالحصانة التي منحتها للأمم المتحدة. فهي تستخدم سيادتها للتضييق على الدبلوماسيين، وعلى منحهم سمات الدخول، وغيرها من أمور.
سادساً: "الاستثنائية الأميركية": الإطار الفلسفي
تندرج "الاستثنائية الأميركية" (American Exceptionalism) وبالتالي الإسرائيلية، كفكرة أساسية في عالم اليوم. إن لم نفهمها فلن نفهم لا السياسات الوطنية ولا السياسات الدولية. فأميركا ليست دولة عادية، بل دولة علوية على الجميع، فريدة تدّعي أنّ لها رسالة عالمية، وبالتالي لا يمكنها أن تخضع للقواعد نفسها التي تخضع لها الدول الأخرى. وأنّ "اسرائيل" دولة تلموذية أعطتها التوراة حقوقاً خاصة عليا، تقف أسمى وأعلى من أيّ مفهوم سيادي أو قانوني أو أممي أو عرفي معروف.
وهذا المفهوم له وجهان:
1- الوجه التقليدي: ثقة الأميركيين في أنّ المؤسسات الديمقراطية الأميركية عالمية وجذابة.
2- الوجه العملي: الاعتقاد بأنّ القوة الاستثنائية تمنح ترخيصاً أخلاقياً استثنائياً، وبالتالي لا داعي للإجابة عن القواعد التي ساعدت أميركا في خلقها.
والخلاصة: سيادة بلا قيود
1- لا تقبل سلطة فوقها: لا قضائية (محكمة جنائية دولية)، لا سياسية (مجلس الأمن إذا عارضها)، لا قانونية (قانون دولي يتجاوز دستورها).
2- تستخدم المؤسسات الدولية عندما تخدم مصلحتها، وتنسحب أو تعطلّها عندما تعارضها.
3- تمارس سيادة مطلقة على قواتها أينما كانت، وهذا ما يفسّر إصرارها على بنود الحصانة الكاملة في اتفاقيات "سوفا". أو التلاعب لتمرير وجودها غير المشروع عبر أغطية تستغل فيها ضعف المسؤولين المحليين والتلاعب بالمفردات، ولنا في العراق تجربة طويلة من هذه المراوغات والضغوطات.
هذا بالضبط ما يجعل الوجود العسكري ووجود القواعد الأميركية في الدول العربية "أقسى من الاحتلال". لأنّ أميركا تتعامل مع هذه القواعد كجزر سيادية أميركية داخل الدول المضيفة، مستندة إلى فلسفة دستورية وقانونية "أميركية متفرّدة استثنائية" ترفض أيّ شكل من أشكال الخضوع لقوانين دولية، أو لسلطة أممية دولية، أو لاتفاقات ومعاهدات متكافئة وندية.