صوتٌ لا يغيّبه الاستشهاد: إرث حسن نصر الله وتحوّلات المواجهة
الحزن على رحيل السيد نصر الله ليس مجرد عاطفة شخصية، وليس متعلقاً فقط بالبعد الديني والروحي لفكرة الشهادة، بل هو حزنٌ على خسارة سياسية ومعنوية وعسكرية حقيقية.
-
السيد حسن نصرالله.. ثقافة الشهادة ومأساة الفقد الإنساني.
هناك رحيلٌ يمرّ على التاريخ كحدث عابر، وهناك رحيلٌ يغيّر شيئاً جذرياً في مساره. وكان استشهاد الأمين العام السابق لحزب الله، السيد حسن نصر الله، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من جمهور المقاومة، من النوع الثاني.
لذا فإن استحضار هذه الذكرى لا يُعدّ مجرّد تأبين لزعيم سياسي أو قائد عسكري، بل هو وقفة أمام شخصية ارتبطت حياتها لعقود طويلة بمواجهة "إسرائيل" والمشروع الأميركي في المنطقة، حتى أصبح صوته نفسه جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة المقاومة ووجدانها.
لقد ارتبط السيد حسن في وجدان الملايين بمحطات أساسية لا يمكن محوها؛ منذ سنوات المقاومة الأولى، ثم لحظة الانتصار التاريخي بتحرير جنوب لبنان عام 2000، مروراً بالصمود الاستراتيجي في حرب يوليو/تموز 2006، وصولاً إلى معركة "إسناد غزة" التي انطلقت في ٨ أكتوبر/تشرين الأول 2023، أي بعد يوم واحد فقط من عملية طوفان الأقصى.
في كل تلك المحطات، كان نصر الله حاضراً، ليس فقط كقائد يدير المعارك، بل كقوة قائمة بذاتها، تلتف حوله الجماهير وتنتظر كلماته التي أسست لـ"معادلات الردع" وأعادت إلى الجماهير العربية إحساسها مجدداً بالكرامة.
ولذلك، من حق جمهور المقاومة أن يشعر بفقدان ما هو أكبر بكثير من شخص؛ لقد فقدوا صوتاً كان يحمل في نبرته معنى المقاومة ذاته.
ثقافة الشهادة ومأساة الفقد الإنساني
إن الحزن على رحيل السيد نصر الله ليس مجرد عاطفة شخصية، وليس متعلقاً فقط بالبعد الديني والروحي لفكرة الشهادة، بل هو حزنٌ على خسارة سياسية ومعنوية وعسكرية حقيقية.
فالسيد حسن لم يكن قائداً يعيش خارج معنى الشهادة، بل كان ينظر إليها كغاية عظيمة لمن اختار هذا الطريق. لقد سبقه ابنه هادي نصر الله شهيداً، وسبقه آلاف الشهداء من المقاومة اللبنانية والفلسطينية، وفي طليعتهم الأمين العام السابق عباس الموسوي عام 1992، والقائد البارز عماد مغنية عام 2008.
بالتالي، فإن استشهاده كان التحاقاً بركب هؤلاء الشهداء، كالصديق الذي يلحق بأصدقائه؛ والشهادة من هذا المنظور ليست هزيمة ولا نهاية. لكن الإيمان بعظمة الشهادة لا يعني أبداً أن الإنسان لا يتألّم، ولا يعني أن فقدان قائد بهذا الحجم يصبح أمراً يسهل تجاوزه.
فداحة اللحظة
لقد جاءت خسارة نصر الله في لحظة بالغة الحساسية والقسوة. فاستشهاده لم يكن حادثاً منفصلاً عن تاريخ طويل من الاستهداف؛ إذ تعرضت البنية القيادية لحزب الله في عام 2024 لسلسلة اغتيالات طالت قادة كباراً مثل فؤاد شكر، وإبراهيم عقيل، وإبراهيم قبيسي وغيرهم. وبحلول لحظة اغتيال نصر الله، كانت "إسرائيل" قد وجهت ضربة شديدة إلى الهيكل القيادي والعسكري للحزب.
وهنا تبرز الأهمية التاريخية لخطابه الأخير في 19 سبتمبر/أيلول 2024. جاء هذا الخطاب عقب تفجيرات أجهزة الاتصال (البيجر واللاسلكي) في لبنان يومي 17 و18 سبتمبر، وهي العملية التي أسفرت عن استشهاد قرابة الأربعين شخصاً وإصابة أكثر من 2900 آخرين.
في ذلك اليوم، لم يتحدث نصر الله عن الأمر باعتباره مجرد ضربة أمنية، بل كشف أن "إسرائيل" استهدفت نحو 4000 جهاز بيجر و 1000 جهاز لاسلكي، وأنها كانت تسعى لقتل نحو 5000 شخص في يومين. لكن القدر لعب دوراً في تقليل حجم الخسائر، لأن عدداً كبيراً من الأجهزة كان مغلقاً أو بعيداً عن أصحابها؛ إلا أن الرجل بدا متأثراً، وكان واضحاً أن العملية تركت أثراً بالغاً فيه.
لكنه، وسط هذا الجرح، حدد بوصلة المعركة بوضوح قاطع: "إسرائيل" تريد من حزب الله أن يوقف جبهة الإسناد لغزة، وأن تتوقف الصواريخ الموجهة إلى مستوطنات شمال "إسرائيل"، حتى يعود النازحون الإسرائيليون إلى مساكنهم، لكن الحزب لن يوقفها ما دام العدوان على قطاع غزة مستمراً.
كانت هذه النقطة جوهرية؛ فالمعركة بالنسبة إليه لم تكن حرباً منفصلة، بل جبهة للضغط ورفضاً للتسويات المجتزأة. وبعد ثمانية أيام فقط من ذلك الخطاب المفصلي، نجحت "إسرائيل" في اغتياله.
سقوط السرديات وحقائق المواجهة
عملية الاغتيال بحدّ ذاتها أسقطت سنوات من تنظيرات وسرديات روّجت لها بعض المنصات الإعلامية الخليجية، والتي كانت تتساءل مراراً: "لماذا لا تغتال إسرائيل حسن نصر الله؟"، ووصل الأمر ببعضهم إلى الادعاء بأن حكومة الاحتلال تتعمد غض الطرف عنه. لكن الحقيقة أن "جيش" الاحتلال عندما سنحت له الفرصة، اغتاله بلا تردد.
هذه الواقعة وحدها كافية لإعادة النظر في تلك التفسيرات السطحيّة. ففشل "إسرائيل" سابقاً في اغتياله لا يعني أنها كانت "تحميه"، ونجاحها أخيراً لا ينبغي أن يتحول إلى مادة للشماتة أو إلى اختزال تاريخ المقاومة في فشل أمني واحد.
الحرب ليست بهذه البساطة؛ لقد نجحت "تل أبيب" في إحداث اختراق أمني، وهذا أمر لا يمكن إنكاره، لكن تاريخ الصراع يثبت أن محاولات تصفية القادة هي جزء أصيل من المعركة، تنجح أحياناً وتفشل أحياناً أخرى.
ما بعد الغياب: تداعيات إقليمية
أما الأهم، فهو ما ترتب على هذا الغياب الإقليمي المدوي. ففي لبنان، تعرضت المقاومة لضربة كبيرة انتهت إلى اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، والذي بموجبه عاد عشرات الآلاف من السكان إلى مناطقهم على جانبي الحدود. لكن القصة لم تنتهِ هنا.
فعندما اندلعت الحرب مجدداً في مارس/آذار 2026، عقب الهجوم الإسرائيلي والأميركي على إيران ومقتل المرشد الأعلى الإيراني السيد علي خامنئي، عاد حزب الله إلى إطلاق الصواريخ.
ووجد المستوطنون الإسرائيليون الذين ظنوا أن الحرب انتهت في 2024، أنفسهم تحت النيران مجدداً. في كريات شمونة، على سبيل المثال، اضطر العائدون لمواجهة صفارات الإنذار مرة أخرى. حملت هذه الجولة رسالة واضحة لجمهور المقاومة: حزب الله، رغم كل الضربات واغتيال قيادته وتدمير أجزاء واسعة من بنيته، لم ينتهِ، بل عاد ليقاتل في لحظة إقليمية شديدة الانفجار.
لكن، ورغم هذا الصمود العسكري، ظلت خسارة السيد حسن حاضرة ومؤلمة؛ فقد أثر غيابه على المعنويات وصورة المقاومة وقدرتها على مخاطبة جمهورها بذلك الصوت المطمئن.
وجاء هذا الغياب في سياق جيوسياسي عاصف شهد تحولات دراماتيكية؛ كسقوط نظام بشار الأسد في سوريا بنهاية عام ٢٠٢٤، والذي أدى إلى تراجع أحد أهم الممرات الاستراتيجية لمحور المقاومة.
وفي غزة، أدى تراجع زخم الجبهة اللبنانية إلى منح "إسرائيل" مساحة أكبر للاستفراد بالقطاع، وسط ضغوط سياسية وعسكرية هائلة على الفصائل الفلسطينية للقبول بتسويات تمس سلاح المقاومة، وهو ما اعتُبر محاولة لتصفيتها تدريجياً. وتزامن ذلك مع التجرؤ الإسرائيلي المطلق الذي قاد إلى الحرب المباشرة مع إيران في يونيو/حزيران 2025، ثم لاحقاً في 2026.
هل حدث كل هذا الانهيار الإقليمي بسبب اغتيال حسن نصر الله وحده؟ لا نبالغ كثيراً إذا قلنا إنه لولا استشهاد نصر الله، ومن قبله الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في مايو/أيار 2024، لما كانت "إسرائيل" تقف على قدميها أساساً اليوم؛ وإن كان وقوفاً مضطرباً.
خاتمة الطريق: لا وقت للبكاء
مهما امتدّ القول في مشروعية الحزن على رحيل السيد حسن نصر الله، فإن الأهم ألا ينقلب الفقد إلى إحباطٍ يُقعِد عن الفاعلية. إن الوفاء الحقيقي لذكراه يتجسد في مواصلة الطريق التي عبّدها بالدم، والاستمساك بمنهج المقاومة كخيار استراتيجي لا محيد عنه، مع استيعاب طبيعة الصراع القائمة على السجال، "فيوم لنا من عدوّنا، ويوم لعدوّنا منّا".
إن أكثر ما يؤرق روح القائد الشهيد هو أن يدبّ الضعف في نفوس أنصاره، أو أن تتوقف عجلة المواجهة، بما يمنح العدو مجاناً ما عجز عن أخذه بالقتال.
إن التعبير الأصدق عن التقدير لإرث السيد حسن نصر الله يتجسد في استمرار خيار المقاومة وثبات مواقفها؛ ولعل الأثر الأبرز الممتد لمسيرته يُقرأ في الضربات والصواريخ الباليستية التي انطلقت من إيران خلال العامين الماضيين واستهدفت عمق الكيان المحتل، لتأكيد التأثير المتبادل والتوازن في معادلات المنطقة.