صلابة الأعصاب: سر القوة في التجربة الإيرانية
التجربة الإيرانية نجحت في تقديم مثال على أن تماسك المجتمع والنخبة السياسية نفسياً وفكرياً قد يكون أحياناً عاملاً حاسماً في صمود الدول، ربما بقدر أهمية القوة العسكرية نفسها.
-
إيران... بين الردع والاحتواء.
في عالم السياسة الدولية، لا تُختبر قوة الدول في لحظات الرخاء، بل في اللحظات الفارقة التي تستهدف عمودها الفقري وقادتها التاريخيين. لقد شهدت المنطقة تصعيداً غير مسبوق من خلال ضربات أميركية-إسرائيلية استهدفت العمق الإيراني، ووصلت ذروتها باستهداف قمة الهرم القيادي. ومع ذلك، قدّمت الدولة الإيرانية نموذجاً في "الانضباط الاستراتيجي"، محولةً ما كان يُفترض أن يكون لحظة انهيار وفوضى إلى مشهد من مشاهد الثبات والتماسك المؤسسي.
هندسة الاستقرار: تجاوز الفراغ القيادي
الرهان الأميركي-الإسرائيلي كان يعتمد تاريخياً على نظرية "قطع الرأس"، معتقداً أن غياب المرشد الأعلى، السيد علي خامنئي، سيؤدي حتماً إلى تآكل الشرعية ودخول البلاد في نفق مظلم من الصراعات على السلطة. لكن الواقع أثبت أن الدولة الإيرانية ليست "دولة الرجل الواحد" بالمعنى الهش، بل هي منظومة مؤسساتية مُعقّدة تمتلك بروتوكولات جاهزة وسيناريوهات معدة مسبقاً للتعامل مع أسوأ الاحتمالات.
بمجرد وقوع الحدث، تحرك "مجلس خبراء القيادة" و"مجمع تشخيص مصلحة النظام" وفق آلية دستورية صارمة وهادئة، فلم يشعر المواطن الإيراني أو المراقب الخارجي بوجود فجوة زمنية، إلى حين انتخاب السيد مجتبى خامنئي مرشداً جديداً للبلاد. هذا الانتقال السلس لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان رسالة سياسية للداخل والخارج بأن "بنية الدولة" أقوى من الأشخاص، وأن الثوابت الاستراتيجية للنظام لا تتغير بتغير الوجوه.
لكنّ ما جرى أيضاً -وهذا مهم- كان دلالة على أن قادة الدولة في إيران لديهم قدر عالٍ من الإيمان واليقين، وأن هذا تحديداً هو ما منعهم من الانهيار أو التذبذب، ومنحهم ذلك القدر اللافت من الهدوء والصلابة، رغم صعوبة الظروف، ولولا هذه القوة النفسية لما كانت أي آلية سياسية داخلية قابلة للتنفيذ.
الثبات الشعبي وإجهاض الرهانات الخارجية
بالتوازي مع التماسك السياسي، كان الرهان الآخر للقوى الغربية وإسرائيل" يرتكز على تحريك "الشارع"، حيث سعت القوى المعارضة المدعومة من الخارج، خاصة تلك المُقرّبة من دوائر صنع القرار في واشنطن و"تل أبيب"، إلى استغلال اللحظة ونادت بإشعال فتيل "تمرد فوضوي"، وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب ينتظر تلك الرسائل التي تطالبه بمزيد من العمل العسكري المباشر بزعم أن "النظام يترنح".
إلا أن المشهد الشعبي في الداخل جاء مخيباً لتلك التوقعات. فبدلاً من المتاريس والاحتجاجات، امتلأت الشوارع بملايين المشيعين الذين خرجوا لوداع قادتهم.
هذا الالتفاف الشعبي لم يكن عاطفياً فحسب، بل كان فِعلاً سياسياً بامتياز؛ إذ أرسل رسالة حاسمة بأن المجتمع الإيراني، رغم تبايناته، يتوحد أمام التهديد الخارجي. هذا التلاحم أدى بوضوح إلى إجهاض محاولات "الاستثمار في الفوضى"، وأفقد القوى المعارضة مبرراتها للمطالبة بتدخل أجنبي.
الردّ العسكري: بين الردع والاحتواء
على الصعيد العسكري، لم تنجرّ إيران إلى ردّ انفعالي غير محسوب، بل اختارت ما يمكن وصفه بـ"الردّ الجراحي"، مع إبقاء مختلف الخيارات مفتوحة. فمنذ اللحظة الأولى، ردّت القوات المسلحة الإيرانية بقصف مكثف استهدف مواقع في "إسرائيل" وقواعد أميركية في المنطقة، غير أن طبيعة هذا الرد اتسمت بدرجة واضحة من الانتقائية والدقة، بحيث لم يظهر كعمل عشوائي في أي مرحلة من مراحل المواجهة. وبهذا النهج سعت طهران إلى تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على مصداقية الردع من جهة، وتجنب الانزلاق إلى حرب غير محسوبة قد لا تخدم مصالحها الاستراتيجية من جهة أخرى.
وجاء هذا التصعيد العسكري، مع توسيع نطاق الاستهداف مقارنة بمعارك يونيو/حزيران 2025، مترافقاً مع خطاب سياسي يتسم بقدر واضح من العقلانية. فلم تلجأ إيران إلى لغة التهديد الوجودي تجاه دول الجوار، بل على العكس كثّفت تحركاتها الدبلوماسية تجاه الدول العربية الخليجية.
وكانت الرسالة التي حرصت طهران على إيصالها واضحة في مضمونها: "نحن لا نسعى لتوسيع الصراع، وأمن المنطقة مسؤولية جماعية، أما الوجود العسكري الأميركي فهو المصدر الحقيقي لعدم الاستقرار، وندعوكم لعدم الانخراط في مقامرات واشنطن وتل أبيب".
هذا الخطاب أسهم بشكل ملموس في زعزعة الرواية الأميركية التي دأبت على تقديم إيران كطرف مُهدد للاستقرار الإقليمي، وعليه بدأ يتشكل وعي جمعي مغاير يرى الأمور من زاوية مختلفة. وقد تجلى ذلك بوضوح في النقاشات الجارية داخل الأوساط العربية، وتحديداً في الدول التي تستضيف قواعد عسكرية غربية؛ إذ ظهرت أصوات تنادي بضرورة مراجعة جدوى هذا الوجود الأجنبي.
وتبنّت هذه الرؤية الصاعدة منطقاً مفاده أن التحركات الإيرانية ضد العسكريين الأميركيين ليست عدواناً، بل هي رد فعل اضطراري للدفاع عن السيادة الوطنية، مع حرص طهران الواضح على عدم استهداف الشعوب العربية أو المساس بأمنها. ولا شك في أن هذا التيار الفكري كان ليتصدر المشهد العربي العام ويصبح السردية المهيمنة، لولا القيود المفروضة على حرية الرأي والتعبير في تلك المجتمعات، والتي تَحول دون ظهور الحجم الحقيقي لهذا الموقف الشعبي.
خفض التصعيد بشروط السيادة
لقد أظهرت طهران قدرات عسكرية لافتة، لكنها في الوقت ذاته تمسكت بمرونتها السياسية. فبالرغم من كل شيء، ظل الباب موارباً أمام مسارات تسمح للخصم بالتراجع وخفض التصعيد، فالخطاب الإيراني لم يكن متعصباً، بل كان خطاباً "دوليّاً" يؤكد احترام السيادة والقانون الدولي.
وضعت طهران معادلة واضحة أمام العالم كله، وخاصة الإدارة الأميركية: التهدئة مقابل احترام السيادة.
لقد أثبتت إيران، بالفعل لا القول، أنها تمتلك "النفس الطويل" والقدرة على امتصاص الصدمات، لكنها في الوقت ذاته مستعدة للحوار إذا ما توقفت الاعتداءات على أمنها القومي. هذا الموقف أحرج القوى التي كانت تدفع نحو التصعيد العسكري الشامل، وأظهر إيران كطرف عقلاني يسعى للحفاظ على الاستقرار الإقليمي رغم كونه الضحية في هذا النزاع، ورغم كونه قادراً على الردّ أيضاً.
القوة الحقيقية: صلابة النفس قبل صلابة السلاح
تكشف التجربة الإيرانية أن قوة الدول لا تُقاس فقط بترسانتها العسكرية، بل بقدرتها على الصمود النفسي وإدارة الصراع بهدوء وثقة. فإيران، حتى في لحظة توتر إقليمي استثنائية، لم تعتمد خطاباً انفعالياً أو دعائياً صاخباً، وظهر ذلك في اللقاءات التي أجراها المسؤولون والمحللون السياسيون الإيرانيون، الذين حاولوا شرح الموقف الإيراني وتقديم مبرراته بصورة عقلانية، سواء في الإعلام المؤيد للمقاومة أو حتى في بعض المنصات الأقل تأييداً.
هذا الهدوء في الخطاب يعكس جانباً من الثقافة السياسية الإيرانية التي تشكلت عبر عقود من الصراع والعقوبات والضغوط الدولية. فالتجربة الطويلة مع الأزمات صنعت لدى النخبة السياسية والإعلامية نوعاً من الانضباط في إدارة الخطاب العام، والقدرة على الدفاع عن المواقف بالحجة أكثر من الانفعال.
في الوقت ذاته لا يمكن فصل هذا السلوك عن الخلفية الفكرية والعقائدية للنظام السياسي في إيران بعد الثورة الإيرانية 1979، والتي مزجت بين البعد الروحي والبعد السياسي في تشكيل الهوية العامة للدولة. هذا المزج خلق لدى جزء من النخبة الحاكمة والجمهور شعوراً بأنهم يخوضون صراعاً طويلاً يحمل أبعاداً عقائدية وسيادية في آن واحد، وهو ما يفسر قدراً من الثبات والهدوء في الخطاب حتى في لحظات التوتر.
لذلك، فإن التجربة الإيرانية نجحت في تقديم مثال على أن تماسك المجتمع والنخبة السياسية نفسياً وفكرياً قد يكون أحياناً عاملاً حاسماً في صمود الدول، ربما بقدر أهمية القوة العسكرية نفسها.