صراع العقول السياسية الاستراتيجية في غرب آسيا: جدلية "المركز الداعم والقلاع المتقدّمة"

العلاقة بين إيران وحلفائها الإقليميين شراكة استراتيجية قائمة على المصالح المشتركة والاستقلالية التكتيكية وتبادل الدعم، وليست مجرد علاقة تبعية أو وكالة.

  • صراع العقول السياسية الاستراتيجية في غرب آسيا: جدلية
    صراع العقول السياسية الاستراتيجية في غرب آسيا: جدلية "المركز الداعم والقلاع المتقدّمة"

في خضمّ الحرب المستمرة في غرب آسيا، يكثر استخدام مصطلحات مثل "الوكلاء" و"الأصيل" و"الأذرع" لوصف العلاقة بين القوى الإقليمية الكبرى والجماعات المسلحة التي تعمل في فلكها. لكنّ هذه المصطلحات، التي تحمل في طيّاتها إرثاً استعمارياً ونظرة دونيّة للقوى المحلية، تعكس فهماً مشوّهاً لطبيعة هذه العلاقات. فالحقيقة الأعمق أنّ ما نراه اليوم ليس علاقة تبعيّة عمياء، بل نظاماً استراتيجياً متكاملاً يقوم على وحدة المهدّدات المشتركة وتبادل المنفعة وتقاطع المصالح، حيث يؤدّي "المركز الداعم" دور الحصن المركزي، بينما تشكّل "القلاع المتقدّمة" خطوط الدفاع الأمامية في مواجهة التهديدات المشتركة.

لفهم هذه الديناميكية، لا بدّ من تفكيك العلاقة بين المركز الداعم (كإيران) والقلاع المتقدّمة (كحزب الله، أنصار الله، حماس، والفصائل العراقية) من خلال أربعة أبعاد أساسية: التكامل الاستراتيجي، الاستقلالية التكتيكية، تبادل المنفعة، والمخاطر المشتركة.

من "الوكيل" إلى "القلعة المتقدّمة": إعادة تعريف المصطلحات

يُخطئ من يظنّ أنّ العلاقة بين الدولة الراعية والجماعة المسلحة هي علاقة أوامر عسكرية صارمة من أعلى إلى أسفل. العقول الاستراتيجية تدرك أنّ هذه العلاقة أكثر تعقيداً بكثير. فما يجمع طهران بحلفائها ليس مجرّد ولاء عقائدي، بل هو شراكة استراتيجية تقوم على مصالح متقاطعة ورؤية مشتركة للتهديدات.

المركز الداعم (إيران نموذجاً): ليس مجرّد مموّل أو مسلّح، بل هو "حصن مركزي" يوفّر الغطاء السياسي والدبلوماسي والعسكري للقلاع المتقدّمة. طهران تدرك أنّ بقاءها مرتبط بقدرة هذه القلاع على الصمود، وأنّ أيّ اختراق لأحدها هو اختراق للمنظومة بأكملها.

القلاع المتقدّمة (حزب الله، أنصار الله، حماس، الفصائل العراقية): ليست مجرّد "وكلاء" تابعين، بل هي خطوط دفاع أمامية تحمي المركز من التهديدات المباشرة. كلّ قلعة تمتلك استقلالية تكتيكية عالية، وتدير معاركها وفقاً لظروفها المحلية، لكنها تبقى ضمن الإطار الاستراتيجي الذي يتوافق مع المركز.

هذا النموذج يختلف جوهرياً عن علاقات التبعيّة التقليدية. فالقلاع المتقدّمة ليست أدوات عمياء، بل شركاء استراتيجيون يمتلكون أجنداتهم الخاصة، ويتخذون قراراتهم الميدانية، لكنهم يدركون أنّ مصالحهم تتقاطع مع مصالح المركز في نقاط حاسمة.

الاستقلالية التكتيكية في إطار التكامل الاستراتيجي

الخطأ الأكبر الذي ترتكبه التحليلات الغربية هو تصوير حلفاء إيران كأدوات تنفّذ الأوامر من غرف العمليات المركزية في طهران. الواقع أكثر تعقيداً. فالمركز الداعم يتعاطى مع القلاع المتقدّمة بمساحة واسعة لاتخاذ القرارات الميدانية والتكتيكية التي تناسب جغرافيتهم وظروفهم المحلية، بما لا يخرج عن الإطار الاستراتيجي العامّ المتوافق عليه.

حزب الله في لبنان هو المثال الأكثر وضوحاً على هذه الديناميكية. فالحزب، رغم كونه جزءاً من منظومة المقاومة بقيادة إيران، يتمتع باستقلالية تكتيكية عالية. هو من يقرّر متى وكيف يضرب في جنوب لبنان، وهو من يدير معركته ضدّ "إسرائيل" وفقاً لظروفه الميدانية. طهران أسست وبنت الإطار الاستراتيجي (دعم فلسطين، مواجهة المشروع الإسرائيلي، منع الوصول إلى المركز)، لكنّ التفاصيل التكتيكية تُترك للحزب. هذا ليس تفويضاً عاطفياً، بل إدراك استراتيجي بأنّ من يعرف الأرض والسكان والعدو أفضل هو من يقاتل على الأرض.

أنصار الله في اليمن يقدّمون نموذجاً آخر. فالجماعة، رغم تلقّيها الدعم الإيراني، تتصرّف بشكل مستقل في كثير من الأحيان. إيران تمدّهم بالسلاح والتدريب والخبرة، لكنّ قراراتهم الميدانية (متى يضربون السعودية، ومتى يهدّدون الملاحة في باب المندب) تنبع من تقييمهم الخاصّ للمشهد اليمني والإقليمي. أنصار الله ليسوا "ذراعاً إيرانية"، بل حلفاء لهم أجندتهم الخاصة التي تتقاطع جزئياً مع الأجندة الإيرانية.

حماس في فلسطين هي الحالة الأكثر تعقيداً. فالمقاومة الفلسطينية، التي كانت تُتهم بأنها "وكيلة إيرانية"، أثبتت خلال حرب غزة أنها تمتلك استقلالية قرار مذهلة. هي من قرّرت خوض معركة "طوفان الأقصى" في توقيتها، وهي من أدارت مفاوضات التهدئة وفقاً لمصالحها الوطنية. إيران لم تأمر حماس بالحرب، بل وجدت نفسها أمام واقع جديد استثمرته لخدمة مصالحها الاستراتيجية. هذا يثبت أنّ العلاقة ليست تبعيّة، بل تقاطع مصالح في لحظة تاريخية محدّدة.

تبادل المنفعة: جوهر الشراكة الاستراتيجية

إذا نظرنا إلى العلاقة بين المركز الداعم والقلاع المتقدّمة من منظور المصالح، سنكتشف أنها ترتكز إلى الشراكة لا  إلى علاقة السيد والعبد. القلاع المتقدّمة تحتاج إلى المال، السلاح، التكنولوجيا، والغطاء السياسي. في المقابل، يحتاج المركز الداعم إلى عمق استراتيجي، وأوراق ضغط تفاوضية، وشراكات عسكرية متقدّمة خارج حدوده.

ماذا يقدّم المركز الداعم (إيران نموذجاً)؟

- المال: إيران أنفقت مليارات الدولارات على دعم حلفائها، من حزب الله إلى حماس إلى "أنصار الله". هذا المال ليس صدقة، بل تبنّي المقاومة الذي يترجم في نفوذ إقليمي لا يمكن شراؤه بثمن آخر.

- السلاح: الصواريخ والطائرات المسيّرة وأنظمة الحرب الإلكترونية التي تزوّد بها إيران قلاعها المتقدّمة ليست مجرّد أسلحة، بل هي أدوات لتمكين هذه الجماعات من خوض حروبها الخاصة، وبالتالي خدمة الأهداف المشتركة وحماية القلاع المحيطة من دون إشراك القدرات العسكرية الإيرانية مباشرة إلا في حالة الخشية من الانهيار.

- التكنولوجيا: الخبرات في مجال تصنيع الصواريخ والمسيّرات التي تنقلها إيران لحلفائها تمنحهم قدرات نوعية، وفي الوقت نفسه ترفع كلفة أيّ عدوان عليهم، مما يحمي العمق الإيراني.

- الغطاء السياسي: دعم إيران الدبلوماسي لحلفائها في المحافل الدولية يمنحهم شرعية لا يملكونها وحدهم.

ماذا تقدّم القلاع المتقدّمة (حزب الله نموذجاً)؟

- العمق الاستراتيجي: حزب الله بالمقاومة وتحرير الأرض يمنح إيران حدوداً متقدّمة مع "إسرائيل". فبدلاً من أن تواجه إيران "إسرائيل" على حدودها، تواجهها عبر حزب الله في جنوب لبنان. هذا يمنح طهران ومن معها عمقاً استراتيجياً لا يقدّر بثمن.

- أوراق الضغط التفاوضية: كلّ صاروخ يطلقه حزب الله على حيفا هو ورقة ضغط في المفاوضات الأميركية الإيرانية. إيران تستخدم قدرات حلفائها كأدوات تفاوض في مواجهة الغرب لمصلحة الجميع باعتبارهم قوى غير حكومية، وأُضيف إليها الصواريخ التي انطلقت في الحروب المباشرة من إيران فتآزرت القوتان لمراكمة أوراق الضغط وهذا ما تجلَّى في الحرب المستمرة.

- القدرات غير المتماثلة: حزب الله يمتلك قدرات عسكرية لا تمتلكها إيران (خبرة قتالية ميدانية، معرفة بالتضاريس، شبكات اجتماعية عميقة). هذه القدرات تكمل القدرات الإيرانية وتخلق تهديداً متعدّد الأبعاد للعدو.

- الشرعية الشعبية: حزب الله يتمتع بشرعية شعبية في لبنان والعالم العربي لا تمتلكها إيران. هذه الشرعية تمنح المشروع الإيراني بعداً سياسياً يتجاوز الطائفية المانعة لأيّ إنجاز.

المثال التاريخي: الثغور الإسلامية والرباط

لعلّ أقرب نموذج تاريخي لما نراه اليوم هو نظام "الثغور والرباط" في العصرين الأموي والعباسي. كانت الثغور عبارة عن مناطق عسكرية محصّنة على حدود الدولة الإسلامية مع الإمبراطورية البيزنطية، وكانت تعمل كخطوط دفاع أمامية لحماية قلب الدولة وباستقلال ذاتي في إدارة حروبها ومعاركها.

الرباط كان مؤسسة عسكرية-دينية تهدف إلى حماية الثغور وتعزيز الروح الجهادية. المجاهدون في الثغور والرباط لم يكونوا مجرّد "وكلاء" للخلافة، بل كانوا شركاء استراتيجيين يدركون أنّ بقاءهم مرتبط بقدرة الخلافة على حمايتهم، وأنّ بقاء الخلافة مرتبط بقدرتهم على الصمود في وجه العدو.

هذا النظام وفّر للخلافة الإسلامية عمقاً استراتيجياً وأوراق ضغط تفاوضية، بينما وفّر للثغور والرباط المال والسلاح والغطاء السياسي. كان تبادل منفعة واضحاً، يقوم على رؤية استراتيجية مشتركة للتهديدات والأهداف.

ما نراه اليوم في علاقة إيران بحلفائها هو إعادة إنتاج لهذا النموذج، بأدوات العصر الحديث: حزب الله في جنوب لبنان هو بمثابة "ثغر" أمامي ضدّ "إسرائيل"، وأنصار الله في اليمن هو "رباط" يحمي المصالح المشتركة في البحر الأحمر، وحماس في فلسطين هي "ثغر" في قلب المشروع الصهيوني.

الضوابط  لضبط الصراع:

- التنسيق الاستراتيجي: غرف عمليات مشتركة تضع الإطار العامّ للتحرّك، وتترك التفاصيل للقلاع المتقدّمة.

- التدريب المشترك: بناء قدرات القلاع مع الإبقاء على جزء من هذه القدرات المتقدّمة تحت الإدارة الإيرانية المباشرة.

- الإمداد التدريجي: عدم إعطاء القلاع كلّ ما تطلبه دفعة واحدة في الحالات منخفضة الصراع، للحفاظ على عامل الضغط وإدارة الصراع وفق نفس حايك السجاد الطويل.

- الشراكة في القرار: إشراك القلاع في التخطيط الاستراتيجي، مما يمنحهم شعوراً بالشراكة الكاملة، الذي ينعكس على الأطراف كافة بالتآزر لحماية سلسلة الترابط والمساهمة بأقصى فعّالية في الصراع. 

الخلاصة: نحو إعادة تعريف العلاقة

ما تقدّمه هذه الديناميكيات هو ضرورة إعادة تعريف المصطلحات. فمصطلح "الوكيل" يحمل في طيّاته ازدراءً وتبسيطاً مفرطاً. العلاقة الحقيقية أقرب إلى مفهوم "الشراكة الاستراتيجية" و"القلاع المتقدّمة" التي تحمي الحصن المركزي. شركاء يمتلكون أجندات متقاطعة، وقدرات غير متساوية، لكنهم يدركون أنّ مصالحهم تتقاطع في نقاط كافية لتبرير التعاون، مع الحفاظ على استقلالية كافية للتحرّك وفقاً لظروفهم المحلية.

الدرس المستفاد: في عالم تتداخل فيه المصالح وتتشابك فيه التحالفات، لا يوجد "وكلاء" بالمعنى التقليدي، بل شبكة معقّدة من الشركاء غير المتماثلين، كلّ يؤدّي دوره في رقعة شطرنج إقليمية لا تعترف بالخطوط الفاصلة بين الأصيل والوكيل. والقادة الأذكياء هم الذين يدركون أنّ إدارة هذه الشبكة تتطلّب أكثر من مجرّد إصدار الأوامر؛ تتطلّب فهماً عميقاً لدوافع كلّ طرف، وحساباً دقيقاً للمصالح المتقاطعة، واستعداداً للتعامل مع مفاجآت قد تأتي من أقرب الحلفاء.

ويبقى السؤال الأهمّ:

- كيف سيكون شكل النظام الإقليمي الجديد إذا نجح نموذج "المركز الداعم والقلاع المتقدّمة" في فرض نفسه كبديل استراتيجي ناجح؟

من الواضح حتى الآن أنّ هذا النموذج ما زال يتقدّم في تحقيق أهدافه بالصبر والنفس الطويل، الأمر الذي استدعى ولادة شراكة دفاعية باتفاق مكة كبديل للانسحاب الأميركي المتواصل، والذي لم يبق أمامه سوى خيار شمشون الذي لا قدرة لديه لتحمّله.