سياسة الاغتيال وحدود القوة: بنية المقاومة الفلسطينية بين صدمة الفقد وامتحان التعاقب والقرار

المقاومة الفلسطينية تعمل في مساحة محاصرة، وتتحرّك تحت ضغط إنساني وعسكري واستخباري شديد، وتواجه محاولة دائمة لربط الاغتيال بمسار سياسي يستهدف شروط المقاومة ومستقبل القرار في القطاع.

  • بنية المقاومة الفلسطينية بين صدمة الفقد وامتحان التعاقب والقرار.
    بنية المقاومة الفلسطينية بين صدمة الفقد وامتحان التعاقب والقرار.

تأتي عمليات الاغتيال المتعاقبة لقيادات كتائب القسام ضمن سياق أوسع من الاستهدافات التي طالت قيادات وازنة في المقاومة الفلسطينية، وتدفع النقاش إلى مستوى أعمق من متابعة الحدث الأمني المباشر، فهي تضع المقاومة أمام امتحان البنية، وسؤال التعاقب داخل المؤسسة، وقدرة القرار على البقاء منضبطاً بعد فقد قادة راكموا شرعية مؤسساتية داخلية عبر الخبرة والثقة وإدارة الفعل العسكري في لحظات الضغط.

تعتمد "إسرائيل" سياسة الاغتيال كأداة مركّزة لإضعاف القيادة والسيطرة، وإرباك العلاقة بين المستوى القيادي والميدان، والتأثير في المعنويات العامّة، وتقديم صورة قوة أمام جمهورها، وتزداد قيمة هذه الأداة في حساباتها حين تقع الضربة في لحظة حرب طويلة، أو تفاوض شاق، أو انتقال سياسي وأمني حسّاس، حيث يصبح استهداف القائد محاولة للتأثير في وظيفة القيادة داخل المؤسسة وفي قدرتها على ضبط الإيقاع وإدارة المرحلة.

القائد في المقاومة الفلسطينية يكتسب أهميته من شرعيته داخل المؤسسة، ومن رصيد الثقة الذي راكمه في الميدان والمجتمع، ومن قدرته على تحويل التجربة إلى تقدير وقرار وفعل منضبط، وهذه الشرعية المؤسسية تنشأ من خبرة القتال، ومعرفة الرجال والكوادر النوعية في المقاومة، وفهم قدراتهم وأدوارهم، والقدرة على فهم المزاج الشعبي، والالتزام بالعقيدة العامّة، وحسن التصرّف في لحظات الضغط، لذلك يصبح استهدافه استهدافاً لموقع داخل الذاكرة التنظيمية وامتداداً مؤثّراً في سياقه الاجتماعي والمؤسسي.

هذه المكانة تجعل أثر الاغتيال متعدّد المستويات، فهو يضغط على دورة القرار، ويؤثّر في بعض حلقات التنسيق، ويضع المستويات التالية أمام عبء التعويض السريع، كما يترك أثراً معنوياً في المجتمع المقاوم الذي يرى في القائد خلاصة تجربة وتضحية وارتباط بالناس، ومن هنا تتعامل "إسرائيل" مع اغتيال القادة باعتباره مدخلاً لضرب الثقة داخل الصفوف، وإرباك العلاقة بين المؤسسة وحاضنتها، وإشغال المقاومة بترتيب بنيتها في لحظة تحتاج فيها إلى أعلى درجات التماسك.

يفتح مفهوم الانكشاف البنيوي مدخلاً مهماً لفهم خطورة الاغتيالات، فالمسألة ترتبط بدرجة ما يعرفه العدو عن الأسماء والوظائف والعلاقات ومستويات التأثير داخل التنظيم، وكلما ارتفعت قدرته على ربط الشخص بموقعه في القرار، وربط الوظيفة بشبكة العمل، وربط الحضور العامّ بالقيمة القيادية، زادت قابلية تحويل المعرفة إلى هدفٍ عالي القيمة، وهنا يتحوّل الاغتيال إلى ثمرة مسار سابق من الرصد والتحليل وبناء بنك أهداف يستهدف العقد القيادية ذات الأثر الأوسع.

هذا الانكشاف البنيوي يمثّل أحد أخطر آثار الحروب الطويلة، لأنّ العدو يتجاوز ملاحقة الأسماء البارزة إلى فهم العلاقات بين القادة والمستويات الميدانية، وبين التخصّصات والوظائف، وبين مصادر الشرعية داخل المؤسسة، وكلما تقدّم في هذا الفهم امتلك قدرة أكبر على تقدير أثر الضربة قبل تنفيذها، لذلك تصبح مواجهة سياسة الاغتيال جزءاً من معركة أوسع على حماية البنية، وإدارة الظهور، وتقليل قابلية الربط بين الأشخاص والوظائف الحسّاسة ضمن منظور استراتيجي عامّ.

وعلى مستوى السلوك العسكري، يظهر أثر الاغتيال من خلال التكيّف الذي تفرضه الضربة على المؤسسة، فالمقاومة تعيد النظر في الإيقاع المؤسسي، والعلاقات الناظمة، ومسارات القرار، وحدود الظهور، وطريقة توزيع الخبرة داخل البنية، وهذه المراجعات تمثّل استجابة طبيعية لضغط قاسٍ، وتدلّ على أنّ الاغتيال يترك كلفة حقيقية، كما يدل التكيّف اللاحق على قدرة البنية على تحويل الخسارة إلى درس تنظيمي وعسكري وسياسي.

المؤسسية هنا تمثّل شرط الاستمرارية الأهمّ، فهي تمنع احتكار الخبرة في نطاق ضيّق، وتنقل المعرفة من الذاكرة الفردية إلى الذاكرة التنظيمية، وتبني مسارات واضحة لإسناد القرار عند غياب القادة، وتمنح المستويات التالية قدرة على الحركة وفق عقيدة مفهومة واستراتيجية عامّة، وكلما نضجت المؤسسية داخل المقاومة تراجعت قدرة الاغتيال على إحداث فراغ طويل، وتحوّلت الضربة إلى عامل ضغط يمكن استيعابه ضمن مسار التعاقب والقرار.

سياسات التعاقب الواضحة تخفّف أثر الفقد لأنها تجعل انتقال القيادة امتداداً للبناء السابق، وتخرجه من منطق الإجراء الطارئ بعد الضربة، فالتعاقب يبدأ من إعداد القادة داخل المؤسسة، وتوسيع دوائر الخبرة، وتوزيع الصلاحيات، وضبط العلاقات، وحفظ ذاكرة القرارات الكبرى، وحين تتوفّر هذه السياسات يصبح غياب القائد الكبير مؤلماً ومؤثّراً، ويقع داخل مسار قادر على حمل القرار ومواصلة الاتجاه.

وضوح العقيدة والاستراتيجية يمثّلان خط الحماية الفكري والسياسي بعد فقد القادة، فالعقيدة تحدّد معنى القتال وموقعه في المشروع الوطني، والاستراتيجية تضبط العلاقة بين الثابت والمتغيّر، وتمنع اضطراب القرار تحت ضغط الصدمة، وحين تكون القيادة اللاحقة مشبعة بالعقيدة العامّة ومدركة لمنطق الاستراتيجية، تصبح أكثر قدرة على الوفاء لمسار القادة السابقين مع امتلاك مساحة الاجتهاد التي تفرضها التحوّلات الميدانية والسياسية.

تبحث "إسرائيل" من خلال الاغتيالات عن صورة نصر سريعة، خاصة حين تطول الحرب وتتراجع القدرة على تحقيق إنجاز حاسم، فتتحوّل أسماء القادة إلى مادة سياسية وإعلامية، وتقدّم الضربة بوصفها دليلاً على التفوّق الاستخباري والقدرة على الوصول، وتستخدم في مخاطبة الداخل الإسرائيلي والضغط على الوسطاء والمجتمع الفلسطيني، وتتحدّد القيمة الاستراتيجية لهذه الصورة بما يحدث بعدها، وبمدى قدرة المقاومة على حفظ الاتجاه واستمرار الفعل وتماسك القرار.

في حالة القائد محمد عودة، حاولت "إسرائيل" أن تمنح الاغتيال معنى أوسع من تصفية قائد جديد للقسام، فقد قدّمته ضمن رواية استكمال ضرب الطبقة القيادية المرتبطة بيوم 7 أكتوبر، وروّجت وسائل إعلام عبرية أنه من آخر القادة الكبار الباقين من تلك المرحلة، وبذلك أراد العدو أن يقول إنّ مجلس الحرب الذي ارتبط بقرار 7 أكتوبر وصل إلى نهايته، بينما يكشف هذا الخطاب جوهر سياسة الاغتيال، فهي تستهدف إغلاق جيل قيادي كامل، وضرب الذاكرة المؤسسية التي صنعت القرار، ثم اختبار قدرة المقاومة على إنتاج قيادة لاحقة تحفظ الاتجاه وتمنع تحويل الفقد إلى فراغ طويل.

تاريخ المقاومة الفلسطينية يقدّم مادة واسعة لهذه القراءة، فقد تعرّضت لحلقات متكرّرة من استهداف القادة والرموز والخبرات، من يحيى عياش إلى صلاح شحادة والشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي، وصولاً إلى قادة الصفوف العليا في الحروب الأخيرة، وفي كلّ محطة ترك الفقد أثراً واضحاً في الوعي والبنية، ثم دفعت التجربة المقاومة إلى تطوير سلوكها، وتوسيع قاعدة القيادة، وتحسين مؤسسية القرار، وحفظ مكانة القائد الشهيد داخل الذاكرة العامّة باعتباره معياراً للعمل والاستمرار.

ويبدو حضور القائد داخل المجتمع المقاوم عنصراً حاسماً في فهم أثر الاغتيال، فالقائد الذي راكم شرعيّته داخل المؤسسة يملك امتداداً يتجاوز موقعه التنظيمي، لأنه يربط بين السلاح والثقة، وبين القرار والناس، وبين العمل العسكري والمعنى الوطني، لذلك يتطلّب التعامل مع الفقد خطاباً عاقلاً يعترف بثقل الخسارة، ويشرح للناس معنى التعاقب، ويؤكّد أنّ الوفاء للقائد يتحقّق بحفظ مدرسته داخل المؤسسة، ومراكمة قدرتها على إنتاج قادة جدد.

وتتسع هذه القراءة عند استحضار تجارب محور المقاومة، فقد عرفت ساحات إيران ولبنان والعراق واليمن وفلسطين استهدافات طالت قادة ورموزاً وخبرات مؤثّرة، وكان الرهان في كلّ مرة على إرباك الصلة بين القيادة والجمهور والسلاح والسياسة، وقد أظهرت هذه التجارب أنّ الاغتيال يوجع البنية ويفتح أسئلة صعبة حول التعاقب والقرار، ثم تتحدّد نتيجته بقدرة كلّ ساحة على حماية مشروعها، وحفظ شرعيّتها، وتحويل الفقد إلى مراجعة وبناء.

تقدّم تجارب المحور شاهداً بالغ الأهمية على أنّ سياسة الاغتيال تستهدف الذاكرة القيادية وطبقات القرار وتتجاوز مستوى الأسماء المنفردة، ففي التجربة الإيرانية والعراقية شكّل اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس ضربة واسعة الأثر، لأنها طالت خبرة تنسيقيّة عابرة للساحات، وشبكة علاقات ممتدة، وذاكرة عمل ربطت بين الدولة والحلفاء والفصائل ومسارات الإسناد، ثم جاء افتتاح حرب 2026 على إيران واغتيال المرشد علي خامنئي وعدد من رموز القيادة العليا ليضع الجمهورية الإسلامية أمام امتحان أكثر حساسية، امتحان انتقال القرار في لحظة حرب مفتوحة، وقد أظهرت الأسابيع اللاحقة أنّ تماسك المنظومة ارتبط بعمق الدولة، واستمرارية المؤسسات، ووضوح العقيدة والاستراتيجية، وقدرة البنية على امتصاص فقد رأس القيادة وعدد من مفاصلها العليا.

وفي التجربة اللبنانية، بلغت سياسة الاغتيال مستوى شديد الكثافة مع اغتيال السيد حسن نصر الله، بعد مسار طويل بدأ باغتيال السيد عباس الموسوي ومرّ باغتيال عماد مغنية، ثمّ توسّع ليطال معظم القيادات العسكرية العليا في حزب الله، من قادة الجنوب والرضوان والصواريخ والقيادة الميدانية، ووفق الرواية الإسرائيلية، فقد طالت الضربات ثمانية من أصل تسعة من كبار القادة العسكريين في الحزب خلال عام 2024، وهذا يجعل الحالة اللبنانية شاهداً أيضاً على استهداف طبقة قيادية كاملة.

أما اليمن فقد واجه ضغطاً مشابهاً على القيادة السياسية والعسكرية في صنعاء، في سياق محاولة التأثير في مركز القرار ودوره في معادلة البحر الأحمر والإسناد الإقليمي، وفي هذه التجارب جميعاً ظهر أنّ أثر الاغتيال يبلغ ذروته حين يصيب قائداً ذا شرعية مؤسساتية وذاكرة عمل واسعة، ثم يبدأ امتحانه الحقيقي عند سؤال الاستمرارية، أي قدرة المؤسسة على حفظ الاتجاه، وإنتاج قيادة لاحقة، ومنع تحوّل الفقد إلى اضطراب بنيوي طويل.

تمنح هذه المقارنة المقام الفلسطيني بعداً أوسع مع الحفاظ على خصوصية غزة، فالمقاومة الفلسطينية تعمل في مساحة محاصرة، وتتحرّك تحت ضغط إنساني وعسكري واستخباري شديد، وتواجه محاولة دائمة لربط الاغتيال بمسار سياسي يستهدف شروط المقاومة ومستقبل القرار في القطاع، ولهذا يصبح امتحان التعاقب في غزة أكثر حساسية، لأنه يرتبط بالقرار العسكري، وبالتفاوض، وبالجبهة الداخلية، وبقدرة المجتمع على تحمّل كلفة استمرار المشروع.

هنا تتضح حدود القوة في سياسة الاغتيال، فهي قادرة على إيلام المقاومة، وحرمانها من قادة نادرين، وإحداث اضطراب مؤقت في بعض المسارات، وصناعة صورة أمنية مؤثّرة، ثم تبلغ حدودها حين تواجه بنية تعرف اتجاهها، ومؤسسة قادرة على نقل الخبرة، وحاضنة تقرأ الفقد ضمن سياق الصراع، وعقيدة تمنح القرار معنى يتجاوز الأشخاص، فالقوة التي تصل إلى القائد تستطيع إحداث خسارة كبرى، أما إنهاء المشروع فيتطلّب تفكيك البيئة والعقيدة والمؤسسة في وقت واحد.

يتطلّب التعامل المقاوم مع مرحلة ما بعد الاغتيال قدراً عالياً من الصراحة والانضباط، فالفقد القيادي يحتاج إلى تقدير حقيقي لكلفته، وإلى حماية الذاكرة القيادية داخل المؤسسة، وإلى تعاقب منضبط يحافظ على القرار، وإلى خطاب يربط الشهادة بالمؤسسية، لأنّ تحويل القائد الشهيد إلى رمز وجداني وحده يترك أثره ناقصاً، بينما تحويل تجربته إلى منهج داخل المؤسسة يمنح الشهادة أثراً عملياً في السلوك والقرار والاستمرار.

بهذا المعنى، يصبح السؤال المركزي بعد كلّ اغتيال متعلّقاً بقدرة البنية على إدارة الخسارة، وحفظ الاتجاه، وتجديد القيادة، وتقليل آثار الانكشاف البنيوي، وصون العلاقة بين المقاومة ومجتمعها، فالمقاومة التي تمتلك شرعية داخلية ومؤسسية ناضجة وسياسات تعاقب واضحة تستطيع أن تعبر صدمة الفقد نحو مرحلة أكثر وعياً، وتثبت أنّ القادة الكبار تركوا مؤسسة قادرة على حمل الأمانة بعدهم.

تجربة الاغتيالات في فلسطين ومحور المقاومة تؤكّد أنّ أثر القائد يستمر حين يتحوّل إلى معيار داخل المؤسسة، وأنّ قوة المشروع تقاس بقدرته على العمل بعد غياب رجاله الكبار، وعند هذه النقطة تصل سياسة الاغتيال إلى حدودها الفعليّة، حين يصبح الفقد امتحاناً للتعاقب، وتتحوّل الذاكرة القيادية إلى مؤسسية، والعقيدة إلى اتجاه ثابت، والشهادة إلى طاقة انضباط وبناء داخل المجتمع المقاوم.