سوريا: من وهم الدولة إلى وحدة المهددات الوجودية

هل يدرك السوريون أن وحدتهم في مواجهة المهددات الوجودية هي الطريق الوحيد للنجاة؟ أم أنهم سيستمرون في الغرق في مستنقع الهويات الأولية، بينما تلتهمهم المهددات الخارجية من كل جانب؟

  • القضايا المشتركة التي يمكن أن تنقذ السوريين.
    القضايا المشتركة التي يمكن أن تنقذ السوريين.

كشف الصراع الداخلي الذي اندلع في الشهر الثالث من عام 2011، بامتداداته الإقليمية والدولية، عن وهم بناء الدولة السورية ووهم وجود هوية وطنية جامعة. لقد انكشف الواقع الحقيقي لدولة ظهرت إلى الوجود لأول مرة بشكلها الملكي عام 1918 مع مجيء الملك فيصل بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، كنتيجة للثورة العربية الكبرى 1916 التي قادها ونسقها ونظمها عالم الآثار البريطاني توماس إدوارد لورنس (لورنس العرب)، كخطوة ما قبل الأخيرة لتمزيق الإمبراطورية العثمانية، وبدء التأسيس لولادة دولة "إسرائيل" بما يتساوق مع وعد بلفور.

هذه الهوية التي عملت عليها الأنظمة السياسية المتعاقبة لم تستطع الصمود في مواجهة الهويات الأولية مع اندلاع الصراع فيما بينها في أول تجربة حقيقية لوجود فكرة الدولة السورية، فتراجعت إلى الخلف أمام تجذر الهويات الإثنية والدينية والطائفية التي أثبتت بأنها الأصل، وأن الهوية الجديدة لا جذور لها.

هل هذا يعني الاستسلام؟

على الرغم من الدوافع الغربية المهيمنة خلف صناعة دول لا جذور تاريخية لها (سوريا - لبنان - الأردن...)، إلا أن إعادة هذه الدول المستحدثة إلى سياقها التاريخي الطبيعي لا يمكن أن يتم بتجاوزها، وخاصةً سوريا التي تعدّ الأم والمركز لكل بلاد الشام. وإنما الانطلاق منها كمرحلة انتقالية قد تمتد لسنوات وعقود، ضمن مشروع يعمل على فكرة بناء الدولة، وتجاوز اختزال الدولة بسلطة لا مؤسسات حقيقية عملت عليها وبها.

والأمر يقتضي العمل على إخراج السوريين من زواريب الهويات الأولية إلى آفاق هوية وطنية سورية كمرحلة أولية وليست نهائية، باعتبارها مرتبطة بنتائج الحرب العالمية الأولى وهيمنة المشروع الغربي، وهي لن تبقى بانحسار الغرب وصعود قوى ومشاريع جديدة لقوى عظمى مستجدة.

وحدة المهددات الوجودية الخارجية

ويقع في أعلى المهددات الوجودية الخارجية الولايات المتحدة، حاملة الراية الأخيرة في مشروع الهيمنة الغربية، و"إسرائيل" التي تسيطر كفيروس إحلالي شرس على المنظومة الأميركية. فما يجري في سوريا والإقليم والعالم ليس سوى نتائج لطموحات مهيمنة تدميرية تفكيكية لكليهما.

وهذا ما يدركه العقل الجمعي الباطن للسوريين، وهذا الإدراك يُبنى عليه لتشكيل حالة استقطاب واسعة وشاملة للسوريين، تستطيع إخراجهم من أولوية حضور الهويات الأولية في تقرير مصيرهم. فالمشروع التدميري الخارجي لا يفرق بين سني وعلوي، ولا بين كردي وعربي، ولا بين مسيحي ومسلم. الجميع في مرمى النار. وهذا الإدراك هو الأرضية الصلبة التي يمكن أن يُبنى عليها مشروع وطني جامع، لا يقوم على إنكار الهويات الأولية، بل على تجاوزها كأولوية في تقرير المصير، مع الاعتراف بها كجزء من النسيج الاجتماعي.

وحدة المهددات الوجودية الذاتية

وقد يكون من الصعب معالجة المهددات الداخلية إلا باستقطاب السوريين نحو وحدة المهددات الوجودية الخارجية. ولكن الوعي بها يكشف عن مخاطر لا تقل عن الخارجية، فهي قد تتحول إلى أداة فاعلة بيد العامل الخارجي الذي يختفي خلفها ببروز وهم التهديدات البينية والسيطرة على مسار الصراعات الداخلية حول الكعكة السورية، ومن يحكم بلا شراكة حقيقية بالاستئثار.

فالصراعات الداخلية، حين تتحول إلى أولوية على حساب مواجهة الخطر الخارجي، الذي يقضم المزيد من الأراضي السورية "إسرائيل"تتحول إلى أداة بيد الخارج. فالعامل الخارجي لا يحتاج إلى التدخل المباشر إذا كان السوريون مشغولين بتصفية حساباتهم الداخلية، بل إن الخارج يشجع هذه الصراعات ويمولها ويسلحها، ليضمن استمرار حالة الاستنزاف الذاتي، ويبقى هو المتحكم بالمسار من بعيد.

وهذا ما يدفع بالجميع إلى صدام الجميع، والأمر لن يتوقف عند حد الهويات الأولية، بل سيتابع مسار التدمير الذاتي على مستوى كل هوية أولية، بما يأخذ الجميع نحو الهاوية.

المخاطر التي تعيشها سوريا

تواجه سوريا اليوم مجموعة من المخاطر المتشابكة التي تهدد وجودها ككيان سياسي ومجتمعي:

أولاً: خطر التفتيت الجغرافي. فالصراعات الداخلية، بامتداداتها الإقليمية والدولية، تهدد بتحويل سوريا إلى كانتونات متناحرة، لا تجمعها سلطة مركزية، ولا هوية جامعة. وهذا التفتيت هو الهدف النهائي للمشروع الغربي-الإسرائيلي الذي يعمل على تفكيك المنطقة إلى كيانات صغيرة ضعيفة، يمكن السيطرة عليها بسهولة.

ثانياً: خطر استنزاف الموارد. فالحرب الطويلة أنهكت الاقتصاد السوري، ودمرت بنيته التحتية، وشتت موارده. وهذا الاستنزاف ليس مجرد نتيجة عرضية للحرب، بل هو هدف استراتيجي للخارج الذي يريد سوريا ضعيفة، غير قادرة على النهوض، ومحتاجة دائماً للمساعدات الخارجية، وما قصة تدمير مستودعات الجيش السوري ببعيدة عن ذلك.

ثالثاً: خطر التفكك الاجتماعي. فالهويات الأولية، حين تتحول إلى أولوية على حساب الهوية الوطنية، تؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي، وانهيار الثقة بين الجماعات السورية، وبروز خطاب الكراهية والتخوين. وهذا التفكك هو الأرضية الخصبة للتدخل الخارجي، وللتفتيت الجغرافي.

رابعاً: خطر التبعية الخارجية. فسوريا، بضعفها الاقتصادي وتفككها الاجتماعي، أصبحت عرضة للتبعية الخارجية، سواء للدول الإقليمية التي تتنافس على النفوذ فيها، أو للقوى الدولية التي تريد استخدامها كورقة في صراعاتها.

القضايا المشتركة التي يمكن أن تنقذ السوريين

ما يجمع السوريين، على اختلاف هوياتهم الأولية، هو وحدة المهددات الوجودية. وهذا الإدراك هو نقطة الانطلاق نحو مشروع وطني جامع، يقوم على:

أولاً: بناء الدولة على أساس المؤسسات. وهذا يعني إعادة بناء الجيش والأجهزة الأمنية والقضاء والإدارة المحلية، كخطوة أولى نحو استعادة السيادة. فالدولة التي تقوم على سلطة فردية، لا على مؤسسات، هي دولة هشة، قابلة للانهيار عند أول أزمة.

ثانياً: إخراج السوريين من زواريب الهويات الأولية إلى آفاق هوية وطنية سورية. كمرحلة أولية وليست نهائية، باعتبارها مرتبطة بنتائج الحرب العالمية الأولى وهيمنة المشروع الغربي. وهذا يتطلب مصالحة تاريخية شاملة، لا تقصي أحداً، ولا تلغي أحداً. مصالحة تعترف بالهويات الأولية كجزء من النسيج الاجتماعي، لكنها تتجاوزها كأولوية في تقرير المصير.

ثالثاً: التحول من حالة الاستقطاب الإقليمي والدولي إلى حالة الفاعلية. فسوريا، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها التاريخي، قادرة على أن تكون حلقة وصل بين القوى الإقليمية الصاعدة، بدلاً من أن تكون ساحة لتصفية حساباتها. وهذا يتطلب تحرراً من التبعية، وبناء تحالفات متوازنة، تضمن مصالح سوريا أولاً.

رابعاً: بناء حالة استقطاب واسعة وشاملة. تستطيع إخراج السوريين من أولوية حضور الهويات الأولية في تقرير مصيرهم. وهذا يتطلب خطاباً وطنياً جامعاً، لا يقوم على التخوين أو الإقصاء، بل على التأكيد على وحدة المهددات، والمصير المشترك.

النتيجة: من وهم الدولة إلى وحدة المهددات

ما يجري في سوريا ليس معزولاً عن التحولات الكبرى في النظام الدولي. فمع انحسار الهيمنة الغربية، وصعود قوى ومشاريع جديدة، تصبح سوريا أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف دورها. فالهوية الوطنية السورية، التي فشلت في الصمود أمام الهويات الأولية في ظل ظروف الحرب والاستقطاب، يمكن أن تصمد إذا ما ارتبطت بمشروع وطني حقيقي، يستجيب لتطلعات السوريين، ويحميهم من المهددات الخارجية، شرط نجاحه هو حضور العام على حساب الخاص، وغير ذلك هو الدمار للعام والخاص، وما تجربة السابقين ببعيدة.

والأهم أن الإدراك الجماعي للمهددات الوجودية يمكن أن يشكل حالة استقطاب واسعة وشاملة، تستطيع إخراج السوريين من أولوية حضور الهويات الأولية في تقرير مصيرهم. وهذا هو الطريق الوحيد للخروج من حالة الوهم التي عاشها السوريون لعقود، نحو حالة حقيقية من بناء الدولة والهوية.

فهل يدرك السوريون أن وحدتهم في مواجهة المهددات الوجودية هي الطريق الوحيد للنجاة؟ أم أنهم سيستمرون في الغرق في مستنقع الهويات الأولية، بينما تلتهمهم المهددات الخارجية من كل جانب؟