سوريا: مشروع الإنقاذ الوطني في ظل التحولات الدولية الكبرى (2-2)

هل يدرك السوريون أن وحدتهم في مواجهة المهددات الوجودية هي الطريق الوحيد للنجاة؟ أم أنهم سيستمرون في الغرق في مستنقع الهويات الأولية، بينما تلتهمهم المهددات الخارجية من كل جانب؟

  • الإطار العام لمشروع الإنقاذ الوطني السوري.
    الإطار العام لمشروع الإنقاذ الوطني السوري.

لا يخفى على ذي لب بأن الأزمة السورية لم تكن وليدة السياسات السورية الداخلية المديدة فقط، بل لا تنفصل عن الأزمات المزمنة، التي تعيشها منطقة غرب آسيا بعد الحرب العالمية الاولى 1918، التي لم تتوقف فيها الحروب المتنقلة كنتيجة طبيعية لغياب المشاريع الوطنية القومية والاقليمية، وكثمن باهظ لأهميتها الجيوسياسية والحضارية في قلب العالم القديم.

ومشكلة سوريا ومزيتها بالآن نفسه أنها تشكل قلب القلب، وكانت كلفة موقعها ثمناً باهظاََ في الحرب المستمرة ذات المستويات الثلاث-المحلية، الإقليمية، الدولية- لتؤكد الأحداث الأخيرة بعد تفجير أنبوب الغاز المغذي لثلاث محطات توليد كهربائية وترافقها باستهداف ناقلة ركاب متجهة من حمص إلى قرية فأحل على أرضية اقتصادية مساعدة إثر استمرار العقوبات من الناحية الفعلية بما يدفع للتفكير بخطة إنقاذ عاجلة لن تتحقق نتائجها بشكل مباشر، لكنها تطلق ديناميات التحول الداخلي والإقليمي بما ينسجم مع التحولات خرائط القوة في غرب آسيا والعالم.

الإطار العام لمشروع الإنقاذ الوطني السوري

1. الرؤية: من الدولة المستحدثة إلى الدولة الوطنية

المشروع الوطني السوري يجب أن ينطلق من إدراك أن سوريا، رغم نشأتها المستحدثة، أصبحت واقعاً تاريخياً واجتماعياً لا ينبغي التراجع عنه، بل مرحلة ضرورية لإطار أوسع (كونفيدرالية مشرقية كنموذج) . فلا يمكن العودة إلى ما قبل سايكس-بيكو، ولا يمكن تجاهل أن ملايين السوريين يعيشون على هذه الأرض، ويشتركون في تاريخ وذاكرة وهموم ومصالح. فالخيار ليس بين دولة مستحدثة وأخرى جديدة، بل بين سوريا مرهقة مفككة وسوريا ناهضة موحدة، بين سوريا تابعة وسوريا ذات سيادة.

 الأهداف: أربعة مرتكزات 

 الأول: استعادة السيادة والاستقلال. بمعنى بناء دولة قادرة على حماية حدودها، واتخاذ قرارها المستقل، وعدم السماح لأي قوة خارجية بالتدخل في شؤونها. وهذا يتطلب بناء جيش وطني واحد، وأجهزة أمنية خاضعة للدولة، وسلطة مركزية فعالة، مع التأكيد على ضرورة إعادة الخدمة الإلزامية كوعاء صهر يتيح للسوريين جميعاً  ولو ضمن فترة زمنية محدودة مجالاً للاندماج الوطني كهوية أعلى.

الثاني: بناء المؤسسات. بمعنى بناء دولة القانون والمؤسسات، لا دولة السلطة الفردية. وهذا يتطلب إصلاح القضاء، وبناء إدارة مدنية كفؤة، ومكافحة الفساد، وتوزيع السلطات بين المركز والأقاليم بتفعيل اللا مركزية الإدارية الموسعة.

الثالث: إعادة بناء الهوية الوطنية. بمعنى إخراج السوريين من زواريب الهويات الأولية إلى آفاق هوية وطنية سورية جامعة، لا تلغي الهويات الأولية بل تدمجها في نسيج وطني أوسع. وهذا يتطلب مصالحة تاريخية شاملة، ومناهج تعليمية جديدة، وإعلاماً وطنياً يعزز الوحدة.

الرابع: التنمية الاقتصادية. بمعنى بناء اقتصاد منتج ومتنوع، لا يعتمد على الريع أو المساعدات الخارجية. وهذا يتطلب إعادة بناء البنية التحتية، ودعم الزراعة والصناعة، وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي، والانضمام إلى شبكات التعاون الاقتصادي الإقليمي والدولي.

البرنامج: خطوات عملية

الخطوة الأولى: وقف الصراعات الداخلية. لا يمكن بناء أي شيء في ظل استمرار القابلية للصدام والصراع. وهذا يتطلب تجاوز مرحلة الحرب وتداعياتها ، ومصالحة بين الجماعات السورية، وبناء جيش وطني واحد تحت سلطة الدولة.

الخطوة الثانية: صياغة دستور جديد. يقوم على مبادئ المواطنة المتساوية، واللامركزية الإدارية، والتداول السلمي للسلطة، وحماية الحريات الأساسية.

الخطوة الثالثة: إعادة الإعمار. بتمويل من دول الكتلة الأوراسية، والصين وروسيا وإيران، وبدعم من دول عربية وإسلامية. وإعطاء الأولوية للبنية التحتية الأساسية: الكهرباء، المياه، الطرق، الاتصالات، الصحة، التعليم.

الخطوة الرابعة: الانضمام إلى الكتلة الأوراسية. بمعنى تعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية معها، خاصة من يخوضون المواجهة المباشرة وغير المباشرة، عسكرياً، اقتصادياً، سياسياً ، والانضمام في مرحلة تالية إلى منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس، والاستفادة من مبادرة الحزام والطريق وممر النقل الدولي "شمال-جنوب".

الخطوة الخامسة: تسوية القضية الكردية. بضمان حقوق ثقافية وسياسية للأكراد في إطار وحدة سوريا، ورفض أي مشروع انفصالي، مع الاعتراف بالخصوصية الكردية كجزء من النسيج الوطني السوري، إسوةََ ببقية الخصوصيات.

الخطوة السادسة: الانفتاح على دول الجوار. ببناء علاقات متوازنة مع تركيا والعراق والأردن ولبنان ومصر والسعودية، تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل.

رابعاً: الدور الإقليمي السوري الجديد

1. من ساحة الصراع إلى حلقة الوصل

سوريا، بحكم موقعها الجغرافي في قلب بلاد الشام، قادرة على أن تكون حلقة وصل بين القوى الإقليمية الصاعدة، بدلاً من أن تكون ساحة لتصفية حساباتها. فسوريا تربط بين تركيا والعراق والأردن ولبنان، وهي بوابة بين الخليج والمتوسط. وهذا الموقع يمنحها دوراً استراتيجياً في أي ترتيبات إقليمية جديدة.

2. محور غرب شرق

في ظل التحولات الراهنة، يتشكل محور استراتيجي من شرق المتوسط وحتى حدود الصين يضم سوريا والعراق وإيران وباكستان وأفغانستان، ويصل إلى بكين ، يقوم على المصالح المشتركة في مواجهة المهددات الخارجية، وعلى التعاون الاقتصادي والأمني، كجزء من مبادرة الحزام والطريق. هذا المحور في جزئه الغرب آسيوي يمكن أن يشكل نواة لنظام إقليمي جديد، يعيد الاستقرار إلى المنطقة.

3. العلاقات مع الكتلة الأوراسية

سوريا، بموقعها الجغرافي، يمكن أن تكون جسراً بين الكتلة الأوراسية والمنطقة العربية. فهي تربط ممر "شمال-جنوب" الذي يربط روسيا بالهند عبر إيران، بشرق المتوسط والبحر الأحمر. وهذا الموقع يمكن أن يمنح سوريا دوراً محورياً في التجارة العالمية الجديدة.

 المخاطر التي تهدد المشروع الوطني

خطر التفتيت

ما زال خطر تفتيت سوريا إلى كانتونات متناحرة قائماً، خاصة في ظل وجود قوى خارجية "إسرائيل" تدعم مشاريع انفصالية، وتستثمر في الهويات الأولية لإضعاف الهوية الوطنية.

خطر التبعية

سوريا، بضعفها الاقتصادي وتفككها الاجتماعي، قد تصبح عرضة للتبعية الخارجية، سواء لدول إقليمية تتنافس على النفوذ فيها، أو لقوى دولية تريد استخدامها كورقة في صراعاتها.

خطر عودة واستمرار الصراعات الداخلية

الصراعات الداخلية، بامتداداتها الإقليمية والدولية، قد تتحول إلى أداة بيد العامل الخارجي الذي يختفي خلفها ببروز وهم التهديدات البينية والسيطرة على مسار الصراعات الداخلية. وهذا قد يأخذ الجميع نحو الهاوية.

خطر العزلة

إذا فشلت سوريا في الانضمام إلى الكتلة الأوراسية الصاعدة، فقد تجد نفسها معزولة في عالم يتشكل من كتل كبرى، وتفقد فرصها في الاستفادة من التحولات الاقتصادية والتكنولوجية الجارية.

 الفرص التاريخية

فرصة الانكفاء الأميركي

الانكفاء الأمريكي المستمر يخلق فراغاً في المنطقة، يمكن أن تملأه القوى الإقليمية الصاعدة، ومنها سوريا، بدلاً من أن تملأه قوى معادية. وهذا يمنح سوريا فرصة لاستعادة دورها الإقليمي، بشرط أن تكون قادرة على ذلك بتغيير المسارات الداخلية والقدرة على استقطاب الجماعات السورية.

 فرصة الكتلة الأوراسية

الكتلة الأوراسية الصاعدة تقدم بدائل اقتصادية ومالية وأمنية للدول التي تريد الخروج من الهيمنة الغربية. وسوريا، بموقعها الجغرافي وثقلها التاريخي، يمكن أن تكون شريكاً استراتيجياً لهذه الكتلة، خاصةً حساسيتها كملتقى لقارات العالم القديم،واهمية موقعها شرق المتوسط.

 فرصة التحولات الداخلية

التحولات الداخلية في سوريا، رغم مآسيها، بدأت بتشكيل نواة وعي جمعي جديد  بمخاطر التفتيت والتبعية بعد الاصطدام بالجدار الذي لم يفرق بينهم. وهذا الوعي يمكن أن يكون أساساً لبناء مشروع وطني جديد، يستجيب لتطلعات السوريين، ويحئيهم من المهددات الخارجية والداخلية.

 سوريا بين مصائر ثلاث

سوريا تقف اليوم على مفترق طرق تاريخي: إما أن تجد صيغة جديدة للبقاء والنهوض، وإما أن تتحول إلى كيان مفكك لا وجود له على خريطة القوى الصاعدة، أو تبقى منهكة لا تموت ولا تحيا. والفارق بين المصائر الثلاث يتوقف على قدرة السوريين على إدراك حجم التحولات، وعلى صياغة مشروع وطني جديد ينهض بهم وبهم، لا عليهم.

فهل يدرك السوريون أن وحدتهم في مواجهة المهددات الوجودية هي الطريق الوحيد للنجاة؟ أم أنهم سيستمرون في الغرق في مستنقع الهويات الأولية، بينما تلتهمهم المهددات الخارجية من كل جانب؟