سوريا: مشروع الإنقاذ الوطني في ظل التحولات الدولية الكبرى (1-2)

سوريا تقف على مفترق طرق تاريخي: إما أن تجد صيغة جديدة للبقاء والنهوض، وإما أن تتحول إلى كيان مفكك لا وجود له على خريطة القوى الصاعدة.

0:00
  • سوريا في عين العاصفة من جديد.
    سوريا في عين العاصفة من جديد.

تعاني سوريا من مأزق وجودي غير مسبوق. فبعد أكثر من عقد ونصف من الصراع المدمر، وبعد الانزياح الجيوسياسي الكبير الذي أحدثته نتائج الصراع الداخلي السوري بامتداداته الإقليمية والدولية، لم يصحح المسار المجتمعي والسياسي السوري، بل زادت المخاطر الوجودية على بقاء سوريا كدولة موحدة وكيان سياسي قادر على حماية شعبه. لم يعد السؤال: من يحكم سوريا؟ بل أصبح: هل تبقى سوريا؟

هذا المأزق ليس وليد اللحظة، بل هو حصيلة تراكمية لعوامل عدة: إرث التقسيم الاستعماري الذي أنتج دولة مستحدثة بلا جذور تاريخية، وفشل الأنظمة المتعاقبة في بناء مؤسسات حقيقية، وصعود الهويات الأولية على حساب الهوية الوطنية، ثم الانفجار الداخلي عام 2011 الذي كشف هشاشة البنية الوطنية. لكن العامل الأكثر خطورة اليوم هو أن سوريا تحولت إلى ساحة لتصفية الحسابات الداخلية والإقليمية والدولية في مرحلة تحول النظام العالمي من أحادية القطب إلى تعددية الأقطاب.

ما يجعل اللحظة الراهنة مختلفة عن كل ما سبق هو أن سوريا تقف على مفترق طرق تاريخي: إما أن تجد صيغة جديدة للبقاء والنهوض، وإما أن تتحول إلى كيان مفكك لا وجود له على خريطة القوى الصاعدة. والفارق بين المصيرين يتوقف على قدرة السوريين على إدراك حجم التحولات، وعلى صياغة مشروع وطني جديد ينهض بهم وبهم، لا عليهم.

لماذا هو مأزق وجودي؟

1. إرث الدولة المستحدثة

سوريا، كما نعرفها اليوم، لم تظهر إلى الوجود كنتيجة لتطور تاريخي طبيعي، بل هي دولة مستحدثة فرضها التقسيم الاستعماري عبر اتفاقية سايكس-بيكو 1916، ووعد بلفور الوجه المكمل له 1917. وقد أشارت صانعة الملوك جرترود بيل في مذكراتها عن بلاد الشام 1907 إلى أن قاطني هذه البلاد، عندما يعرّفون عن أنفسهم، فإنهم يعرفون بهامشهم الأولي، سواء كان دينياً أم طائفياً. فمفهوم الدولة المتجذرة لم يأخذ مداه إلا كإطار ملزم للاجتماع، لا كخيار جامع.

هذه النشأة المستحدثة تعني أن سوريا لم تحظَ بالوقت الكافي لتشكيل هوية وطنية جامعة، ولم تمر بالتجربة التاريخية الطويلة التي تصنع الأمم. وجاءت الأنظمة المتعاقبة لتعمق المشكلة، باختزال الدولة في سلطة فردية أو عائلية أو حزبية، بدلاً من بناء مؤسسات حقيقية راسخة.

2. انكشاف وهم الهوية الوطنية الجامعة

مع اندلاع الصراع عام 2011، انكشف وهم الهوية الوطنية الجامعة. فالهويات الأولية (الإثنية، الدينية، الطائفية، القبلية، الجهوية) أثبتت أنها الأصل، وأن الهوية الوطنية الجديدة لا جذور لها. وهذا ليس مفاجئاً في دولة لم تُبنَ أصلاً على قاعدة وطنية جامعة، بل على قاعدة سلطة مركزية تفرض نفسها بالقوة.

لكن هذا الانكشاف ليس نهاية المطاف. إنه دعوة لإعادة التفكير في كيفية بناء هوية وطنية سورية حقيقية، لا على أنقاض الهويات الأولية، بل بالانطلاق منها كجزء من نسيج وطني أوسع.

3. الانزياح الجيوسياسي وارتداداته

جاء الانزياح الجيوسياسي في سوريا كنتيجة تراكمية لمسارين متتاليين: الأول هو الحرب المديدة في سوريا، والتي أفرزت واقعاً جديداً بانتصار أطراف إسلامية من المعارضة، وتحوّل دمشق إلى المحور الغربي الذي لم تكن منفصلة عنه قبل 2011، بعد أن كانت طهران حليفاً استراتيجياً للنظام السابق لعقود. والثاني هو نتائج عملية "طوفان الأقصى" التي أعادت ترتيب الاصطفافات الإقليمية، ووضعت سوريا الجديدة في قلب المعادلة الغربية.

هذا الانزياح العميق لم يصحّح المسار المجتمعي والسياسي السوري، بل زاد المخاطر الوجودية على بقاء سوريا كدولة. فالدولة الجديدة ورثت كياناً مفككاً، ومؤسسات منهكة، واقتصاداً منهاراً، ومجتمعاً ممزقاً. ثم جاءت الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز، والعجز الأميركي عن استعادة السيطرة عليه، لتضيف طبقة جديدة من التعقيد.

الحرب الجديدة في غرب آسيا على مضيق هرمز، ودخول حرب اليمن على الخط بسيطرة صنعاء على مضيق باب المندب، لم يدفعا بانزياح جديد، بل خلقا حالة من الإرباك والترقب. وقد رفضت دمشق التورط في الحرب اليمنية، كما رفضت قبلها التورط في الداخل اللبناني لصالح أجندات أميركية-"إسرائيلية". وهذه المواقف تؤكد أن دمشق تنتظر النتائج النهائية للحرب، وتترقب مصير النظام الإقليمي الجديد الذي سينشأ بعدها.

وفي هذا السياق، تستمر سوريا كساحة للصراع بين قوى إقليمية ودولية متنافسة، بلا سلطة مركزية قادرة على حماية سيادتها. فكل طرف يريد أن يضمن موقعاً له في سوريا الجديدة، وكل قوة تسعى لاستثمار الإرباك السوري لصالحها. وهذا ما يزيد من هشاشة الدولة، ويجعل مستقبلها رهناً بنتائج الحرب التي لم تُحسم بعد.

المتغيرات الدولية الكبرى وانعكاساتها على سوريا

الانكفاء الأميركي المستمر

منذ الحرب على إيران، بدأ الانكفاء الأميركي عن غرب آسيا يأخذ أبعاداً غير مسبوقة. فعجز واشنطن عن استعادة السيطرة على مضيق هرمز، وانسحابها من قواعد عسكرية في الخليج والعراق، وتحوّلها من قوة مهيمنة إلى قوة تبحث عن مخارج مشرّفة، كلها مؤشرات على أن الهيمنة الأميركية في المنطقة قد بدأت تنحسر.

هذا الانكفاء لا يعني نهاية التأثير الأميركي، لكنه يعني أن واشنطن لم تعد القوة الوحيدة القادرة على تحديد مصائر المنطقة. وهذا يفتح المجال أمام قوى إقليمية ودولية أخرى للمشاركة في ترتيب المشهد.

صعود الكتلة الأوراسية

في المقابل، تتشكل كتلة أوراسية صلبة تضم الصين وروسيا وإيران، وتنضم إليها تدريجياً دول أخرى من آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا. هذه الكتلة لا تقدم نفسها كبديل عن الغرب، بل كنموذج جديد للعلاقات الدولية يقوم على التعددية القطبية، والاحترام المتبادل للسيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتعاون الاقتصادي بدل الهيمنة العسكرية.

هذه الكتلة الأوراسية تعمل على إعادة تشكيل النظام الدولي، عبر مؤسسات مثل منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس، وعبر مشاريع كبرى مثل مبادرة الحزام والطريق وممر النقل الدولي "شمال-جنوب". وهي تقدم بديلاً عن النظام المالي الغربي، وتسعى لإنشاء نظام مالي موازٍ لا يعتمد على الدولار.

انعكاسات هذه المتغيرات على سوريا

بالنسبة لسوريا، هذه المتغيرات تحمل فرصاً ومخاطر في آن واحد. الفرص تتمثل في إمكانية الانضمام إلى هذه الكتلة الصاعدة، والاستفادة من بدائلها الاقتصادية والمالية، والخروج من التبعية الغربية التي يتم العمل عليها خارجياً. والمخاطر تتمثل في أن سوريا قد تتحول إلى ساحة للصراع بين القوى المتنافسة، وفي أن غياب السلطة المركزية القادرة يجعلها عرضة للتفكيك.

النتيجة

كل ما سبق يجعل من سوريا في عين العاصفة من جديد، رغم انحسارها الشكلي في عامي 2025-2026. وقد تكون ضحية من جديد، فهي كما وُلدت كنتيجة للحرب العالمية الأولى 1914-1918، فإن مصيرها قد يتغير وربما وجودها بعد نهاية الحرب في غرب آسيا. وخاصةً أن تل أبيب لن يقر لها جفن وسوريا لم تتفكك بعد وتسيطر عليها، ففي ذلك علوّها وبقاؤها.

التهديد الوجودي لا يمكن مواجهته إلا بعمل يوازيه بردّ الفعل، منطلقاً من إطار سياسي اقتصادي اجتماعي، يمكن تبيانه كرأي في الجزء الثاني.