سوريا: الغائب الحاضر في الحرب هل الحياد خياراً؟
لم يكن "الحياد" عبر تاريخ سوريا كله، خيارًا، فلا التاريخ نفسه سمح بتكريسه، ولا الجغرافيا تؤمّن له مكانًا قصيًّا يدير ظهره فيه لحرائق الصراع التي لا تنطفئ بوجود الكيان الإسرائيلي ومشاريعه.
-
لم يكن "الحياد" عبر تاريخ سوريا كله خياراً.
لم تعد التوغلات الإسرائيلية المتواصلة يوميًّا، وقطع الطرقات وإقامة الحواجز واقتحام القرى واعتقال المواطنين في مناطق متفرقة من الجنوب السوري، أخبارًا تلقى الاهتمام اللازم في الإعلامين العربي أو الدولي.
بل حين يقتضي أمر الحديث الإعلامي والسياسي في هذا الشأن، يجري تناوله من جانب واحد فقط، وهو استعداد دمشق التام لمواصلة المباحثات الرامية إلى عقد "اتفاق أمني" مع الجانب الإسرائيلي، وعرقلة الأخير لهذا المسار، والتأكيد على الدور الأميركيّ اللازم والمطلوب على هذا الصعيد.
وصحيحٌ أنّ أخبار العدوان الإسرائيلي – الأميركيّ على لبنان وإيران، وتداعياته الإقليمية والدولية بالغة الأثر والتأثير، قد احتلت مساحات الأخبار كلها على امتداد العالم، بيد إنّ سوريا، الواقعة في قلب منطقة الصراع، لم تكن أبدًا بعيدة أو بمنأى عنه واقعيًّا، بل ميدانيًّا في صور مختلفة.
ذلك وإن بدا أنّ دمشق قد سعت إلى النأي بنفسها، وإعلان "حيادها" بشكل رسميّ، وعلى لسان أرفع المسؤولين الرسميين فيها، عن الصراع الدائر، بل وجهدت في محاولة تكريسٍ إعلاميّ لـ "عقيدة سياسية" جديدة في البلاد التي كانت حتى وقت قريب، قلب "محور المقاومة" وعقدة اتصاله وتواصله وأحد أهم ميادينه الواسعة والمؤثرة، وهي سياسة "النأي بالنفس"، التي لطالما كانت مصطلحًا سياسيًّا لبنانيًّا يثير حفيظة السوريين.
لكن أسئلة عديدة بقيت وستبقى حاضرة بقوة هنا، متجاوزة كل التصريحات السياسية ومحاولات ابتداع النظريات الجديدة وإلباسها لبوسًا واقعيًّا، وأوّلها، هو هل يكفي دمشق حقًّا، أنْ تُعلن الحياد لتتجنّب تبعات هذه الحرب أو ذاك الصراع برمّته؟ وهل يسمح التاريخ والجغرافيا، للجمهورية العربية السورية، أن تواري دورها تحت مظلّةٍ شفيفةٍ من المصطلحات السياسية؟ بل هل يمنح الإسرائيلي نفسه، تلك "الرفاهية" لسوريا وللسوريين الذين شاهدوا الطائرات الحربية الإسرائيلية وهي تتزود بالوقود في عرض سمائهم، طوال الأربعين يومًا الماضية من أيام الحرب، وتلقوا شظايا وبقايا الصواريخ الإعتراضية التي انفجرت فوق مدنهم وقراهم؟ يمكن لسكان بلدة "سرغايا" وحدهم، أن يجيبوا على معظم الأسئلة بوضوح ويقين.
لا يمكن القول إنّ سوريا بدت كبلدٍ محايدٍ بالفعل، على الرغم من أنها نجت، إلى حدّ كبير وبدون خسائر، من التبعات المباشرة لهذه الحرب، لكنها لم تحقق أي مكاسب أيضًا، كما لم يُسمح لها باتّخاذ موضعٍ ثابت وواضح يمكن الإتكاء عليه لتعريفها أو توصيفها في المرحلة المنظورة. يمكن القول إن ما جرى هو "محاولة هروب إلى الأمام"، وهي محاولة جرت تحت ضغط هائل من الجانبين الإسرائيلي والأميركي، وسعيهما الحثيث إلى توريط دمشق بعملية عسكرية باتجاه الداخل اللبناني، كي تُشكّل جهدًا ميدانيًّا مباشرًا ضمن العمليات الهادفة إلى القضاء على المقاومة الإسلامية في لبنان. وثمّة معلومات تفيد هنا، بأن تلك الضغوط قد بلغت أقصاها فعلًا، لدرجة أن الجانب التركي قد بذل بدوره، أقصى جهوده، لمنع تحوّلها إلى واقع.
وذلك من منطلق القراءة التركية للمشروع الإسرائيلي الذي تُشكّل هذه الحرب مفصلًا أساسيًّا منه، والذي ترى فيه أنقرة خطرًا كبيرًا، ليس على مداها الحيوي ومناطق نفوذها المستحدثة وحسب، بل على أمنها الوطنيّ أيضًا. وهنا، يمكن التوصيف بالقول إن دمشق قد وقعت فعلًا بين المطرقة الأميركية (الإسرائيلية) التي تلوّح بنزع "الشرعية" والدعم في حال عدم التموضع العملي في حلفها، وبين السندان التركي الذي يضرب بقوة ليمنع اكتمال بناء "الشّرك" الذي سيطوّق كل "إنجازاتها" في سوريا والمنطقة على مدى السنوات الماضية، وسيضعها أمام استحقاق الدفاع المباشر عن وجودها الحالي في مواجهة "شرق أوسط نتنياهو" الجديد.
خلال ذلك كلّه، حاولت دمشق أنْ "تُلمح" إلى موقعها العملي بطريقة غير مبتكرة، فقد أعلنت أجهزتها الأمنية، وسط الحرب الدائرة، عن إفشال "مخطط إرهابي" يستهدف شخصية دينية في أحد أحياء العاصمة دمشق. وعلى الطريقة الرسمية العربية المعهودة، ذكر البيان أن "خلية تابعة لحزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني"، كانت على وشك استهداف مرجع ديني في دمشق، تبين من خلال تسريبات بدا أنها مقصودة تمامًا، أنّه الحاخام اليهودي سوري الأصل، ميخائيل حوري (ذكرت عدة مصادر إعلامية إسرائيلية أن حوري لا يعيش في دمشق).
وفي حين وجّه "تحالف الحاخامات" في الدول الإسلامية، شكره للسلطات السورية على جهودها في إحباط محاولة الإغتيال، مشيدًا "بحرص الجهات المعنية في سوريا على حماية أفراد المجتمع اليهودي وتعزيز الإستقرار"، نفى بيان صادر عن حزب الله اللبناني، المعلومات الصادرة عن الأجهزة الأمنية السورية، بشأن ارتباطه بخلية إرهابية خططت لعملية اغتيال في دمشق.
وأكّد الحزب في بيانه عدم وجود أي نشاط له في سوريا، مؤكّدًا في الوقت ذاته، أنّ ليس له أي تواجد على الأراضي السورية. وقد أعاد الأمين العام لحزب الله اللبناني، الشيخ نعيم قاسم، تأكيد هذا الأمر في آخر خطاب له، معتبرًا أن الحزب لا يتدخل في الشأن السوري أبدًا، متوقعًا أن تنشأ مقاومة سورية للإحتلال الإسرائيلي في المرحلة القادمة.
والواقع أن كلام الشيخ قاسم لم يستند إلى حتمية تطور المقاومة الإجتماعية لأي محتلّ وحسب، بل وإلى مؤشرات برزت خلال هذه الحرب في مناطق الجنوب السوري، حيث أعلنت عدة مجموعات وأطراف محلية سورية عن استعدادها لمواجهة الإحتلال الإسرائيلي، وذلك خلال تظاهرات شهدتها عدد من القرى والبلدات في الجنوب مؤخّرًا، تخللها دعوات واضحة للانخراط فورًا في مقاومة المحتل.
وفي السياق أيضًا، حرصت عدة مصادر محلية وعربية مؤخّرًا، على الترويج لعمليات "كشف أنفاق" طويلة تصل بين الحدود السورية واللبنانية، والاستيلاء على مخازن سلاح كبيرة في تلك المناطق، في حملةٍ يبدو أن الهدف منها تصدير صورة تُبرز من خلالها، أن الأجهزة السورية تقوم بجهود كبيرة في قطع أي طرق إمداد للمقاومة اللبنانية من خلال الأرض السورية.
وبموازاة ذلك كله، تشير المعطيات أنّ هناك قناعة لدى القيادة السياسية في دمشق، وحليفها التركي خصوصًا، بوجود خطط عسكرية وأمنية إسرائيلية تستهدف الجغرافيا السورية، وقد أكّد وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، ذلك في أكثر من تصريح له مؤخّرًا، هذا الأمر، خصوصًا في قوله إن "الإنشغال بالحرب على إيران" هو ما يحمي سوريا حاليًّا من تطوير الإعتداءات الإسرائيلية على أرضها.
وهذا كلام لا يحتمل التأويل، فتركيا تريد لسوريا أن تكون "رأس حربة" في مواجهة التمدد الإسرائيلي والمشاريع الإنفصالية التي تدعمها "تل أبيب". وبالنسبة لأنقرة، يُعتبر استقرار سوريا هو "استقرار بالوكالة"، لأنه سيكون عليها أن تواجه نتنياهو قرب الحدود التركية، أو على تخوم "حلب" على الأقل، إذا ما غرقت سوريا في المشروع الإسرائيلي. ويؤكد فيدان هذه الصورة هنا، حين يعتبر أنّ "إسرائيل" ترى في النظام السوري الجديد، عدوًّا مؤجّلًا يجب أن تستفيد من وجوده حتى أبعد مدى ممكن حاليّا، بانتظار التفرّغ الكامل لاعتبار تركيا عدودًا جديدًا. ومهمة أنقرة أن تمنع هذا الأمر أو تحدّ منه إلى أدنى درجة، خصوصًا في ظل الضغوط الأميركية الشديدة التي تزيد هذا الأمر صعوبة.
قد تكون الهدنة التي أعلنت بين واشنطن وطهران قبل أيام، وصباح الجمعة في جنوب لبنان، فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنها بالنسبة لسوريا تحديدًا، ستكون أشبه بغرفة ضغطٍ لإجبار دمشق على اتّخاذ مواقف صلبة وحاسمة لا لبس فيها. وقد بدأت بوادر ذلك بالفعل تتكشف في "أنطاليا"، التي قصدها الرئيس السوري، أحمد الشرع، للمشاركة في منتداها السنوي.
لقد وصل الشرع إلى أنطاليا في ساعة إقرار الهدنة على الأرجح، وهناك، حرصَ منذ لحظة وصوله، على تقديم نفسه كشريكٍ أمني إقليمي، وذلك من خلال تصريحاته لوكالة الأناضول، حيث تجاوز كل الخطوط الحمراء التقليدية في السياسة السورية، حين أعلن عن "سعي جدي للتوصل إلى نوع من الإتفاق الأمني مع إسرائيل"، تحت ذريعة الحفاظ على استقرار المنطقة. ويظهر هنا، أنه وعلى الرغم من الحديث السوري المتواصل مؤخرًا، عن "تعطيل" إسرائيل لجميع الجهود التي بُذلت لإتمام هذا الإتفاق، أنّ قنوات التواصل ما تزال مفتوحة تمامًا ولم تُغلق أبدًا، وأن المفاوضات لم تصل إلى طريق مسدود باعتراف الجانب السوري.
إذًا، العلّة هنا كما تشير المعلومات والوقائع، هي أن إسرائيل لا تريد اتفاقًا يقود إلى سلام مع سوريا، بل تطلب "إشرافًا ميدانيًّا" وحريّة عملٍ عسكري وأمني داخل الجغرافيا السورية. وهنا يكمن التحدي الذي يواجه القيادة السورية أولّا، خصوصًا أن الواقع الداخلي في البلاد، بدأ بتظهير الأزمات والاستعصاءات الكبرى، اقتصاديًأ واجتماعيًّا وسياسيًّا، في وجه السلطة، ما سيضع هذه السلطة بين نار الاستحقاقات الدولية التي تطالبها بتنازلات ومهام أمنية وعسكرية مستحيلة تصب في مصلحة إسرائيل، وحرائق الداخل التي تكاد تبلغ حدّ الانفجار، والتي تستند في إحدى اتكاءاتها، على تهة "التفريط" أمام الخارج، والتشدّد في وجه الشعب. هذا، ودون أن نغفل مطالب تركيا بدورها.
لم يكن "الحياد" عبر تاريخ سوريا كله، خيارًا، فلا التاريخ نفسه سمح بتكريسه، ولا الجغرافيا تؤمّن له مكانًا قصيًّا يدير ظهره فيه لحرائق الصراع التي لا تنطفئ بوجود الكيان الإسرائيلي ومشاريعه التي تملك ألف وجهٍ ووجه.
وعليه، فإنّ هدنةً في مكانٍ قريبٍ قرب مثلث الحدود، قد تكون إيذانًا بإلقاء شرارة إسرائيلية على بُعد خطوات، أي هناك، في الجنوب السوري تحديدًا. ولعلّ في حديث المبعوث الأميركي، توم براك، الذي يُحاضر في أنطاليا هذه اللحظات، ما يكشف عن بعض الجوانب المطلوبة في الحالة السورية الراهنة.
فبعد أن "أفتى" الرجل في لقاء على هامش المنتدى، بأن "الديمقراطية" ليست الخيار المناسب لشعوب المنطقة، وأثنى بشكل صريح وفجّ على "الاستبداد" وعدّد ضروراته، اعتبر أنّ سوريا أحوج ما تكون الآن إلى "قائد قوي" يستطيع فرض السلام، في منطقة "لا تفهم سوى منطق القوة"، وتلك رسالة واضحة لأطراف متعددة، يقف الشعب السوري ذاته، في طليعتها.