ساحل الانعتاق والتحرر: بوركينا فاسو تقطع آخر حبال النفوذ الفرنسي
تشهد منطقة الساحل عملية تفكيك جذرية لمنظومة النفوذ الغربي في ساحل أفريقيا الغربي، تحت وطأة سياقات رئيسة بدأت بتغيير وجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
-
ثلاثة تحولات جيوسياسية فجّرت مشهد الساحل الأفريقي.
تمر منطقة الساحل الأفريقي بمنعطف تاريخي يسهم في إعادة صياغة مفاهيم السيادة والنفوذ؛ ويُعدّ تاريخ الـ 26 من حزيران/يونيو 2026 أبرز معالمه، ففي هذا اليوم أعلنت بوركينا فاسو قطع علاقاتها مع فرنسا، في خطوة تجاوزت البعد الدبلوماسي الضيق إلى إعلان صريح بأفول الاستعمار المباشر وغير المباشر،وولادة فضاء جيوسياسي يرفض الوصاية الغربية، ويعكس "شجاعة استراتيجية" في تصفير العلاقة مع المستعمر القديم والانفتاح على نظام متعدد الأقطاب.
ثلاثة تحولات جيوسياسية فجّرت مشهد الساحل
تشهد منطقة الساحل عملية تفكيك جذرية لمنظومة النفوذ الغربي في ساحل أفريقيا الغربي، تحت وطأة سياقات رئيسة بدأت بتغيير وجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر:
- السياق المحلي "فشل المقاربة الأمنية": كسائر المستعمرات الأفريقية، عاشت دول الساحل أوضاعاً اقتصادية واجتماعية بالغة السوء رغم ما تزخر به من ثروات، ومع انفجار الأوضاع الأمنية منذ نحو عقد من الزمن تفاقمت أزمات هذه الدول، وزادت حدة عدم الاستقرار التي تسببت بها الجماعات المسلحة المرتبطة بداعش، وبرزت تداعياتها في كل الصعد، وتنامى السخط الشعبي، وانكشف عجز فرنسا عن تحقيق الاستقرار وبسط الأمن، وتحول الوجود العسكري الفرنسي إلى مظلة تحمي أنظمة هشّة مستلبة تمثل الوجه الآخر لـ"لاستعمار" الفرنسي، ومهّد ذلك لتحولات استقلالية اتخذت طابعاً عسكرياً رفعت شعار السيادة الوطنية.
- السياق الإقليمي "تصدّع إيكواس واستقطاب المحاور": ضعفت البنية المؤسسية للنفوذ الفرنسي التاريخي في غرب أفريقيا؛ وبعد قيام مجموعة "إيكواس" بفرض عقوبات اقتصادية خانقة على دول الساحل ونظمها العسكرية الجديدة الحاكمة بتحريض فرنسي، ارتدت الضغوط على فرنسا والمجموعة، بتأسيس تحالف دول الساحل في أيلول/سبتمبر2023 تلاه الانسحاب من "إيكواس" في كانون الثاني/يناير 2025. قسّم هذا الانسحاب المنطقة إلى محورين متصارعين: محور الساحل المنفتح شرقاً، ومحور الدول الساحلية المرتبطة بفرنسا والغرب.
- السياق الدولي "التنافس الدولي على أفريقيا": تزامنت هذه المتغيرات مع احتدام التنافس الدولي والإقليمي على القارة السمراء، والتسابق الروسي الصيني الأميركي على موقع وموارد القارة، ونشطت دول إقليمية في ذات الملعب، وحاولت روسيا والصين وتركيا التمدد في المساحات التي كانت تشغلها فرنسا قبل تراجع حضورها وتضعضع نفوذها، فدخلت بكين واستثمرت في الموارد المعدنية والبنية التحتية، وتمكنت روسيا من الاستثمار في الوضع الأمني المضطرب عبر "الفيلق الأفريقي"، بينما وفرت تركيا للأنظمة الجديدة مسيّرات البريقدار لتحقيق الردع العسكري والتفوق الأمني، ما مكّن دول الساحل من بدائل دولية وإقليمية ساعدتها في التحرر من الابتزاز الفرنسي.
التسلسل السردي لطرد النفوذ الفرنسي
تدرّجت مالي وبوركينا فاسو والنيجر في تنفيذ خطة إنهاء الهيمنة الفرنسية، فبدأت بالصدام الميداني والتكتل الإقليمي الموحد والقطيعة الدبلوماسية، وهو ما تعكسه المحطات التاريخية التالية:
بدأت انعطافات دول الساحل من مالي في أيار/مايو 2022، حينما ألغت الاتفاقيات الدفاعية وطردت قوات "بارخان" الفرنسية واستبدلتها بالخبراء الروس، وأتبعت ذلك بإلغاء رسمية اللغة الفرنسية. انتقل هذا الزخم إلى بوركينا فاسو بعد توّلي النقيب إبراهيم تراوري للسلطة في أيلول/سبتمبر 2022، ليعلن بعد ثلاثة أشهر طرد القوات الفرنسية، ويتوّج المسار بتصعيد أعلى في 26/6/2026 بقطع العلاقات الدبلوماسية مع باريس واتهامها بدعم شبكات تخريبية. وجاء الرد الفرنسي واصفاً القرار بالعدائي ومعلناً دراسة إجراءات متبادلة، في حين التزمت الأطراف الإقليمية والدولية الصمت.
بالتوازي، أنهت النيجر الاتفاقيات الأمنية مع فرنسا وعلّقت صادرات اليورانيوم إليها، وطردت السفير الفرنسي وأجلت قوات بلاده في كانون الأول/يناير 2023. تبلورت هذه المواقف القُطرية بتأسيس تحالف دول الساحل في أيلول/سبتمبر 2023، أعقب ذلك انسحاب الدول الثلاث من مجموعة "إيكواس" معلنة بذلك قطع خيوط الارتباط بالمستعمر السابق بصورة خاصة ومع الغرب بصفة عامة والاستدارة شرقاً.
كيف تتحرك فرنسا لاحتواء الخسائر؟
بصعوبة بائنة واجهت باريس خسارة نفوذها، وعمدت إلى مراجعة عقيدتها الجيواستراتيجية عبر مسارات رئيسة:
- الانكفاء نحو الدول الساحلية "الحزام القديم البديل": أعادت تموضعها العسكري في تشاد ودول خليج غينيا "ساحل العاج، بنين، توغو، السنغال" ، واستبدلت القواعد الكبيرة بمراكز عمل وتدريب استخباري غير مرئية حتى لا تثير المشاعر المناهضة لها ولضبط الأوضاع في تلك الدول تفادياً لأي خسائر إضافية محتملة.
- الحرب الدبلوماسية عبر الوكلاء: دفعت باريس دول الإقليم الحليفة لتشديد الضغوط الاقتصادية وإغلاق الحدود مع دول التحالف لإحداث أزمات معيشية تؤدي إلى تآكل السند الشعبي للأنظمة الجديدة هناك.
- المواجهة الاستخبارية المركبة: اعتمدت فرنسا خطة سياسية وإعلامية تقوم على دعم قوى المعارضة السياسية والنقابية والاستثمار فيها، يترافق مع ذلك حملة إعلامية موجهة من أجل صناعة رأي عام مناهض لنظم الحكم الجديدة ولفتح ثغرات في جُدرها، بغية إضعافها وإطاحتها.
معركة الاستقلال النقدي
تعي دول تحالف الساحل الصلة بين الاستقلال الوطني والسيادة الاقتصادية، وقد دفعها الوعي إلى التخلي عن الفرنك الفرنسي والتوجه لصك عملة محلية موحدة، بيد أن هذه الخطوة قابلتها معادلة صعبة طرفاها: الفرص السيادية والعقبات الهيكلية.
تكمن الفرص في كسر وصاية باريس النقدية، والامتناع عن إيداع الاحتياطيات الأجنبية في البنك المركزي الفرنسي، وهو ما يمنح التحالف حرية تسعير وبيع ثرواته المعدنية "الذهب واليورانيوم" بالعملة الجديدة أو بعملتَي الشريكين الجديدين الروبل واليوان.
وفي المقابل، تنهض تحديات أمام هذه الفرص، أبرزها الافتقار لغطاء قوي من النقد الأجنبي يحمي العملة الوليدة من مخاطر التضخم وانهيار القيمة، وغياب البنية التحتية لطباعة العملة محلياً، وخروج مطابع السودان للعملة من الخدمة وهي التي كانت تؤمن فرصاً تحمي من التبعية والابتزاز، إضافة إلى تحدي الحصار المالي الدولي عبر منظومة سويفت التي صارت سلاحاً أميركياً مصلتاً على الدول "المارقة" عن بيت الطاعة الأميركي والغربي.
تخوّف الجزائر ونيجيريا من التموضع الجديد
ثمة حالة من الترقب والحذر تخيم على القوى الإقليمية المحورية المحيطة بمنطقة الساحل من جراء المتغيرات الجيوسياسية في فضائها، حيث تتداخل حسابات أمن الحدود مع الصراع على القيادة الإقليمية والمصالح الاستراتيجية، ويخيم الحذر بشكل رئيس على الجزائر وأبوجا، وتعمل كل منهما على التعمق في دراسة مخاطر هذا التحول:
- الجزائر والتوجّس من عسكرة الحدود والدور الإماراتي: بقلق بالغ تنظر الجزائر إلى المخاطر الناجمة عن المتغيرات في دول الساحل بما في ذلك التنافس الاقليمي والدولي، وتأثيرات ذلك على أمنها القومي، وبخاصة من مالي التي ترتبط معها بحدود تمتد لأكثر من 2000 كم، ويتعمق التوجّس من عسكرة الحدود، ومن التغلغل الإماراتي في مالي، وترى الجزائر أن الهدف من هذا التغلغل في دول الساحل هو مسعى لمحاصرتها جيوسياسياً، ما يهدد بانتقال حالة الاضطراب الأمني إلى عمقها مصحوباً بحراك سكاني يصنع طبقة لجوء أفريقي ذات مخاطر متعددة الأوجه والأبعاد.
- نيجيريا وصراع القيادة المأزومة: ظلت أبوجا قائداً فعلياً لمجموعة "إيكواس"، وقد أضعف تمرد دول الساحل نفوذها الإقليمي وكبح طموحاتها، وهدد مشروعها الاستراتيجي الرامي لمد أنبوب الغاز العابر للصحراء صوب أوروبا عبر النيجر والجزائر.
خريطة انتشار الفيلق الأفريقي
قامت موسكو بتفكيك بنية "فاغنر" وتحويلها إلى آلية رسمية تتبع لوزارة الدفاع تحت مسمى الفيلق الأفريقي الذي توزعت قواته على دول الساحل:
- في مالي "العمق والعمليات الهجومية": تعتبر معاقل فرنسا السابقة: تمبكتو وغاو وكيدال، مراكز رئيسة للفيلق الأفريقي الذي تتركز مهامه في تقديم الدعم الجوي للجيش المالي وإسناده ميدانياً لاستعادة الشمال.
- في بوركينا فاسو "حماية النظام والدعم اللوجستي": تتمركز القوات حول العاصمة واغادوغو والحدود الشرقية؛ لحماية الرئيس ابراهيم تراوري، وتدريب القوات الخاصة، وتشغيل المسيرات.
- في النيجر "التموضع الاستراتيجي": تموضع الفيلق في العاصمة نيامي، تم وظف القاعدة الجوية 1.1 في المراقبة والاستطلاع الذي يغطي شمال وغرب أفريقيا، وحقق بذلك اختراقاً جيوسياسياً حرم الغرب من مزايا استراتيجية.
خلاصة القراءة الجيواستراتيجية
أكملت بوركينا فاسو بقرار قطع علاقاتها الدبلوماسية مع فرنسا آخر أواصر العلاقات التاريخية بين الدولتين، ودخل فضاء الساحل بذلك حقبة تاريخية جديدة، إذ لم يعد كما كان "حصناً للنفوذ الفرنسي" لأنه تحول إلى منصة اختبار دولية؛ تتداخل فيها طموحات دول التحالف في السيادة والتحرر والنهوض مع المصالح الجيواستراتيجية لدولتي الجوار نيجيريا والجزائر، بالتزامن مع استقطاب حاد تقوده روسيا عسكرياً والصين اقتصادياً لإزاحة الهيمنة الغربية وتكريس نفوذ الدولتين الساعيتين لإرساء قواعد نظام دولي جديد متعدد الأقطاب، ولتوظيف الموارد الأفريقية في تعزيز قدراتهما الاستراتيجية في الحاضر والمستقبل.
وفي الأفق، تتوقف حصيلة هذا التحول الجيوسياسي على قدرة تحالف الساحل على ترجمة مبادئ الاستقلال الوطني إلى نهضة سياسية واقتصادية واجتماعية شاملة وملموسة، والنجاح في إدارة العلاقة مع الشركاء الجدد بحكمة ورشد وحرص، حتى لا تستبدل تبعية بأخرى، وسيكون اختبار الاستقرار الداخلي وبناء الثقة والشراكة مع المجتمعات المحلية، وتعزيز دورها في قيادة النهضة وصناعة المستقبل وهو العامل الأكثر حسماً في تاريخ المنطقة.