رسالة للبابا لاوون... للمشي حيث مشى المسيح

لا يمكن قراءة الدعوة لزيارة البابا إلى جنوب لبنان (قانا، وصور، وصيدا) من زاوية دينية بحتة، بل يجب مقاربتها في سياق الواقع الأمني والعسكري المشتعل.

0:00
  •  أليس من البديهي أن تكون الأولوية للأرض التي شهدت
    أليس من البديهي أن تكون الأولوية للأرض التي شهدت "التجلّي الإلهي" الأول؟

في خضم التحولات الجيوسياسية التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، تبرز "الدبلوماسية الدينية" كإحدى أدوات القوة الناعمة الأكثر تأثيرًا، ولا سيما حينما يتعلق الأمر بتحركات الكرسي الرسولي.

إن زيارة الحبر الأعظم لمدينة "نيقية" (إزنيق حاليًا) في تركيا، لمناسبة الذكرى الـ 1700 للمجمع المسكوني الأول، وبعدها جدول زيارته للبنان التي تستثني الجنوب اللبناني، يطرح إشكاليات مشروعة حول أولويات الجغرافيا المقدسة في الأجندة الفاتيكانية، ويفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات جوهرية تمس صلب الهوية المسيحية المشرقية وحق المسيحيين في لبنان والمشرق العربي، في تثبيت هويتهم التاريخية للبقاء في هذه الأرض.

لا شك أن لنيقية رمزيتها اللاهوتية والتاريخية في توحيد الكنيسة وتثبيت العقيدة، وزيارة البابا لها تندرج ضمن مساعي التقارب المسكوني والحوار مع الكنيسة الأرثوذكسية. ولكن، أليس من البديهي، وبالمنطق الإيماني والتاريخي المجرد، أن تكون الأولوية للأرض التي شهدت "التجلّي الإلهي" الأول؟

إن التساؤل الذي نطرحه ليس عاطفيًا، بل هو تساؤل يستند إلى حقائق كتابية وأثرية دامغة. إن زيارة البابا لتركيا، مع كل ما تحمله من أهمية، تظل زيارة لـ "تاريخ الكنيسة، أما زيارة قانا وصور وصيدا فهي زيارة لـ "تاريخ المسيح" نفسه.

وإذا كانت نيقية قد شهدت صياغة قانون الإيمان، فإن قانا الجليل اللبنانية شهدت أولى معجزات السيد المسيح (تحويل الماء إلى خمر)، وهي المعجزة التي دشنت رسالته العلنية للعالم. إن تهميش هذه البقعة الجغرافية، أو تركها نهبًا للجدل التاريخي مع روايات إسرائيلية تحاول سلب لبنان هذا الإرث، يعد تقصيرًا دبلوماسيًا وروحيًا بحق المسيحية المشرقية.

أما صيدا وصور، فتشير النصوص الإنجيلية بوضوح لا يقبل التأويل إلى أن السيد المسيح "انصرف إلى نواحي صور وصيدا" (متى 15: 21). ما يعني أن هذه الزيارات لم تكن عابرة، بل كانت جزءًا من جغرافية البشارة.

وعلى هذا الأساس، كان من المفترض أن يسير البابا الى "نواحي صور وصيدا"، فهما ليستا مجرد مدينتين ساحليتين؛ بل هما المدينتان اللتان سار فيهما المسيح، وشفى فيهما المرضى (مثل شفاء ابنة المرأة الكنعانية)، وينتهي به المسار بمغارة قانا.

لكن الإشكالية الكبرى تكمن في النظرة الدولية لجنوب لبنان. ففي الدوائر الغربية، وغالبًا في أروقة القرار الدولي، يُختزَل الجنوب اللبناني في كونه "منطقة عمليات" أو ساحة صراع تحكمها قرارات مجلس الأمن (مثل القرار 1701).

وعلى هذا الأساس، لا يمكن قراءة الدعوة لزيارة البابا إلى جنوب لبنان (قانا، وصور، وصيدا) من زاوية دينية بحتة، بل يجب مقاربتها في سياق الواقع الأمني والعسكري المشتعل.

هذه النظرة الأمنية البحتة تطمس الحقيقة التاريخية الأهم وهي أن هذه الأرض هي امتداد للأرض المقدسة. إن زيارة بابوية لهذه المناطق لن تكون مجرد حج ديني، بل ستكون بمنزلة "إعادة تعريف جيوسياسية" للمنطقة، تنقل المنطقة من كونها "خط تماس" عسكرياً إلى "مزار عالمي" للسلام، ما يفرض نوعًا من الحماية المعنوية والدولية لهذه الأرض وسكانها.

منذ سريان وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وحتى يومنا هذا في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، لم يعرف جنوب لبنان السلام الحقيقي. نحن أمام عام كامل من الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة للسيادة اللبنانية، حيث تحولت القرى التي باركها المسيح بخطواته إلى مسرح لعمليات استنزاف واعتداءات ممنهجة، تضرب بعرض الحائط المواثيق الدولية وقرارات مجلس الأمن.

وإذا كان المسيح قد اختار هذه الأرض (نواحي صور وصيدا) ملاذًا ومكانًا لاجتراح المعجزات، فإن هذه الأرض اليوم تتعرض لمحاولة ممنهجة لاقتلاع أهلها وتغيير هويتها عبر الترهيب العسكري المستمر. المسيح لم يزر هذه المناطق للسياحة، بل زارها لشفاء المرضى وإعطاء الأمل للمهمّشين. واليوم، جنوب لبنان هو "المريض" الذي يحتاج للشفاء من آلة الحرب الإسرائيلية، وهو "المهمّش" دولياً الذي يحتاج للأمل.

انطلاقاً من العقيدة المسيحية نفسها، واستناداً إلى التطويب القائل "طوبى لصانعي السلام"، يمتلك البابا لاوون الرابع عشر اليوم فرصة تاريخية -وربما واجباً أخلاقياً- يتجاوز حدود الصلوات التقليدية. إن "صناعة السلام" في المفهوم الجيوسياسي والديني لا تكون بالبيانات عن بُعد، بل بالحضور الفاعل في قلب الأزمات.

إن زيارة الحبر الأعظم لقانا الجليل أو السير في طرقات صور وصيدا في هذا التوقيت بالذات، وسط التهديدات والاعتداءات الإسرائيلية، كانت ستشكل "درعاً معنوياً" ودولياً للمنطقة. إن الوجود الجسدي لرأس الكنيسة الكاثوليكية في هذه البقعة سيفرض إيقاعاً أمنياً وسياسياً مختلفاً، وسيحرج المعتدي أمام المجتمع الدولي، محوّلاً الأنظار من "أهداف عسكرية" إلى "أماكن مقدسة" يجب حمايتها.