دلالات التباين في المواقف المغاربية من الحرب على إيران

تباين الموقف في دول المغرب العربي من الحرب الصهيونية على إيران امتدّ لحالة جدل سياسي ما بين الرسمي والشعبي وما بين الشعبي والشعبي في الدولة الواحدة.

  • بمجرد بدء الحرب على إيران برزت حالة التباين الواضح في مواقف دول المغرب العربي.
    بمجرّد بدء الحرب على إيران برزت حالة التباين الواضح في مواقف دول المغرب العربي.

برزت بمجرّد بدء الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران حالة التباين الواضح في مواقف دول المغرب العربي؛ وبدلاً من تطابق مواقف هذه الدول ككتلة إقليمية واحدة بدت المواقف وكأنها تعكس خريطة مصالح متباينة تحكمها اعتبارات سياسية بدت أقرب للافتراق منها للتوافق. فما هي مواقف دول المغرب العربي من الحرب على إيران وهل تباينت مواقفها فيما بينها وبين موقفها الرسمي والشعبي؟

تباين الموقف في دول المغرب العربي من الحرب الصهيونية على إيران امتدّ لحالة جدل سياسي ما بين الرسمي والشعبي وما بين الشعبي والشعبي في الدولة الواحدة. والبداية من موريتانيا التي تقدّم موقفها الشعبي عن غيره من المواقف وقد استقبل السفير الإيراني جواد آبو علي أكبر في إفطار سياسي دعا إليه حزب التجمّع الوطني للإصلاح والتنمية الموريتاني.

 والمفارقة أنّ الحزب وجّه دعوة لمجموعة سفراء ولم يلبِّ الدعوة إلا السفير الإيراني، الذي حظي باستقبال حار وعناق طويل حتى تحوّل المشهد إلى حالة من الجدل، ولا سيما عقب الترحيب الموريتاني الشعبي باختيار مجتبى خامنئي مرشداً للجمهورية الإسلامية خلفاً لوالده الشهيد علي خامنئي.

لم يكتفِ الموريتانيون باستقبال السفير الإيراني على مائدة الإفطار؛ ولكن كانوا مع كلّ ضربة صاروخية تنفّذها إيران ضدّ "إسرائيل"، تنطلق الزغاريد ويتعالى الصراخ المؤيّد من المنازل ومن المطاعم التي خصصت شاشات كبيرة لمتابعة مجريات الحرب.

هذا الموقف الشعبي الموريتاني لا يتطابق مع الموقف الرسمي للدولة، فموريتانيا حاولت أن تمسك العصا من الوسط رفضت الحرب على إيران ورفضت استهداف دول الخليج وبدا موقفها أكثر دبلوماسية من دول أخرى كالمغرب مثلاً، فخلال الاجتماع الاستثنائي لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، شدّد وزير الخارجية محمد سالم ولد مرزوك على "أنّ الأمن القومي العربي كلّ لا يتجزّأ"، وأدان الهجمات التي طالت عدداً من الدول الخليجية والعربية، مؤكّداً "تضامن موريتانيا معها في مواجهة أيّ تهديد لسيادتها أو استقرارها".

ولكن بينما كانت الدولة تؤكّد تضامنها مع دول الخليج؛ كانت السفارة الإيرانية في نواكشط مزاراً لشخصيات سياسية ودينية ومدنية لتقديم التعازي في استشهاد قائد الثورة ومرشد الجمهورية الإسلامية، وقد أصدرت السفارة الإيرانية بيان شكر اعتبرت فيه أنّ حضور المسؤولين والبرلمانيين ورؤساء الأحزاب ومشايخ الطرق الصوفية وممثّلي المجتمع المدني يعكس عمق الروابط الإسلامية والإنسانية بين الشعبين الإيراني والموريتاني.

ومن حياد موريتانيا إلى اصطفاف المغرب التي لم تكتفِ بالتباين بين موقفها الرسمي والشعبي ولكنها انحازت لدول الخليج، فكانت المغرب أول دول المغرب العربي التي عبّرت عن دعمها وتضامنها مع الدول الخليجية؛ وفي بيان نشرته وزارة الخارجية المغربية، أدانت المملكة المغربية وما وصفته بـ "العدوان الإيراني" معتبرة أنه يمثّل "انتهاكاً صارخاً لسيادة هذه الدول واعتداءً غير مقبول على أمنها وتهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة".

وأكدت الرباط "تضامنها التامّ مع الدول العربية الشقيقة"، جاء هذا التأكيد على لسان وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، أثناء انعقاد الدورة غير العادية لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، وعبّر بوريطة عن إدانة بلاده لما سمّاها "الاعتداءات الإيرانية"، واصفاً إياها بالانتهاك الصارخ لسيادة تلك الدول وتهديداً مباشراً لأمن المنطقة ككلّ؛ وقال بوريطة إنّ العاهل محمد السادس يعتبر دائماً أمن واستقرار دول الخليج من أمن المغرب: "ما يضرّكم يضرّنا وما يمسّنا يمسّكم".

لم تكتفِ المغرب بالانحياز لدول الخليج ولكنها ذهبت إلى ردع الموقف الشعبي إذ لوحظ أنّ السلطات المغاربية لم تتساهل مع دعوات التظاهر للاحتجاج على الحرب الأميركية -الإسرائيلية على إيران، وقد شهدت مدينة مكناس أحدث تدخّل نفّذته القوات العمومية، حيث قامت بتفريق وقفة احتجاجية قال منظّموها إنها جاءت تضامناً مع الشعبين الإيراني والفلسطيني إزاء ما يتعرّضان له من عدوان".

وكانت الوقفة قد دعا إليها فرع الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع، غير أنّ القوات الأمنية طلبت من المشاركين فضّ التجمّع بدعوى أنّ الوقفة غير مرخّصة. وقوبل هذا القرار برفض المحتجين الذين اعتبروا منعهم تضييقاً على حقهم في التضامن مع الشعوب التي تتعرّض للعدوان، من إيران إلى فلسطين ولبنان.

المفارقة أنه بينما كان إسلاميو موريتانا أكثر تبايناً عن الموقف الرسمي للدولة وأكثر وضوحاً في موقفهم من الحرب على إيران، تطابق موقف إسلاميو المغرب مع الموقف الرسمي للدولة، ففي بيان صدر عن حزب العدالة والتنمية عقب اجتماع أمانته العامّة، جدّد الحزب رفضه "للعدوان الصهيو-أميركي على إيران"، ورفض ما وصفه بـ "الاعتداءات الإيرانية على جيرانها"، بل ودعت الأمانة العامة للحزب القيادة الإيرانية إلى الامتناع عن الردّ على العدوان باستهداف دول الخليج".

إذا كان موقف المغرب وانحيازها لدول الخليج ورفضها إدانة الحرب على إيران يبدو مفهوماً لاعتبارات سياسية كالموقف الأميركي من الصحراء الغربية ومصالحها الاقتصادية والنفطية مع دول الخليج والتطبيع مع "إسرائيل"، إلا أنّ موقف الجزائر بشقّيه الرسمي والشعبي يبدو غير مفهوم، وقد كان موقف الجزائر مفاجئاً فرغم علاقتها بإيران واختلاف مُحدّداتها عن مُحدّدات المغرب لجهة التطبيع إلا أنها تجنّبت إدانة الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وأعلنت تضامنها بشكل واضح مع الإمارات وهو ما يُعدّ تحوّلاً ملفتاً في موقف الجزائر من دول الخليج ومن إيران.

 عقب الهجوم الأميركي -الإسرائيلي على إيران بيوم واحد استقبل وزير الشؤون الخارجية الجزائري أحمد عطاف، سفراء الدول العربية التي كانت وفق ما جاء في بيان الخارجية الجزائرية "ضحية اعتداءات عسكرية في سياق موجة التصعيد الحالية في المنطقة".

وأمام ضيوفه السفراء، عبّر عطاف عن "التضامن الكامل للجزائر مع الدول العربية الشقيقة التي تعرّضت لهجمات عسكرية"، مؤكّداً الدعم "المستمر للإخوة العرب في مواجهة الانتهاكات غير المقبولة التي تعرّضوا لها والأضرار البشرية والمادية الناتجة عنها". والملاحظ في موقف الجزائر أنها لم تستنكر الضربات الأميركية الإسرائيلية التي تعرّضت لها إيران، ولم تأسف أو تستنكر اغتيال مرشد الجمهورية الإسلامية الشهيد علي خامنئي.

المفارقة الأخرى أنّ موقف الجزائر المفاجئ هذا من الحرب على إيران واغتيال مرشدها قد جاء بعد شهرين من لقاء الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي، الذي دعاه لزيارة رسمية لإيران.

يُذكر أنّ موقف الجزائر هذا يختلف تماماً عن موقفها خلال عدوان الاثني عشر يوماً في حزيران/يونيو 2025، وحينها استنكرت الجزائر الضربات الإسرائيلية على إيران واغتيال مسؤولين إيرانيين وقالت الجزائر حينها إنّ " العدوان لم يكن ممكناً من دون إفلات المعتدي من العقاب".

لم تشهد الجزائر حراكاً شعبياً على الأرض يعبّر عن الموقف الشعبي من الحرب على إيران وهو ما يمكن فهمه من خلال الحساسية المفرطة للدولة الجزائرية مؤخّراً من التجمّعات الشعبية إلا أنه من جهة أخرى يعكس قدرة الدولة على تأميم الأحزاب السياسية والمجتمع المدني والرأي العامّ وأنّ قبضة الدول منعت الخروج للتظاهر أو إبداء أيّ موقف معارض لموقف الدولة الرسمي.

في تونس بدا الموقف مختلفاً عن نظيرتيها المغرب والجزائر وأكثر حيادية واستقلالية، فالدولة لها موقف سياسي دبلوماسي مفهوم إلى حدّ ما، والشارع التونسي له موقفه المختلف هو الآخر، والموقف الرسمي عبّرت عنه وزارة الخارجية والهجرة والتونسيون في الخارج بأنها "تتابع الوضع في إيران والدول المجاورة لها، ولا سيما دول الخليج بـ "انشغال عميق وقلق شديد"، مضيفة أنها "تجدّد تمسّكها باحترام مبدأ سيادة الدول". وأنها "تدين كلّ اعتداء على أراضي أيّ دولة أو انتهاك حرمتها الترابية".

والموقف الشعبي عبّر عنه المواطنون التونسيين في شوارع العاصمة تونس بتنظيم وقفة احتجاجية تنديداً بالهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقد رفع المتظاهرون شعارات مناهضة لـ "إسرائيل" وداعمة لإيران. وشاركت في التظاهرات أحزاب ومنظمات بينها الاتحاد التونسي للشغل وحزب العمال وحركة الشعب وحزب التيار الشعبي. وقال الأمين العامّ لحزب العمال التونسي حمة الهمامي: "نحن في الشارع للتعبير عن تنديدنا بالعدوان الهمجي الأميركي الصهيوني على إيران، ونعتبر أنّ هذا العدوان ليس على إيران فقط وإنما على شعوب المنطقة والشعوب العربية والإسلامية، والعدوان امتداد لحرب الإبادة على غزة والضفة ولبنان وسوريا واليمن".

ختاماً دلالات التباين في مواقف دول المغرب العربي من الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران تعني أنه أولاً: لا يوجد موقف واحد لهذه الدول ككتلة سياسية وجغرافية واحدة تُعبّر عنه ما يعني استحالة توافق واتفاق هذه الدول فيما بينها.

ثانياً: لم تكن مواقف هذه الدول محكومة بمصالحها ومحدّداتها الخاصة وعلاقاتها القائمة ولكنها راعت اعتبارات اقتصادية وسياسية أخرى.

ثالثاً: بدت دول الأطراف، تونس وموريتانيا، أكثر حيادية واستقلالية من دول المركز المغرب والجزائر.

رابعاً: الرأي العامّ لا يُؤخذ في الحسبان كعامل مهمّ في صياغة المواقف الرسمية والخطابات السياسية لهذه الدول.

خامساً: يمكن تفهّم موقف دول المغرب العربي من دول الخليج، ولكن ما لا يمكن تفهّمه صمتها عن الحرب على إيران واغتيال قادتها فهل في صمتها تأييد لواشنطن و "تل أبيب"؟

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.