حين يصبح الإعدام سياسة: الكيان الصهيوني يشرّع فناء الفلسطيني
ما حدث في الكنيست هو لحظة انكشاف كاملة: كيان مأزوم يرفع المشنقة إلى مقام التشريع، ويظن أن الحبل يمكن أن يطيل عمر مشروع متصدّع. لكنه يفعل العكس تمامًا.
-
هذا القانون لا يشي فقط بالقسوة، بل يشي ببنية تمييزية صارخة.
لم يعد الاحتلال الصهيوني يكتفي بأن يقتل الفلسطيني في الميدان، أو يطارده تحت الركام، أو يعذّبه في الزنازين، أو يتركه فريسة للإهمال الطبي البطيء. لقد قرر الآن أن يرفع الجريمة إلى مرتبة القانون، وأن ينقل المشنقة من الظل إلى النص، ومن الممارسة إلى التشريع، ومن شهوة الانتقام إلى عقيدة حكم معلنة.
وحين يصبح الموت مادة قانونية يحتفل بها المتطرفون، فإننا لا نكون أمام "دولة" فقدت رشدها فحسب، بل أمام مشروع استعماري بلغ من التوحش حدّ أن يشرّع فناء ضحيته باسم العدالة.
تشريع الجريمة
ما أقرّه الكنيست ليس قانونًا بالمعنى الذي استقرت عليه البشرية حين ربطت القانون بفكرة العدالة، بل هو انقلاب صريح على جوهر القانون نفسه. فحين تضع سلطة احتلال عقوبة الإعدام في يد محاكمها العسكرية لتحاكم بها أبناء الشعب الواقع تحت احتلالها، وبوتيرة تنفيذ متسارعة، ومن دون أفق حقيقي للعفو أو المراجعة المنصفة، فإنها لا تنشئ نظامًا للعدالة، بل تقيم منصة رسمية للانتقام. هنا لا يعود النص أداة لتنظيم الحياة، بل يصبح أداة لإدارة الموت.
سقوط القناع
الأخطر من نص القانون هو المناخ الذي أحاط به. لم يُقدَّم التشريع بوصفه عبئًا أخلاقيًا أو ضرورة ملتبسة، بل جرى تمريره وسط أجواء احتفاء من رموز اليمين الصهيوني المتطرف. وهذه ليست تفصيلة هامشية، بل مفتاح القراءة كله.
لأن السلطة حين تحتفل بتشريع الموت، فهي تعلن أنها لم تعد ترى في القانون قيدًا على العنف، بل أداة لتزكيته. وهي، بذلك، تسقط آخر القشور التي طالما احتمت بها أمام العالم، وتكشف أن ما تسميه "ديمقراطية" ليس، في لحظة الاختبار، سوى جهاز هيمنة يغيّر لغته حين يشاء، لكنه لا يغيّر جوهره.
تمييز مقونن
هذا القانون لا يشي فقط بالقسوة، بل يشي ببنية تمييزية صارخة. فالعقوبة لا تُطرح داخل فضاء قانوني متساوٍ، بل داخل منظومة احتلال تعرف مسبقًا من هو الخصم ومن هو السيد، ومن يُمنح ضمانات أوسع ومن يُساق إلى محكمة استثنائية.
ولهذا جاءت التحذيرات الحقوقية والأممية مركزة على طابعه التمييزي، لأنه لا يضع الجميع أمام ميزان واحد، بل يؤسس عمليًا لعدالتين: واحدة للمحتل، وأخرى للواقع تحت الاحتلال. وهنا تتحوّل المشنقة من أداة عقابية قصوى إلى عنوان مكثف لنظام فصل قانوني وسياسي كامل.
محكمة الاحتلال ليست عدالة
من الوجهة القانونية، لا تقف الخطورة عند حدود النص العقابي، بل تمتد إلى البنية التي ستنتجه وتنفذه. فالقانون الدولي الإنساني، وخصوصًا ما يتصل بالأراضي المحتلة في اتفاقية جنيف الرابعة، يحيط أي حديث عن عقوبة الإعدام بقيود صارمة واستثنائية للغاية، ولا يبيح تحويلها إلى أداة سهلة في يد سلطة الاحتلال.
كما أن شروح اللجنة الدولية للصليب الأحمر تؤكد الطبيعة الضيقة جدًا لهذه الإمكانية، بما يمنع استخدامها كوسيلة ترهيب سياسي أو كجزء من منظومة إخضاع جماعي. ولذلك، لم يكن عابرًا أن يحذّر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان من أن هذا القانون ينتهك القانون الدولي، وأن تطبيقه قد يرقى إلى جريمة حرب.
أزمة مشروع
لكن المسألة، في عمقها السياسي، أبعد من مجرد مخالفة قانونية. هذا التشريع ليس علامة قوة، بل علامة خوف. فالدولة الواثقة من مشروعها لا تحتاج إلى أن تتكئ على الحبل كي تثبت وجودها، ولا تحتاج إلى أن ترفع الانتقام إلى مقام السياسة.
حين يعجز الاحتلال عن كسر إرادة شعب، يبدأ في توسيع أدوات البطش، لا لأنه مطمئن، بل لأنه مأزوم. وحين ينتقل من الإبادة في الميدان إلى تقنين الإعدام في المحاكم، فإنه لا يقدم برهانًا على السيطرة، بل يقدّم اعترافًا مقنعًا بفشل أعمق: فشل في إخضاع الفلسطيني، وفشل في إنتاج أفق سياسي، وفشل في إقناع العالم بأنه ما زال يتحرك داخل حدود الدولة الطبيعية.
حين يفقد الموت وظيفته
اليمين الصهيوني يتوهم أن المشنقة تصنع الردع. لكنه يتجاهل الدرس الأبسط في تاريخ القهر الاستعماري: حين يُسلب الإنسان كل أفق للحياة، لا يعود الموت عقوبة رادعة بالمعنى التقليدي. بل قد يتحوّل، في وعي شعب مكلوم، إلى مادة تعبئة، وإلى نقطة اشتعال، وإلى لحظة توليد لرموز جديدة.
وحين يُدفع الأسير من الزنزانة إلى حبل الإعدام باسم القانون، فإن الاحتلال لا يطوي الصفحة، بل يفتح صفحات أشد قسوة عليه هو، لأن الدم الذي يُراد له أن يرهب قد يصبح، في سياق آخر، وقودًا لانفجار أكبر.
هنا يبلغ العمى الاستراتيجي ذروته: يظن القامع أنه أغلق الطريق، بينما يكون في الحقيقة قد وسّع دائرة النار. فحين يُنزَع من الإنسان أمله في الحياة، لا يعود الموت عقوبة رادعة بالمعنى المألوف، بل قد يغدو، في لحظة اليأس الكامل، شرارةً إضافية لانفجار أكبر.
شراكة الصمت
ولا يمكن فصل هذا الانحدار عن المناخ الدولي الذي أتاحه. فمثل هذه التشريعات لا تولد فجأة، بل تنمو في ظل الإفلات المزمن من العقاب، وفي ظل عالم يكتفي بالاستنكار حينًا، وبالتعبير عن القلق حينًا آخر، لكنه يترك الجريمة تتدرج من ممارسة إلى سياسة، ومن سياسة إلى نص قانوني.
الصمت هنا ليس حيادًا. والتقاعس ليس موقفًا بريئًا. كلاهما شريك في توسيع مدى التوحش، لأن الجلاد الذي لا يُحاسب يتعلم سريعًا أن يرفع سقف الجريمة من دون خوف.
إعدام السياسة
في النهاية، ليس هذا قانونًا لإعدام أسرى فلسطينيين فقط. إنه قانون لإعدام ما تبقى من الادعاء الإسرائيلي باحترام القانون، وإعدام لفكرة التسوية، وإعدام لأي وهم يمكن أن يراهن على أن هذا اليمين ما زال يتحرك داخل فضاء السياسة لا خارجها.
ما حدث في الكنيست هو لحظة انكشاف كاملة: كيان مأزوم يرفع المشنقة إلى مقام التشريع، ويظن أن الحبل يمكن أن يطيل عمر مشروع متصدّع. لكنه يفعل العكس تمامًا. فـ"الدولة" التي تشرّع الموت وهي تهتف له، لا تعلن اتزانها، بل عمق خوفها، واتساع أزمتها، واقترابها من تلك اللحظة التي تتحوّل فيها كل أدوات بطشها إلى وثائق إدانة تاريخية ضدها.