حكومة دمشق واتهامات لا تنقطع لحزب الله
يدرك حكام سوريا كل الأسباب التي تمنع حزب الله من استخدام الأرض السورية بخلاف رغبتهم الراهنة، ولكنهم يصرّون على توجيه الاتهام تلو الاتهام إلى حزب الله، ما يبعث على التساؤل عن خلفية هذا الإصرار.
-
خلفية وأسباب تصاعد اتهامات دمشق لحزب الله.
يواصل حكّام دمشق كيل الاتهامات لحزب الله بإصرار يبعث على السؤال حول حقيقة هذه الاتهامات وخلفياتها، خاصة في ظل الهجوم الإسرائيلي الواسع ضد لبنان، وفي أجواء العدوان الأميركي- الإسرائيلي على إيران، وهل هناك بالفعل بنية تحتية لحزب الله في سوريا؟ وهل هي مرتبطة بما يطلقون عليه "الفلول"؟ وماذا يفعل حاخام إسرائيلي في دمشق ليخطط حزب الله لاغتياله؟ وكيف أصبحت فكرة مقاومة المحتل الإسرائيلي في جنوب سوريا تهمة تسترعي الاعتقال والشيطنة؟
لا يعيب حزب الله أن يستهدف إسرائيلياً في دمشق أو دبي أو في أي مكان في العالم، كما لا يعيبه أن يشكل خلايا لاستهداف الطيران الإسرائيلي في سماء الجنوب السوري، ومن حقه الطبيعي أن يقصف أي تسلل إسرائيلي على الأرض السورية، وهو يمتلك الشرعية السياسية والأخلاقية في كل ذلك، ولكنه لا يفعل وينفي كل هذه الاتهامات بشكل واضح لا لبس فيه.
سبق لحزب الله أن وقف ضد الحرب على سوريا وتدخل لصالح بنية نظامها السابق، إدراكاً منه أن لبنان وسوريا مصير واحد بالنتيجة، وسقوط الممانعة في سوريا خنق للمقاومة في لبنان خاصة في إمداداتها التسليحية، وفتح لممر داوود الإسرائيلي في عمق الأرض السورية، وتحول الأرض السورية إلى مساحة إسرائيلية ضد لبنان في ظل الفراغ السيادي الناشئ، وهو ما يحصل الآن من دون مواربة، إذ يستخدم الإسرائيلي جنوب سوريا للالتفاف في عمق البقاع خاصة عبر طائرات الأباتشي، وهو ما وقع عدة مرات خلال العدوان الراهن.
ينفي حزب الله كل اتهام توجهه حكومة دمشق بهذا الخصوص، ليس من أجل الإسرائيلي بالتأكيد، فقد دخل معه في مواجهة ميدانية شاملة بعد صبر بارد استمر 15 شهراً، وأن تأتي هذه الاتهامات السورية في خضم العدوان لا يزيد حزب الله ولا ينقصه من أمره شيئ مع الإسرائيلي أو تجاه حكومة لبنان المتواطئة مع العدوان، ولكن حزب الله ينفي هذا الاتهامات بإصرار لأسباب عدة، أهمها:
أولاً: لأنه بالفعل ترك الساحة السورية في ظل التطورات الجديدة، وهو حريص على طي صفحة الماضي، وليس من مصلحته الدخول في عداء متجدد مع حكام دمشق الجدد بغض النظر عن توجهاتهم الصريحة في إطار الفلك الأميركي.
ثانياً: يدرك حزب الله صعوبة التحرك في الساحة السورية خاصة مع تصاعد الشحن الداخلي والطائفي ضده.
ثالثاً: يحرص حزب الله على عدم الزج بأنصار المقاومة هناك في ظل اختلاط الحابل بالنابل، ولا يخفى أن هناك من يحاول الربط بين أي تحرك مقاوم للإسرائيلي يصدر من هؤلاء، باعتباره خروجاً على النظام الجديد ما يبعث على تصعيد الوحشية التي وصلت حد ارتكاب مجازر الساحل في صيف العام الماضي.
رابعاً: أولوية حزب الله واضحة تجاه الداخل السوري، وهي تتصل بتجاوز الماضي، على الرغم من صحة نظرته السياسية إزاء هذا الماضي، وفي حال تم هذا التجاوز، فأولويته كانت وستبقى تفعيل خط إمداده، وليس دفع الساحة السورية نحو خيارات لا تريدها حكومتها السابقة أو الراهنة، ولا يخفى أن النظام السابق لم ينخرط في "طوفان الأقصى"، وهو ما التزم به حزب الله تجاهه، على الرغم من قدرته في ذلك الوقت على دفع الساحة السورية إلى المشاركة بعكس رغبة نظامها، ولكنه تعامل مع الحد الأدنى وهو بقاء الساحة السورية خط إمداد تسليحي وسياسي، وهو ما يفتقده الآن ولن يسعى إليه من دون توافق مع حكومة دمشق أو بعض تياراتها.
خامساً: يراهن حزب الله على تغيرات سورية داخلية، يضطر فيها حكامها إلى تغيير ولو نسبي في اصطفافهم الحالي، ولعل التظاهرات السورية المتضامنة مع الأسرى الفلسطينيين مؤخراً فتحت نافذة أمل مع ما يحيط بها من نوايا لم تتضح، خاصة مع الغطرسة الإسرائيلية المتنامية ضد سوريا، والتي وصلت حد الحديث الإسرائيلي عن مواجهة المحور السني في سوريا وتركيا، والنظر إلى حكومة دمشق باعتبارها مجرد عصابة من إفرازات "داعش"، على الرغم من المفاوضات المباشرة التي جرت بين الطرفين، والتي اندفعت فيها دمشق أكثر من "تل أبيب" باتجاه اتفاق أمني، ولكن "تل أبيب" تريثت لأسباب تتعلق بخطط إسرائيلية تتم تهيئتها باتجاه الدولة الدرزية وممر داوود، إضافة إلى تنازلات سياسية جوهرية يريد الإسرائيلي فرضها على دمشق.
يدرك حكام سوريا كل الأسباب التي تمنع حزب الله من استخدام الأرض السورية بخلاف رغبتهم الراهنة، ولكنهم يصرّون على توجيه الاتهام تلو الاتهام لحزب الله، ما يبعث على التساؤل عن خلفية هذا الإصرار في كيل هذه الاتهامات لحزب الله وهي لا تعيب حزب الله بقدر ما تعيب هؤلاء الحكام وهم يتصدون لأي فعل مقاوم ضد "إسرائيل" التي تحتل أرضهم وتقتحم بيوتهم؟
خلفية وأسباب تصاعد اتهامات دمشق لحزب الله:
أولاً: ربط أي فعل مقاوم لـ"إسرائيل" داخل سوريا بفترة الحرب الداخلية مع النظام السابق عبر الربط مع حزب الله، ويراد من ذلك كبح جماح الشباب السوري الأصيل الذي يسعى للمقاومة وليس له أدنى ارتباط بأي جهة تنظيمية، خاصة مع ظهور دعوات للمقاومة الشبابية متأسية بالمجابهة التي وقعت في قرية بيت جن السورية بداية شتاء 2025، والتي هرع فيها العشرات من الشباب السوري واشتبكوا مع التوغل الإسرائيلي وأوقعوا في صفوفه عدة إصابات، ما أقلق حكام دمشق كون دعوات كهذه يمكن أن تؤسس لمقاومة سورية شعبية تخالف توجهات النظام السوري الراهن.
ثانياً: تصاعد الاتهامات لحزب الله في ظل العدوان الإسرائيلي الراهن، يأتي في سياق الضغط على حزب الله، وهو ضغط يأتي من قصر بعبدا ومن دمشق، في ظل كثافة التواصل بين الطرفين، وحتى مع حزب القوات اللبنانية المتطرف، والتناغم المعلن بينهما ضد سلاح حزب الله.
ثالثاً: تبرير الاعتقالات التي يشنها أمن النظام السوري ضد الشباب المقاوم في جنوب سوريا، باعتبار ارتباطهم بالنظام السابق عبر الإشارة إلى دور حزب الله.
رابعاً: تعميق الفجوة بين الواقع السوري الجديد وبين محور المقاومة، باعتبار أن النخبة السياسية والدينية في سوريا تركز على أولوية استقرار سوريا ورفع العقوبات الأميركية، ولو على حساب تجاهل الاحتلال الإسرائيلي لجنوب سوريا.
خامساً: تعزيز اصطفاف النظام السوري ضد إيران في الحرب الأميركية- الإسرائيلية عليها، عبر تذكير الشارع السوري بإصرارٍ مزعوم من حزب الله على التدخل بالشأن السوري.
سادساً: تؤسس هذه الاتهامات السورية ضد حزب الله، لمرحلة مستقبلية ربما يندفع نحوها النظام السوري للتدخل في لبنان، في ظل تصعيد العدوان على إيران ولبنان، واحتمال استئناف القتال في ظل الهدنة الهشة التي يتم خرقها صبح مساء، ولا يغيب عن البال تحريض المبعوث الأميركي توم برّاك الذي لا يغادر سوريا حتى يعود إليها، والذي أعلن رغبة حكومة دمشق بضم لبنان باعتباره منتجعاً سورياً.
ولا تخفى محاولات إغراء النظام السوري بدور إقليمي يتجاوز حجمه الراهن وينقذه من خلفيته الداعشية، ويقدم له ورقة اعتماد شرعية عالمية، في وقت صدرت فيه عدة إشارات من دمشق بهذا الخصوص، ليس آخرها تهديدات وزارة الداخلية السورية لحزب الله بشكل صريح ولا أولها الشحن الطائفي التكفيري الصادر عن مفتي سوريا أسامة الرفاعي.
تتداخل كل الأسباب في تصعيد الاتهامات السورية ضد حزب الله، لتشكل في مجموعها خطاب استجداء تجاه "تل أبيب"، في محاولة هروب متواصلة لحكام دمشق وعلى رأسهم رئيس النظام الجديد من ماضيه القريب، وهو يعي أن أطماع نتنياهو في سوريا لها أول وليس لها آخر، فهل ينفع استجداء كهذا على حساب التراب السوري ومستقبل الأمة في صراعها الأبدي مع أشد الناس عداوة للذين آمنوا؟