حكومة الزيدي بين منطق المؤسسة ومنطق العُرف.. من ينتصر للدولة العراقية في إعادة تعريف نفسها؟
ما تفعله حكومة السيد الزيدي في ملفات تدوير وظيفي، مروراً في إعادة هيكلة الملف الأمني إلى ضبط ملف السلاح وتسليم الأمن الداخلي لجهاته الطبيعية، ليس سوى تعبير عن محاولة جادّة لدولة تريد أن تكون واحدة موحّدة؟
-
من ينتصر للدولة العراقية في إعادة تعريف نفسها؟
بين المؤكّد والمتداول وفي لحظة من تلك اللحظات النادرة التي تتقدّم فيها الدولة على ظلّها، ينطلق الاستفهام الاستنكاري الأفصح بياناً في الرأي العامّ العراقي، هل يُصبح القرار الإداري أكثر جرأة من تردّده المعتاد؟
وبخاصة بعد ما أطلق رئيس الوزراء السيد علي الزيدي جملة من القرارات بتدوير عدد من شاغلي المواقع المهمة في أجهزة الدولة، فبدا الأمر في ظاهره خبراً إدارياً عابراً، لكنّ جوهره كان أقرب إلى إعلان نية من نيات الإصلاح؛ نية دولة تريد أن تستعيد لنفسها صفة الفاعل الواحد بعد عقدين ونيّف من التغيير، تقاسمت فيهما أطراف لها ارتباطات ومصالح حزبية وفئوية داخلية وخارجية متعدّدة؛ كعكة الوطن بموارده ومقدّراته كلّها؛ وتُرجع حقّ التأثير المؤسساتي في القرار العامّ، وكأنّ العراق في هذه اللحظة بالذات، يقف أمام مرآته الإدارية ليسأل نفسه سؤالاً أعاده إلى مربّعات الترهّل والفساد الهرمي: من يملك القرار فعلاً؟
ولأنّ الإجراءات الكبرى لا تأتي منفصلة عن سياقها، فإنّ قرار التدوير هذا، لا يمكن قراءته بمعزل عن سلسلة من الخطوات الموازية التي تشهدها البلاد في الوقت نفسه، خطوات تتقاطع جميعها عند نقطة واحدة: هي إعادة ترتيب البيت الأمني والإداري للدولة العراقية على أساس الكفاية بمبدأَي (الثواب والعقاب)، لا على أساس التراكم التاريخي للمواقع والمصالح، وهي خطوات ربما تأتي بما يستحقّ التوقّف عنده بعناية، من خلال توافق مضمر مع الإطار التنسيقي بصفته الكتلة السياسية الأكبر وشركائه في هيكلة المشهد الحكومي الراهن، بعدما أثّر في رصيدهم السياسي وقواعدهم الإنتخابية، الأمر الذي يوفّر لهذا المسار الإصلاحي، غطاءً سياسياً واسعاً، ويُعطي للسيد الزيدي مساحة مشروطة ومؤقتة في تصحيح ما (اعوجَّ) وأصبح سُنة سيئة في بناء المؤسسات.
فعلى مستوى المواقع الأمنية العليا، شهدت الأيام الأخيرة تغييرات في مواقع جهاز الأمن الوطني، مستشارية الأمن القومي، وزارتَي الداخلية والدفاع، والحشد الشعبي. وهي مواقع تُعدّ من أكثر المواقع حساسية في بنية الدولة، لأنها تمثّل العين التي يرى فيها البلد تهديداته، والذراع التي تنفّذ بها قراراتها الاستباقية، وتغيير من يتولّى هذه المواقع التي تغوّل فيها السياسيون حتى صنعوا من المسؤول "موظفاً تنفيذياً" لهم ولمصالحهم. فحتى وإنْ جاء في إطار التدوير الوظيفي الاعتيادي، فإنه يحمل في توقيته الحسّاس وسياقه الإنعاشي؛ دلالة على رغبة حقيقية في إعادة صياغة آلية صنع القرار الأمني، علّه يجعلها أكثر مهنية وأقلّ ارتباطاً بحسابات الأفراد أو الجهات.
وأما الملف الأكثر تعقيداً، والذي يفرض على الكاتب أن يتحرّك فيه بحذر شديد من دون الانزلاق إلى تبسيط مُخلّ أو تسييس غير مسؤول، فهو ملف ضبط السلاح وإعادة تنظيم العلاقة بين العمل العسكري والعمل السياسي في البلاد، هنا؛ ومن دون الدخول في تفصيلات قد تُفهم خطأ أعيدك سيدي القارئ إلى موقع الميادين نت للإطلاع على مقالة (العقيدة الأمنية وتنظيم القوة: لماذا يُعدّ الحشد الشعبي الوريث الشرعي لسلاح الفصائل؟)؛ لأنها تمثّل قراءة عميقة للجذور، وحلولاً وازنة للعبور من هذا النفق الملغوم، لإنهاء أيّ التباس قد ينشأ بين من يحمل البندقية ومن يخوض الانتخابات، وهذا التوجّه على الرغم من حساسيته البالغة، إلا إنّه يصبّ في مصلحة الجميع من دون استثناء، لأنه يحمي الفصائل الوطنية نفسها من أن تتحوّل، عن قصد أو عن غير قصد، إلى عنصر استنزاف في معادلات لا تخصّها، تماماً كما يحمي الدولة من أية ازدواجية في مصدر القوة لأمنيَها الوطني والقومي، وما يميّز هذا الملف في هذه المرحلة بالذات أنه يسير بحسب ما تتوافر من معطيات إلى تفاهم وتوافق مع الإطار التنسيقي نفسه، وهو ما يمنحه طابعاً تصالحياً بعيداً عن لغة الإقصاء السياسي أو المواجهة على مستوى القواعد الشعبية.
وفي موازاة ذلك؛ أرى أنّ الدولة تتجه إلى إنهاء ما اعتاد العراقيون تسميته بعسكرة المجتمع والمدن، من خلال تقليص نقاط التفتيش الكثيفة وتسليم الملف الأمني الداخلي بشكل كامل من المؤسسة العسكرية إلى الجهات الشرطية والاستخبارية المتخصصة في وزارة الداخلية -على أنّي أؤشر أنها بحاجة إلى إعادة هيكلة وتدريب وتأهيل جذرية- لأنها مؤسسات ذات بعد إنساني- خدمي قبل أن تكون أمنية، وذاكرة المواطن الذي عاش لسنوات طويلة تحت وطأة السيطرات الأمنية المكثّفة؛ تستحقّ أن تمسح من أرشيفها تلك المشاهد من الطوابير المفروغه المعنى والأداء، ويشعر المواطن بأنّ الأمن أصبح بديهيّاً لا استثناءً، وأنّ حركته اليومية ومعاملاته الرسمية لم تعد مرهونة بحالة ارتجالية تحرّكها فواعل الترند والتسويق الدعائي للمسؤول.
ولا يفوت القارئ العزيز الحصيف؛ أن يلحظ تزامن هذا الحراك الداخلي مع نشاط دبلوماسي دولي وإقليمي لافتينِ نتيجة العدوان الإسرائيلي- الأميركي على الجمهورية الإسلامية، تتقدّمه زيارة المبعوث الأميركي توم برّاك إلى العراق، وهذا التزامن؛ وإن كان غير مشروع إلا أنه يثير تساؤلات واستنكارات لدى الشارع العراقي، وينبغي أن يُقرأ بعقل الحكمة لا بعقل التخمين، فالعراق دولة ذات قرار سيادي، وما يجري داخله من إصلاح إداري وأمني -وأتمنى أن يشمل الملف الإعلامي أيضاً وحرية التعبير المقننة- هو حاجة داخلية أصلاً قبل أيّ اعتبار آخر، وإنْ كان من الطبيعي أن تتقاطع توقيتات الإصلاح الداخلي مع متغيّرات الإقليم، فهذا لا يعني أنّ أحدهما نتيجة للآخر، بل يعني أنّ العراق يحاول في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، أن يقدّم نفسه كدولة قادرة على ضبط بيتها الداخلي بمعزل عن ضغوط الخارج، وهذا في حدّ ذاته إنجاز سياسي لا يقلّ أهمية عن الإنجاز الإداري.
وما يستحقّ التثبيت في هذا السياق أنّ هذا المسار بأكمله، من التدوير الوظيفي إلى إعادة الهيكلة الأمنية إلى ضبط ملف السلاح، لا يسير بمعزل عن الإطار التنسيقي، بل في ظلّ تفاهم سياسي معه بوصفه الكتلة الأكثر تمثيلاً للقوى المنخرطة في العملية السياسية، وهذا التوافق هو ما يحوّل هذا المسار من قرار حكومي منفرد قد يُواجه بالاعتراض؛ إلى مشروع وطني تشاركي توافقت عليه القوى السياسية الفاعلة، للخروج من مستنقع الفشل المتكرّر في عقلية إدارة الدولة ومؤسساتها، الأمر الذي يرفع من فرص نجاحه ويقلّل من احتمالات أن يتحوّل إلى مادة للاستقطاب السياسي.
وعلى الرغم من هذا التوافق، إلا أنّ الموضوعية تفرض نفسها في الإشارة إلى أنّ مثل هذه التحوّلات، بحجمها وحساسيتها، لا تخلو من قلق طبيعي لدى بعض الأطراف التي ترى في إعادة ترتيب المواقع وإعادة تعريف العلاقة بين السلاح والسياسة؛ تهديداً وجودياً لمواقعها التقليدية. وأحذّر كلّ الحذر، من استغلاله ذريعة لنشاطات مشبوهة خارج إطار الأمن المجتمعي، وإن كان هذا القلق مفهوماً من زاوية المصلحة الحزبية، لكنْ يجب ألا يُسمح له بأن يعطّل مساراً تتفق عليه أغلب القوى الفاعلة ويصبّ في مصلحة الدولة والمواطنة، لأنّ استحقاقات بناء الدولة تتجاوز في النهاية حسابات الصفقات السياسية الضيّقة.
خلاصة القول: إنّ ما تفعله حكومة السيد الزيدي في ملفات تدوير وظيفي واداري في مفصلات الدولة وسلطاتها، مروراً في إعادة هيكلة الملف الأمني إلى ضبط ملف السلاح وتسليم الأمن الداخلي لجهاته الطبيعية، وصولاً إلى إنفاذ القانون وتفعيل النزاهة الوطنية؛ ليس سوى تعبير عن محاولة جادّة لدولة تريد أن تكون واحدة موحّدة، لا دويلات ظلّ داخل الدولة كما هي الحال، ولا حكومات تصفير للموازنات الانفجارية التي تلعن من سبقها وتتكتّم على من تقاسم معها، بل أن تكون قراراتها المالية والأمنية والإدارية سيادية، صادرة عن مصدر مسؤول يُعطى الصلاحيات والوقت، ويُحاسب عند التقصير والاستغلال، وأن تتحرّر -الدولة- تدريجياً من إرث عقدين من تشظّي القرار.
وهذا الحقل الملغوم؛ بقدر ما هو محفوف بالتحدّيات والحساسيات الخطرة بسبب الفساد والمفسدين المتجذّرين، إلا إنه يحمل في طيّاته فرصاً حقيقية لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وبين الدولة ومؤسساتها، في لحظة إقليمية تستدعي من العراق؛ أن يكون أكثر تماسكاً من أيّ وقت سابق، ويحجز مقعده في نظام إقليمي- دولي جديد؛ عماده: قرار الدولة وحصانة المجتمع. ولكم في ما حصل في الجمهورية الإسلامية من انتصار مقتدر (درس واعتبار) يا أولي السلطة والقرار.