حدود سلاح العقوبات الأميركية في مواجهة اقتصاد إيراني تعلّم الصمود والإفلات
الاقتصاد الإيراني يدفع ثمناً بسبب البلطجة الأميركية. لكن، يظل السؤال السياسي مختلفاً: هل استطاعت العقوبات تحويل هذا الألم الاقتصادي إلى تنازل إيراني شامل؟ الإجابة هي "لا".
-
إيران: اقتصاد مُعاقب، لكنه ليس محاصراً بالكامل.
منذ عقود، تتعامل الولايات المتحدة مع العقوبات الاقتصادية باعتبارها واحدة من أهم أدوات الضغط على خصومها. الفكرة تبدو بسيطة، وهي إذا حُرم الخصم من النفط والأسواق والتمويل والتحويلات، فسوف تتراكم الضغوط داخله، ثم يضطر إلى تغيير سلوكه أو تقديم تنازلات سياسية.
لكن التجربة الإيرانية، خصوصًا خلال السنوات الأخيرة، تكشف أن هناك فارقاً كبيراً بين إيلام الاقتصاد وبين إجبار الدولة على الاستسلام لشروط واشنطن.
صحيح أن الاقتصاد الإيراني تضرر بفعل العقوبات، وتأثرت العملة الوطنية والتجارة والإيرادات النفطية، لكن في النهاية لم تصل تلك الأضرار إلى "حدّ الخطر" الذي يمكن أن يجبر دولة مثل إيران على تغيير سلوكها السياسي تفادياً للعقوبات، خاصة أن الخضوع لواشنطن لا يعني في أي حال تحسين الوضع الاقتصادي، بل على العكس، ستُفرض حينها أجندات غربية لإدارة الاقتصاد، تدفع نحو الخصخصة وبيع الأصول وتخفيض الدعم وتسليم الملف الاقتصادي إلى مجموعة من السماسرة المحليين والوكلاء، وهو ما يعني تدهور أحوال البلاد عامة، شيء شبيه بما جرى لدولة مثل روسيا ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
بشكل عام، توضّح دراسات تاريخية لمعهد بيترسون أن العقوبات الأميركية الأحادية منذ عام 1970 حققت أهداف السياسة الخارجية في 13% فقط من الحالات، وفي أفضل الأحوال وصلت إلى نحو الثلث. وأياً كان الرقم، فإنه مؤشر قوي على محدودية فعالية العقوبات الأحادية عندما تستخدم وحدها لإجبار خصم عازم على المقاومة.
إيران: اقتصاد مُعاقب، لكنه ليس محاصراً بالكامل
القوة الحقيقية لإيران في مواجهة العقوبات لم تكن في قدرتها على منع الضرر، بل في قدرتها على التكيّف مع الضرر. فإيران طوّرت على مدار سنوات شبكة واسعة من الشركات الوسيطة وشركات الواجهة وشبكات الصرافة والتحويلات غير الرسمية والمقايضة وتجارة النفط عبر وسطاء وسفن وطرق متعددة. وتشير وثائق رسمية إلى أن شبكات "الظل المصرفي" الإيرانية تمكنت من نقل المليارات عبر عشرات الكيانات والشركات الأجنبية.
وهذا لا يعني أن العقوبات أصبحت بلا أثر؛ على العكس، الاقتصاد الإيراني يدفع ثمناً بسبب هذه البلطجة الأميركية. لكن، يظل السؤال السياسي مختلفاً: هل استطاعت العقوبات تحويل هذا الألم الاقتصادي إلى تنازل إيراني شامل؟ الإجابة هي "لا".
في أغسطس/آب 2026، صعّدت واشنطن حملتها الاقتصادية، وفرضت عقوبات جديدة على عشرات الكيانات والأفراد والسفن، وهددت الدول والشركات التي تتعامل مع إيران بعقوبات ثانوية.
لكن واشنطن واجهت المشكلة نفسها، وهي أن بعض أهم الشرايين الاقتصادية الإيرانية موجودة خارج النظام الأميركي أصلاً، وعلى رأسها الصين.
الصين هي الثغرة الكبرى
إذا كانت الولايات المتحدة تريد خنق إيران اقتصادياً بصورة كاملة، فإن عليها في الواقع أن تضغط على أهم مشترٍ للنفط الإيراني، وهو الصين.
وهنا تتغير المعادلة، فالصين ليست دولة صغيرة يمكن تهديدها بسهولة بحرمانها من السوق الأميركية، بل قوة اقتصادية وعسكرية وسياسية كبرى، ولها مصالح مباشرة في الحصول على الطاقة بأسعار مناسبة. وتُشير تحليلات حديثة إلى أن الصين تشتري الغالبية الساحقة من صادرات النفط الإيرانية، بينما تعتمد تجارة النفط بين الطرفين على ترتيبات مالية ولوجستية تقلل الحاجة إلى النظام المالي الأميركي.
والأكثر دلالة أن واشنطن، رغم تهديدها بفرض عقوبات ثانوية، لم تتجه حتى الآن إلى استهداف أكبر المؤسسات المالية الصينية بالطريقة التي يمكن أن تقطع فعلياً هذا الشريان؛ لأن ذلك قد يحوّل العقوبات على إيران إلى مواجهة اقتصادية مباشرة مع الصين.
وتكشف هذه المعضلة حدود القوة الأميركية نفسها، فربما تستطيع واشنطن أن تهدد الشركات الصغيرة والمتوسطة، لكنها كلما اقتربت من القوى الكبرى أصبحت تكلفة استخدام سلاح العقوبات أعلى على الولايات المتحدة والنظام المالي العالمي نفسه.
هل تستطيع الدول الخاضعة للعقوبات أن تتحالف؟
هذه هي النقطة الأهم التي تتجاوز الحالة الإيرانية نفسها. الدول التي تتعرض لعقوبات أميركية لديها مصلحة مشتركة واضحة، وهي تقليل اعتمادها على النظام المالي والتجاري الذي تستطيع واشنطن التحكم فيه. وهذا دفع بالفعل دولاً مثل إيران وفنزويلا (في عهد تشافيز ومادورو) وروسيا وكوريا الشمالية إلى تجربة أدوات مشتركة أو متشابهة، مثل: المقايضة، التجارة بالعملات المحلية، شركات الواجهة، شبكات النقل البديلة، التعامل بالذهب، وتطوير قنوات مالية خارج النظام الغربي.
ولم يعد الأمر مجرد احتمال نظري؛ فهناك أمثلة فعلية على التعاون. فقد استخدمت إيران وفنزويلا صفقات مقايضة للنفط والوقود والذهب والسلع، وفي عام 2021 تعزز التعاون النفطي بينهما بهدف مساعدة فنزويلا على الإفلات من العقوبات الأميركية، كما تشير تقارير ودراسات حديثة إلى استخدام إيران وروسيا والصين للمقايضة والتسويات باليوان والعملات المحلية لتقليل الاعتماد على الدولار.
لكن، لماذا لم يتحوّل ذلك إلى "تحالف للعقوبات" يشبه، ولو جزئياً، الدور الذي كان يؤديه الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة؟ السبب هو أن هذه الدول ليست كتلة متجانسة على المستوى الأيديولوجي، فلكل دولة مصالحها وحساباتها، وبعضها يخشى أن يؤدي التعاون العلني مع دولة معاقبة إلى عقوبات أميركية إضافية.
كما أن معظمها لا يمتلك القدرة الاقتصادية التي كان يمتلكها الاتحاد السوفياتي لتوفير سوق بديلة واسعة وتمويل وتسليح وحماية سياسية لحلفائه. ولذلك، نشأ بدل التحالف الكامل نظام مرن من المصالح المتقاطعة، فإيران تبيع النفط، والصين تشتريه، وروسيا تتبادل السلع والطاقة، ودول أميركا الجنوبية تتعاون في النفط.
وهذا ربما هو التطور الأخطر بالنسبة إلى السياسة الأميركية، فالعقوبات التي كان يُفترض أن تعزل الدول المستهدفة قد تدفعها تدريجياً إلى بناء عالم اقتصادي مواز.
عندما يُسحق الشعب باسم "تأييد حريته"
تكشف الممارسات الاقتصادية والسياسية للقائمين على القرار في واشنطن عن فجوة هائلة بين الشعارات المرفوعة والواقع الميداني المعاش، ففي الوقت الذي تتوالى فيه التصريحات الغربية والأميركية بزعم العمل على "دعم الشعب الإيراني وتمكينه من نيل حريته"، تأتي العقوبات الاقتصادية الشاملة لتعكس استراتيجية مناقضة تماماً.
فالمتضرر الأول والمباشر من هذه السياسات ليس النخبة الحاكمة، بل الطبقات الوسطى والفقيرة من أفراد الشعب. فعندما تُفرَض القيود المالية والحظر النفطي، يُترجَم ذلك فوراً في حياة المواطن اليومية بشكل سلبي.
هذا الأمر يشبه بالضبط، قيام الطيران الأميركي باستهداف المدارس والمصانع والجسور والمنشآت السكنية داخل إيران، طوال الشهور الماضية؛ رغم أن دونالد ترامب كان يزعم أنه تدخل نصرة للشعب الإيراني فإذا به يقتل أطفاله، ويخرب اقتصاده، ويعمل على تجويعه بكل طاقته.
تكشف هذه المفارقة أن الهدف الأميركي لا يتصل بالقيم الإنسانية أو حرية الشعوب، بقدر ما يدور حول رغبة في الهيمنة وتجميع أدوات الضغط الجيوسياسي. إن الاستراتيجية الأميركية تعتمد ببساطة على مراهنة ماكرة مفادها دفع المجتمع إلى الحافة عبر سلاح التجويع والغلاء، أملاً في تحويل المعاناة إلى سخط شعبي يزعزع الاستقرار الداخلي ويتكفل بإسقاط النظام من الداخل نيابة عن واشنطن.
الحدود السياسية لسياسة الإخضاع
إن المشكلة الحقيقية في منظومة العقوبات ليست في عدم قدرتها على إلحاق الأذى، بل في فشلها الجوهري في تحقيق الأهداف السياسية المعلنة.
تُقدم التجربة الإيرانية دليلاً ساطعاً على هذا الإخفاق؛ فالعقوبات تنجح بالفعل في جعل الحياة أكثر صعوبة، لكنها تصبح عاجزة وقليلة الفعالية عندما تكون الدولة المُستهدفة مستعدة لترتيب أولوياتها وتحمّل التكلفة الباهظة، وعندما تنجح في إيجاد أسواق وشُركاء بدائل، وعندما تكون هناك قوى كبرى على الساحة الدولية مستعدة للحفاظ على حد أدنى من التعامل التجاري والاستراتيجي معها.
ولهذا السبب بالذات، خلصت أدبيات العلوم السياسية والدراسات التاريخية إلى أن العقوبات الاقتصادية لا تنجح إلا عندما تكون متعددة الأطراف ومحددة الهدف ومرتبطة بمطلب سياسي واقعي ومُمكن التحقق. أما عندما تحوّلها القوى الكبرى إلى أداة عقاب جماعي واستراتيجية طويلة الأجل لإخضاع دولة بأكملها، فإنها تفقد مشروعيتها وفعاليتها العملية، لتتحوّل من سلاح سياسي إلى مجرد أداة لإلحاق الأذى بالشعوب من دون تغيير معادلات القوة على أرض الواقع.