حافة الهاوية الأميركية: استعراض القوة بديلاً عن الحرب المباشرة مع إيران

لا يمكن استبعاد سيناريو أن تكون إيران صاحبة الضربة الأولى أو اليد الطولى في أيّ مواجهة مقبلة، ليس بدافع المغامرة، بل باعتبارها محاولة لفرض معادلة جديدة تُنهي حالة الاستنزاف.

  • استراتيجية
    استراتيجية "الخنق الصامت".. وإمكانية أن تقلب إيران الطاولة؟

مع تصاعد الانتشار العسكري الأميركي في "الشرق الأوسط"، وتركّزه الواضح حول إيران، يبرز سؤال مركزي حول طبيعة هذا التصعيد: هل تستعد الولايات المتحدة لشنّ عدوان عسكري مباشر على إيران، أم أنّ ما يجري يندرج ضمن استراتيجية إنهاك أوسع تهدف إلى تطويق طهران واستنزافها سياسياً واقتصادياً، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة؟

هذا التساؤل يكتسب أهمية خاصة في ظلّ التعقيدات الإقليمية والدولية التي تجعل أيّ مواجهة مفتوحة ذات كلفة مرتفعة على واشنطن وحلفائها.

خلال الأسابيع الماضية، عزّزت الولايات المتحدة وجودها العسكري عبر إرسال حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" إلى المنطقة، وزيادة انتشار الطائرات المقاتلة من طراز F-15، إلى جانب نشر منظومات دفاع جوي متقدّمة مثل Patriot وTHAAD. 

هذا التصعيد أعاد إلى الواجهة سيناريوهات الحرب، وأثار جدلاً واسعاً بين المراقبين حول الخطوة الأميركية التالية؛ فبينما يرى البعض أنّ هذه التحرّكات تمهّد لضربة عسكرية وشيكة، يشكّك آخرون في قدرة واشنطن على تنفيذها، في ضوء حسابات المصالح الأميركية، ومواقف الحلفاء الإقليميين، وطبيعة الردّ الإيراني المحتمل.

التعزيزات الأميركية: تهديد مباشر أم فخّ للاستنزاف؟

تاريخياً، حرّكت الولايات المتحدة أساطيلها وحاملات طائراتها أكثر من مرة، وعادت إلى قواعدها من دون تنفيذ عمليات عسكرية واسعة، حدث ذلك أيام بيل كلينتون ضدّ كوريا الشمالية بين عامي 1993 و1994 فيما سمّي بـ"الأزمة النووية الأولى"، وحدث أيضاً ضدّ إيران بين عامي 2019 و2020، خلال فترة ولاية ترامب الأولى، حتى أنّ حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" رست لفترة طويلة بالقرب من مضيق هرمز، وكان منجز الإدارة الأميركية الوحيد في تلك الفترة هو اغتيال قائد فيلق القدس، الشهيد قاسم سليماني، وعلى أهمية تلك العملية، إلا أنها لا ترتبط بشكل مباشر بالـتموضع العسكري الأميركي الضخم الذي حصل.

تعي واشنطن أنّ إيران ليست لقمة سائغة؛ فهي لديها المقدرة على إغلاق مضيق هرمز بشكل تامّ، ما سيؤدّي إلى قفزة جنونية في أسعار النفط العالمية قد تنهار معها اقتصادات كبرى، كما أنها تملك استراتيجية "الدفاع الهجومي" عبر شبكة واسعة من الحلفاء في المنطقة، بما في ذلك حزب الله في لبنان وحركة أنصار الله في اليمن والحشد الشعبي في العراق، ناهيك عن التهديد الإيراني بشنّ "حرب شاملة" تستهدف المصالح الأميركية والقواعد المنتشرة في الخليج، وصولاً إلى العمق الإسرائيلي، وذلك رداً على أيّ ضربة أميركية، حتى لو كانت محدودة الأهداف.

وقد اختبر الإسرائيليون قدرة إيران على تهديد عمق كيانهم الاستراتيجي خلال حرب الأيام الاثنتي عشرة، وهو ما دفع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، على غير العادة، إلى السعي لثني دونالد ترامب عن توجيه ضربة عسكرية لإيران، أو بصورة أدقّ، إلى العمل على إبقاء "إسرائيل" خارج أيّ مواجهة مباشرة محتملة بين واشنطن وطهران. وفي هذا السياق، جرى توجيه رسائل عبر وسطاء تفيد بأنّ "جيش" الاحتلال لا يعتزم تنفيذ ضربة استباقية ضدّ إيران، في محاولة لتقليص احتمالات تعرّض "إسرائيل" لردّ إيراني مباشر.

إضافة إلى ذلك، لا يمكن للولايات المتحدة شنّ حرب على دولة مثل إيران في ظلّ معطيات إقليمية معاكسة لهذا الخيار. فالتجارب السابقة تشير إلى أنّ الجيش الأميركي لا يُقدم على تدخّل عسكري واسع إلا بعد ضمان حدٍّ أدنى من التأييد الإقليمي لقراراته. وفي الحالة الإيرانية، ترفض الدول العربية المؤثّرة، والحليفة تقليدياً للبيت الأبيض، وفي مقدّمتها السعودية والإمارات ومصر، أيّ مواجهة عسكرية مع طهران، بل تسعى إلى تأدية دور الوسيط بين واشنطن وإيران في محاولة لاحتواء التصعيد. وينطلق هذا الموقف من إدراك جماعي بأنّ كلفة الحرب ستكون مرتفعة، وأنّ تداعياتها ستنعكس سلباً على أمن واستقرار المنطقة ومصالحها الاقتصادية.

وعليه، تتضاءل احتمالات إقدام دونالد ترامب على توجيه ضربة عسكرية ضدّ إيران، إذ لا يملك خيار شنّ حرب محدودة، بعدما قطعت طهران الطريق على هذا الاحتمال بإعلانها الضمني أنّ "أيّ ضربة، حتى وإن كانت استعراضية، ستُواجَه بردّ شامل". كما أنّ ترامب، بعقليته المالية البراغماتية، وفي ظلّ الأوضاع داخل الولايات المتحدة ذاتها، لا يبدو مستعداً للتورّط في حرب طويلة في الشرق الأوسط. وفي هذا الإطار، يُرجَّح أن يكون الوجود العسكري الأميركي أداة دبلوماسية، تُستخدم كـ "مطرقة" لترهيب إيران ودفعها إلى التراجع عن دورها الإقليمي، وهو هدف أشار إليه ترامب صراحة في استراتيجية الأمن القومي الصادرة مطلع كانون الأول/ديسمبر 2025.

في جوهر الأمر، لا تستهدف الولايات المتحدة إيران بوصفها دولة بقدر ما تستهدف دورها الإقليمي. فلو بقيت إيران مندمجة في المنظومة الغربية ومتصالحة مع "إسرائيل"، كما كان الحال قبل عام 1979، لما كانت موضع استهداف اليوم.

وانطلاقاً من ذلك، تقوم مقاربة ترامب على تعزيز الوجود العسكري الأميركي، ونشر عشرات الآلاف من الجنود، وتشديد الحصار البحري، والإعلان المتكرر بأنّ الضربة العسكرية توشك أن تحدث، في إطار سياسة الإجهاد الشديد التي تجمع بين التهديد العسكري والعقوبات الاقتصادية وضرب تماسك المجتمع، بالتوازي مع دعم العناصر التخريبية والانفصالية التي نشطت خلال الشهر الماضي داخل إيران. 

ويهدف هذا التصعيد إلى زعزعة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الإيراني إلى أقصى حدّ، بما يفرض على طهران القبول بتسوية لا تقتصر على الملف النووي، بل تشمل برنامج الصواريخ، والأهمّ تقليص نشاطها الخارجي المعارض للهيمنة الأميركية، وهو ما تدرك واشنطن أنّ الإذعان له سيضع النظام الإيراني أمام أزمة وجودية.

البعد الاقتصادي للوجود العسكري

تتلاقى الرؤية السياسية مع المصالح التجارية لشركات السلاح الأميركية، فقد خلقت التعزيزات الأميركية حالة من "القلق الأمني" لدى دول الخليج، ما دفعها لتعزيز قدراتها الدفاعية. إذ وقّعت السعودية وقطر والإمارات صفقات ضخمة لشراء منظومات "ثاد" و"باتريوت"، وتشغيل خبراء أميركيين لإدارة هذه المنظومات.

ففي عامي 2025 -2026، تخطّت قيمة صفقات الأسلحة الأميركية مع دول الخليج حاجز الربع بليون دولار. وبهذا المعنى، يصبح الوجود العسكري الأميركي مشروعاً مربحاً؛ فهو يضمن تدفّق رؤوس الأموال الخليجية نحو خزائن شركات الدفاع الأميركية (مثل لوكهيد مارتن وبوينغ)، وفي الوقت ذاته يُحكم الحصار حول إيران.

وقد عقدت الولايات المتحدة منذ أيام صفقة مع السعودية تُقدَّر قيمتها بنحو 9 مليارات دولار، تشمل نحو 730 صاروخاً من طراز Patriot PAC-3 MSE، إضافة إلى منظومات دعم لوجستي وتدريب وتشغيل، كما عقدت صفقات تسليح كبيرة مع "إسرائيل" تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 607 مليارات دولار تضمّنت بيع 30 مروحية هجوم Apache ومركبات تكتيكية.

الحصار البحري والاقتصادي: الدروس المستفادة من العراق وسوريا

تتبنّى واشنطن نهجاً عسكرياً شبه ثابت يمكن تلخيصه بقاعدة مفادها أنّ "الإنهاك الاقتصادي والاجتماعي يسبق التدخّل العسكري المباشر". فالولايات المتحدة نادراً ما تخوض حرباً شاملة قبل استنزاف خصومها من الداخل، وهو ما يظهر بوضوح في نموذج العراق بين عامي 1990 و2003، حيث فُرض حصار شامل استمر نحو ثلاثة عشر عاماً، أدى إلى تفكيك البنية التحتية وإنهاك المجتمع، ما جعل الغزو ممكناً بأقل كلفة عسكرية مباشرة. 

وتكرّر هذا النمط في الحالة السورية من خلال قانون قيصر (Caesar Act)، الذي استهدف خنق الاقتصاد ومنع التعاملات التجارية والمالية، ما أسفر عن انهيار العملة وتفاقم الأوضاع المعيشية، من دون حاجة إلى تدخّل بري واسع النطاق.

في الحالة الإيرانية، يستهدف الحصار البحري منع تصدير النفط، شريان الحياة الرئيسي لطهران، وعزل إيران في المجمل عن الأسواق العالمية، ومنعها من استيراد ما تحتاجه من الخارج. وقد انخفضت صادرات النفط الإيرانية بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، ما أدّى إلى خسارة مليارات الدولارات سنوياً، وارتفاع التضخّم إلى مستويات عالية، مع تراجع قيمة الريال.

والهدف الأميركي من وراء الحصار، الذي يؤدّي إلى اضطراب الأسواق وارتفاع معدلات التضخّم، هو توفير بيئة خصبة للاضطرابات الداخلية والحركات الانفصالية في المحافظات الحدودية، ما يضع النظام أمام تحدّيات داخلية صعبة.

استراتيجية "الخنق الصامت".. وإمكانية أن تقلب إيران الطاولة؟

وفقاً للمعطيات الحالية، فإنّ الولايات المتحدة لا تقوى على "عدوان شامل" خوفاً من التبعات الكارثية على الاقتصاد العالمي وأمن حلفائها. لذا سيكون البديل هو "الخنق الصامت"، وهو يتحقّق عبر العزل البحري، والحصار الاقتصادي، وتحريك الداخل الإيراني. وبهذا لا يكون هدف التعزيزات العسكرية هو إعلان الحرب، بقدر ما يكون الهدف هو إنهاك إيران بغرض تجريدها من أوراق قوتها (النفط والصواريخ)، وجعلها تقبل بشروط واشنطن وهي في أضعف حالاتها.

لكن هنا تبرز فرضيّة معاكسة للمسار المتوقّع، مفادها أنّ طهران قد لا تكتفي بدور "الدولة الصامدة في وجه الضغوط"، بل قد تسعى إلى قلب الطاولة وفرض معادلة جديدة بالقوة. فالمعطيات الميدانية تشير إلى استعداد إيراني متزايد للمواجهة، تجلّى في الإعلان عن مناورات بحرية بالذخيرة الحيّة في مضيق هرمز، مع نشر حاملة الطائرات المسيّرة شهيد باقيري في مياه الخليج قرب المضيق على بعد قرابة 6  كم جنوب بندر عباس، كذلك تحريك أسراب من الزوارق السريعة والسفن المسيّرة والصواريخ، ما يعكس تحوّلاً من الردع الدفاعي التقليدي إلى التلويح بإمكانية المبادرة الهجومية لردع أيّ تصعيد أميركي محتمل.

فطهران تدرك أنّ القبول بوجود عسكري أميركي كثيف على حدودها، يحاصرها بحرياً، ويستنزف اقتصادها، ويدعم الاضطرابات الداخلية، يشكّل تهديداً وجودياً طويل الأمد. ومن هذا المنظور، قد ترى طهران أنّ توجيه ضربة محسوبة للقوات الأميركية أو لمصالحها في المنطقة، هو السبيل الوحيد لكسر الطوق المفروض عليها، وفرض كلفة مباشرة على واشنطن تدفعها إلى إعادة حساباتها، وربما الانسحاب أو تخفيف الحصار. 

وعليه، لا يمكن استبعاد سيناريو أن تكون إيران صاحبة الضربة الأولى أو اليد الطولى في أيّ مواجهة مقبلة، ليس بدافع المغامرة، بل باعتبارها محاولة لفرض معادلة جديدة تُنهي حالة الاستنزاف وتُجبر الولايات المتحدة على التراجع.