تفكيك الحرب الهجينة على إيران واستراتيجيات الصمود
أدركت طهران أن المواجهة لا تُحسم فقط في ميادين السلاح، بل في قدرة الدولة على حماية نسيجها الداخلي، وحرمان الخصوم من الاستثمار في الفوضى.
-
تفكيك الصدمة: التجربة الإيرانية.
تُعدّ نظرية "عقيدة الصدمة" التي صاغتها الكاتبة والصحفية الكندية ناعومي كلاين في كتابها الصادر منذ نحو عقدين، مدخلاً جوهرياً لفهم آليات الهيمنة الحديثة التي تعتمد على استغلال الكوارث الكبرى لإعادة هندسة المجتمعات.
وترى كلاين أن القوى النيوليبرالية تستخدم "لحظة الذهول" التي تعقب الأزمات، سواء كانت زلازل أو حروباً أو انهيارات اقتصادية، لتمرير أجندات جذرية لم تكن الشعوب لتقبل بها في ظروف الاستقرار الطبيعية.
في الحالة الإيرانية، تظهر هذه العقيدة بوضوح من خلال استراتيجية "الإنهاك المنظم" التي تقودها الولايات المتحدة عبر سياسة العقوبات القصوى، والتي كانت نهجاً أميركياً متواصلاً منذ نجاح الثورة الإيرانية عام 1979، غير أنها دخلت مرحلة أكثر شراسة خلال ولاية دونالد ترامب الأولى، وتحديداً بعد انسحابه من الاتفاق النووي عام 2018، ثم وصلت ذروتها مع عودته إلى منصبه كرئيس للولايات المتحدة مع مطلع عام 2025.
اللافت أن جميع "الناشطين الحقوقيين" الذين يعلنون تعاطفهم مع الشعب الإيراني اليوم، يتجاهلون أن الحصار الأميركي الهادف إلى منع إيران من تصدير نفطها هو السبب المباشر في الأزمة.
صحيح أن ثمة قرارات اقتصادية تجعل المشكلة أكثر تعقيداً، لكن تظل العقوبات هي السبب الأصلي، مع الأخذ في الاعتبار أن القرارات الداخلية المُجانبة للصواب، هي أيضاً نتاج عقول متأثرة بالمدرسة الليبرالية الغربية في إدارة الاقتصاد، والتي ترى أن حلّ أي أزمة يكون عبر خفض الدعم والضغط على الطبقات الأقل دخلاً والرهان على المستثمرين الغربيين.
في الحقيقة، إنه من الخطأ التعامل مع الحصار الاقتصادي باعتباره أداة ضغط دبلوماسية، بل هو "صدمة اصطناعية" مستمرة تهدف إلى تدمير النسيج الاجتماعي وتقويض قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية. فعندما يُحرم بلد ما من الوصول إلى المنظومة المصرفية العالمية وتجفّ عروق اقتصاده من عوائد النفط، فإن كل مشكلة محلية بسيطة ستتحوّل تلقائياً إلى أزمة وجودية، ما يجعل المجتمع هشاً وقابلاً للانفجار عند أول احتكاك.
تقاطعت تلك الأزمات الاقتصادية المصنوعة مع مشكلات طبيعية شهدتها إيران في السنوات الأخيرة، مثل تراجع معدلات هطول الأمطار والجفاف الحاد، إضافة إلى الهزّات الأرضية والزلازل.
في الظروف العادية، تمتلك الدول موارد لإدارة هذه الكوارث، لكن في ظل الحصار الأميركي المشدد، تصبح تلك الأزمات المادة الخام التي ينتظرها الخصوم، ليستخدموها كوسيلة لاستنزاف النظام والضغط عليه، وتجويف قاعدته الشعبية. فهنا يعمل الحصار والظروف المناخية كفكّي كماشة: أحدهما يمنع الحلول والآخر يشعل فتيل الغضب، ما يخلق بيئة خصبة للفوضى التي توصف بأنها "خلاقة" في القواميس السياسية الغربية.
لقد بلغت هذه الديناميكية ذروتها في موجة الاحتجاجات العنيفة التي اندلعت أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025، إذ تم استغلال المطالب المشروعة والتي نادت باستمرار الدعم الحكومي للصادرات، وتم تحويلها إلى صدامات مسلحة وأعمال تخريب استهدفت مراكز حيوية ومساجد ومؤسسات حكومية.
هنا، يبرز الدور الاستخباري، وتحديداً مشاركة الموساد الإسرائيلي، الذي يعمل وفق استراتيجية "إدارة الفوضى" لتوجيه حالة السيولة في الشارع الإيراني، وبالأخص في المحافظات الحدودية، نحو مسارات عنيفة تخدم أجندة إضعاف الدولة الإيرانية.
إن التدخل الاستخباري في هذه اللحظات قد استهدف تحويل الأزمات المعيشية إلى فعل تخريبي منظم يستنزف الأجهزة الأمنية ويجعل الدولة في حالة دفاع مستمر عن بقائها الداخلي، ما يغني القوى الخارجية عن تكلفة الغزو العسكري المباشر. وستكشف الأيام المقبلة أن رقعة الاضطرابات داخل إيران لم تكن تدار بعقول "الموساد" الإسرائيلي فحسب، بل كانت تحت إشراف وقيادة مباشرة من عناصر متخصصة في الجيش الأميركي؛ إذ إن طبيعة العمليات التخريبية النوعية، والاحترافية العالية في الاشتباك مع رجال الأمن الإيرانيين، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أننا أمام خبراء عسكريين وكوادر مُدرّبة بعناية على فنون زعزعة الاستقرار وحروب المدن.
كيف أُرغم ترامب على وقف ضربة إيران؟
يُدرك صناع القرار في واشنطن أن خيار المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران يظل مقامرة غير محسوبة العواقب، بل إن البعض يصفه بالخيار المستحيل عملياً. فإيران تمتلك اليوم سلاحاً يُعد في الحسابات الاستراتيجية أخطر من القنبلة النووية، وهو قدرتها الفائقة على إشعال منطقة الشرق الأوسط بأكملها بضغطة زر واحدة.
إن أي هجوم عسكري واسع النطاق سيؤدي فوراً إلى توقف كلي لإمدادات النفط والغاز في منطقة الخليج والبحر الأحمر، ما يعني انهياراً فورياً في الاقتصاد العالمي، فضلاً عن إلحاق أضرار وجودية بكيان الاحتلال الإسرائيلي الذي بات يدرك تماماً حدود قوته أمام الرد الردعي الإيراني.
علاوة على ذلك، تمتلك القيادة الإيرانية شبكة معقدة من "الخلايا النائمة" الممتدة عبر القارات، من آسيا وأوروبا وصولاً إلى الأميركيتين الشمالية والجنوبية. هذه الشبكات، التي تعدّها طهران "صمام أمان" استراتيجياً، قادرة على استهداف المصالح الأميركية في أي مكان في العالم عند حدوث مواجهة مباشرة.
ولعلّ ما كشفته التقارير الاستخبارية خلال العامين الماضيين عن محاولات اغتيال طالت رؤوساً صهيونية كبيرة، وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو، والتي لم يتم إحباطها إلا في اللحظات الأخيرة من قبل الموساد والشاباك، يؤكد أن الذراع الطولى للمخابرات الإيرانية قادرة على الوصول إلى أهداف حساسة جداً.
بعيداً عن القدرات العسكرية والاستخبارية الخارجية، تصطدم أي محاولة للغزو بوجود كتل أمنية وعقائدية صلبة داخل الدولة الإيرانية تُقدّر بالملايين. هذه الكتل لا يمكن كسرها أو تذويبها بضربة جوية أو اجتياح بري؛ فهي تشكل النواة الصلبة للنظام التي ستعيد تنظيم نفسها لمواصلة المقاومة إلى ما لا نهاية حتى لو خسرت المعارك النظامية.
بالتالي، فإن فكرة "الضربة القاضية" غير واردة في القاموس العسكري ضد إيران، وأقصى ما يمكن أن تطمح إليه الإدارة الأميركية هو توجيه ضربات عسكرية محدودة، ذات طابع استعراضي وإعلامي، تفتقر إلى الجدوى الحقيقية على أرض الواقع ولا تغير من موازين القوى شيئاً.
هذا الواقع العسكري المعقد يتداخل مع خشية حقيقية لدى الدول المحيطة بإيران، ولا سيما الأنظمة العربية التي تعتمد كلياً على الصادرات النفطية، والتي تدرك أن أي شرارة حرب ستعني دماراً شاملاً لبنيتها التحتية.
حتى "إسرائيل" نفسها، وبعد تجربتها القاسية في مواجهة الرد الإيراني المباشر في يونيو/حزيران 2025، باتت تدرك أن جبهتها الداخلية غير قادرة على تحمّل تبعات حرب شاملة. وبناءً على هذه الحسابات الواقعية، يظل الرهان الأميركي الأساسي منصباً على الحصار الاقتصادي الخانق لتفتيت القاعدة الشعبية للنظام، بالتوازي مع دعم العناصر التخريبية والجماعات الانفصالية لاستنزاف الدولة من الداخل حتى تسقط كالثمرة الناضجة، وحينها فقط تكون الضربة العسكرية مجرد تحصيل حاصل لمشهد انهار مسبقاً من الداخل.
1. استهداف الوجود والبقاء
في هذا السياق، يظهر أن الهدف الغربي من استنزاف إيران أبعد بكثير من فكرة استبدال النظام القائم بسلطة بديلة موالية أو حليفة، بل يتجاوز ذلك إلى مشروع أكثر جذرية يقوم على تفكيك الدولة ذاتها وإعادة تشكيلها إلى كيانات ومناطق متنازِعة على أسس إثنية ومذهبية.
ويتجلى هذا التوجه من خلال الدعم السياسي والإعلامي والعسكري، لمجموعات انفصالية ومتطرفة تنشط في محافظات جنوب شرق إيران، وكذلك في الأقاليم الشمالية والغربية، إذ تنتشر أحزاب وتنظيمات ترفع شعارات الحكم الذاتي أو الانفصال الكامل، وترتبط – على مستوى الخطاب والتمويل والتموضع السياسي – بشبكات نفوذ أميركية وإسرائيلية.
وضمن هذا الإطار، يبرز خطاب بعض الشخصيات المقيمة في الغرب، مثل رضا بهلوي الثاني، بوصفه نموذجاً لخطاب يسعى إلى إعادة تأهيل فكرة التصالح مع الغرب والاعتراف بـ"إسرائيل" تحت لافتة "الواقعية السياسية" متجاهلاً أن هذا الطرح ينسجم عضوياً مع مشروع تفكيك الدولة لا إصلاحها.
فهذه الخطابات، التي تصدر غالباً عن شخصيات فشلت في تحقيق حضور مهني أو سياسي مؤثر داخل مجتمعاتها الأصلية، لا ترى حرجاً في القبول المُسبق بتقسيم البلاد كمدخل محتمل لنيل سلطة مجتزأة على رقعة جغرافية محدودة، وهو ما يكشف أن المعركة المطروحة ليست حول شكل الحكم، بل حول بقاء الدولة الإيرانية موحدة من الأساس، وهذا الأمر هو ما استنفر الإيرانيين، ووحّدهم في وجه المؤامرة، فالمستهدف ليس النظام الثوري الإيراني الحاكم، فقط، بل الدولة نفسها ذات المليون وستمائة ألف كم٢.
استراتيجيات طهران في احتواء التصعيد وإجهاض المخططات الخارجية
كشفت التطورات الأخيرة عن قدرة إيرانية عالية على إدارة الأزمات المركبة، إذ تمكنت طهران من إفشال المخطط الأميركي عبر خمس استراتيجيات:
أولاً، الاحتواء الاقتصادي والاجتماعي:
وذلك عبر كسب رضا الطبقات الشعبية من خلال تقديم دعم مالي مباشر، والتراجع السريع عن قرارات اقتصادية تسببت في ارتفاع مفاجئ للأسعار أو أثارت غضب التجار، بما أفقد التحركات أحد أهم محركاتها المعيشية.
ثانياً، الفرز الميداني، والتمييز بين الاحتجاج والفوضى:
من خلال تعامل السلطات الذكي مع الشارع، والفصل بين المطالب المشروعة للمحتجين في بدايات التحركات، وبين أعمال التخريب والعنف المنظّم التي سعت إلى جرّ المشهد نحو التصعيد.
ثالثاً، إدارة أمنية عقلانية:
إذ تجنّبت أجهزة الأمن الإيرانية الاستخدام المفرط للقوة، وتحمّلت قدراً محسوباً من الاضطرابات لمنع الانزلاق إلى مواجهات دامية، وهو ما حال دون استثمار الدماء خارجياً وأفشل محاولات التصعيد الإعلامي.
رابعاً، التحرك الاستخباري الجراحي:
الاعتماد على الرصد المعلوماتي لتحديد المحرّضين والشبكات المنظمة، والعمل على تحييدهم بدقة من دون تحويلهم إلى رموز أو قضايا رأي عام.
خامساً، تعزيز تماسك الجبهة الداخلية:
نجحت الدولة في الحفاظ على وحدة المجتمع ومنع انتقال الاحتجاجات إلى انقسامات سياسية أو إثنية شاملة، بما أغلق الطريق أمام مشاريع التفكيك والفوضى طويلة الأمد.
تفكيك الصدمة: التجربة الإيرانية
تُظهر التجربة الإيرانية أن العقوبات لم تكن يوماً أداة ضغط عابرة، بل شكّلت جوهر حرب طويلة الأمد، تستهدف تفكيك الدولة من الداخل وضرب تماسك المجتمع.
غير أن الرهان الغربي على تحويل الضغوط المعيشية إلى مدخل لانهيار شامل اصطدم بقدرة إيرانية لافتة على الصمود والتكيّف، سواء عبر إدارة الأزمات بحسابات دقيقة، أو من خلال إدراك مبكر لطبيعة الصراع بوصفه صراع وجود وليس خلافاً سياسياً تقليدياً.
لقد أدركت طهران أن المواجهة لا تُحسم فقط في ميادين السلاح، بل في قدرة الدولة على حماية نسيجها الداخلي، وحرمان الخصوم من الاستثمار في الفوضى. وفي هذا السياق، تبدو إيران نموذجاً لدولة واجهت "الصدمة الاصطناعية" بامتصاصها وتفكيك آثارها.