تركيا و"إسرائيل".. ماذا يريد أحدهما من الآخر؟

شهدت علاقات أنقرة مع "تل أبيب" العديد من حالات  المد والجزر وتحت تأثير علاقات أنقرة مع الحليف الاستراتيجي واشنطن التي كانت العنصر الأكثر تأثيراً في مجمل السياسات الإقليمية والدولية للحكومات التركية المتتالية.

  • غالبية الشعب التركي بات  يكره ويحقد على هذا  الكيان.
    غالبية الشعب التركي بات  يكره ويحقد على هذا  الكيان.

مع استمرار الفتور وأحياناً التوتر في العلاقات بين "تل أبيب" وأنقرة، جاءت تهديدات نتنياهو ووزير دفاعه كاتس والوزير بن غفير ووزير التراث عميخاي إلياهو ضد الرئيس إردوغان لتزيد في الطين بلة في العلاقات بين البلدين الحليفين للرئيس ترامب وكل من الرئيس الأذربيجاني إلهام عالييف ورئيس وزراء هنغاريا فيكتور أوربان الذي خسر انتخابات الأحد بسبب علاقاته الوطيدة مع نتنياهو وترامب.

 وجاء هذا التوتر بعد أن طالبت النيابة العامة في إسطنبول بإنزال عقوبة السجن لفترات تراوح ما بين 1102 -4596 سنة بحق 35 من المسؤولين الإسرائيليين ومنهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع  كاتس ووزير الدفاع السابق غالانت ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ورئيس الأركان آيال زمير وقائد سلاح البحرية ديفيد سار سلامة وذلك لدورهم في الهجوم المسلح على أسطول الصمود العالمي الذي كان يحمل مساعدات إنسانية إلى غزة في الأول من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

ورد نتنياهو على هذه الاتهامات بهجوم عنيف ضد الرئيس إردوغان واتهمه بقتل الكرد والتضامن مع إيران، فيما استخدم كاتس وبن غفير وإلياهو كلمات بذيئة وصوراً وقحة ضد الرئيس إردوغان وعبر حساباتهم في منصة X.

ولم تتأخر تركيا وعلى لسان العديد من المسؤولين، بل وزعماء أحزاب المعارضة، في الرد على نتنياهو، واتهمه الجميع مع حملة إعلامية عنيفة بارتكاب مجازر  دموية ووحشية ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني والعدوان على إيران.

في الوقت الذي أولى فيه البعض من الأوساط الدبلوماسية والإعلامية التوقيت الزمني لرد الفعل الإسرائيلي على الموقف التركي أهمية إضافية لأنه ليس بجديد، حيث سبق لإردوغان والإعلام الموالي له أن شن أكثر من هجوم عنيف ضد نتنياهو، وقال عنه إردوغان وأكثر من مرة أنه "هتلر جديد" محمّلاً إياه مسؤولية كل الأزمات التي تعيشها المنطقة.

وردّ نتنياهو كالعادة على إردوغان بتصريحات نارية مماثلة متهماً إياه بالسعي لإحياء ذكريات الدولة العثمانية، ولكن من دون أن يفكر الطرفان بقطع العلاقات الدبلوماسية مع استمرار تدفق النفط الأذربيجاني عبر الأراضي التركية، ليتم نقله إلى الكيان العبري بواسطة ناقلات النفط التي يملكها مقربون  من الرئيس إردوغان.

كما سبق لأحزاب المعارضة أن اتهمت الرئيس إردوغان بعدم قطع  العلاقات التجارية مع الكيان  العبري الذي كان يغطي معظم احتياجاته من الحديد والفولاذ والإسمنت والمواد الأساسية للصناعات العسكرية من تركيا التي اضطرت العام الماضي لقطع هذه العلاقات مع المعلومات التي تتحدث عن استمرار العلاقات التجارية ولو بالحد الأدنى.

وقبل الحديث عن السيناريوهات المحتملة للتوتر الحالي بين البلدين، لا بد من التذكير  بأحاديث الشارع التركي منذ العدوان الصهيو - أميركي  على إيران حيث عبّر العديد من الأوساط السياسية عن القلق من احتمالات المواجهة المباشرة بين أنقرة و "تل أبيب" في حال سقوط إيران بعد أن تحدث السفير الأميركي في "تل أبيب" مايك هكابي عن "حق اليهود في دولتهم الكبرى من النيل إلى الفرات" وفيها أجزاء من تركيا.

وهنا لا بد من الإشارة إلى تناقضات أنقرة في علاقاتها مع "تل أبيب" منذ استلام العدالة والتنمية السلطة نهاية 2002، حيث قام رئيس الوزراء إردوغان في الثاني من مايو/ أيار 2005 بزيارة الكيان العبري واجتمع مع الرئيس كاتساف ثم رئيس الوزراء شارون الذي التقى به في القدس ليقول له "أهلاً بك في القدس عاصمة دولة "إسرائيل" الأبدية".

وكانت منظمة اللوبي اليهودي الأميركي ADL قد منحت إردوغان في 29 يناير/ كانون الثاني2004  وسام الشجاعة السياسية "لمساهمته في تطوير العلاقات مع الكيان العبري ويهود العالم" حيث كان إردوغان على تواصل دائم مع كياناتهم ومنظماتهم المختلفة في أميركا وأوربا وأماكن أخرى.

كما منحته اللجنة اليهودية الأميركية AJC في حزيران/ يونيو وبعد شهر من زيارته للكيان العبري وساماً آخر تقديراً له للزيارة التي قام بها للمتحف اليهودي في القدس.

وفي 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2007 أتاح إردوغان الفرصة لرئيس الكيان العبري شمعون بيريز ليتحدث في البرلمان التركي لأول مرة في تاريخ تركيا وقبل يوم من حديث محمود عباس في البرلمان الذي لم يتردد بين الحين والحين في إصدار بيانات الاستنكار  ضدالكيان العبري كلما توترت علاقته مع تركيا والرئيس إردوغان شخصياً.

ومن دون أن تمنع هذه الاستضافة الرئيس إردوغان من مواجهة بيريز بشكل عنيف في دافوس في 29 يناير/ كانون الثاني 2009 متهماً إياه والكيان العبري بقتل أطفال فلسطين.

وقبلها بعام تقريباً كان إردوغان قد استضاف رئيس وزراء الكيان إيهود أولمرت في أنقرة في محاولة منه لتحقيق المصالحة بين "تل أبيب" ودمشق، وعندما كانت علاقاته جيدة جداً مع الرئيس بشار الأسد وقال آنذاك لإردوغان "لا تثق بالإسرائيليين لأنهم سيغدرون بك وبنا جميعاً.

وهو ما تحقق عندما اتخذ أولمرت في 28 كانون الأول/ ديسمبر 2008 أي بعد عودته من أنقرة بثلاثة أيام قرار العدوان على غزة ليقتل حوالى ثلاثة آلاف فلسطيني. وسرعان ما نسي أو تناسى إردوغان كل ذلك وتحت الضغوط الأميركية، فلم يستخدم  في مايو/ أيار 2010 حق الفيتو ضد انضمام الكيان العبري إلى منظمة التعاون الاقتصادي الدولية OECD وبعدها بستة أعوام أي في مايو أيار 2016  للانضمام إلى الحلف الأطلسي كعضو مراقب.

والأهم من كل ذلك،  أمر الرئيس إردوغان في ديسمبر/ كانون الأول 2016 المحكمة في إسطنبول بإسقاط كل الدعاوى القانونية المقامة في المحاكم التركية والدولية ضد نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين متهمين بقتل عشرة من المواطنين الأتراك على متن سفينة مرمرة التي كانت في طريقها إلى غزة في 31 مايو/ أيار 2010.

وحمل العام 2022 معه العديد من المفاجآت في علاقات أنقرة مع "تل أبيب" حيث استضاف إردوغان في9 مارس /آذار رئيس الكيان العبري إسحاق هرتسوغ ثم التقى في 21 أيلول/ سبتمبر 2022 مع رئيس الوزراء لابيد في نيويورك، على أن يكون لقاؤه الثاني والأهم مع عدوه اللدود نتنياهو في نيويورك أيضاً في 23 أيلول/ سبتمبر 2023  أي قبل أسبوعين من طوفان الأقصى، ولولاه لكان مقرراً أن يزور إردوغان الكيان العبري في أبريل/ نيسان 2004 رداً على زيارة  هرتسوغ إلى أنقرة.

وبالتذكير بعلاقات اليهود بالدولة العثمانية وخاصة خلال حكم السلطان سليمان القانوني ( 1520-1566)  وزوجته ووالدته  يهوديتان، كانت تركيا الدولية الإسلامية الأولى التي اعترفت في28 آذار/ مارس 1949  بالكيان العبري أي بعد قيامه بـ 14  شهراّ  ليلحق بها الشاه المخلوع بعد عام في 14 آذار مارس 1950 حيث تحولت أنقرة للفترة 1950-1960 إلى حليف استراتيجي للكيان العبري فيما بقيت طهران هكذا حتى إطاحة حكم الشاه العميل للكيان العبري.

وفي هذا الإطار، وبحسب التطورات الإقليمية والدولية، شهدت علاقات أنقرة مع "تل أبيب" العديد من حالات  المد والجزر، وتحت تأثير علاقات أنقرة مع الحليف الاستراتيجي واشنطن التي كانت العنصر الأكثر تأثيراً في مجمل السياسات الإقليمية والدولية للحكومات التركية المتتالية، بما فيها حكومة الإسلامي نجم الدين أربكان، وأجبرته واشنطن عام 1996 على التوقيع على اتفاقية التعاون العسكري مع "تل أبيب" التي قامت بتحديث طائرات أف -16 والدبابات التركية مع مرحلة جديدة في التعاون الاستخباري الذي استمر حتى في مراحل مختلفة من حكم الرئيس إردوغان.

واعترف الرئيس ترامب بمثل هذا التعاون بين واشنطن وأنقرة و "تل أبيب" والرياض خلال عملية إسقاط نظام الأسد في سوريا، حيث لعبت أنقرة الدور الرئيسي في هذه العملية منذ بدايات ما يسمى الربيع العربي. وتحولت تركيا خلاله إلى عنصر مهم في مجمل تطورات المنطقة وبدعم أميركي وضوء أخضر إسرائيلي، وعلى حد قول الرئيس ترامب الذي يسعى  منذ فترة لتحقيق المصالحة الاستراتيجية بين تركيا و"إسرائيل".

وفي جميع الحالات وأياً كانت التطورات المحتملة في حالة التوتر الحالي، ومن دون أن يفكر  أي من الطرفين بطرد  السفير ، يعرف الجميع أن  من سيقرر مستقبل هذا التوتر والعلاقات بين البلدين سيكون الرئيس ترامب الذي لا يريد أي مواجهة بين الطرفين في سوريا، وبالتالي  في المنطقة عموماً، خاصة مع استمرار الوجود العسكري التركي في الصومال حيث الاهتمام الإسرائيلي هناك.

في الوقت الذي لا يستبعد فيه البعض من الأوساط السياسية لإردوغان أن يتراجع عن مجمل سياسات التوتر والتصعيد الحالية، وهو ما فعله سابقاً، لا فقط مع الكيان العبري، بل أيضاً مع الرئيس السيسي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، حيث هددهم وتوعدهم جميعاً وهاجمهم  بأشد وأعنف العبارات السياسية منها والشخصية.

ومع انتظار التراجع المحتمل من الطرفين، وفي أي لحظة، يعرف الجميع أن نتنياهو وأعضاء حكومته  الصهيونية المتطرفة التي تواجه الكثير من المشاكل الداخلية والخارجية، بحاجة لمادة العداء الديني والتاريخي لتركيا والأتراك، في الوقت الذي سيستغل فيه الرئيس إردوغان التوتر الحالي مع الكيان العبري لشحن الشعور  الوطني والقومي والديني ضد  الكيان العبري، ليزيد من شعبيته المتدهورة لأسباب عديدة، وبعد أن أصبحت "إسرائيل" البلد المكروه  من قبل الغالبية الساحقة من فئات الشعب التركي كافة، الذي يتضامن معظمه مع إيران ولبنان، وبعد أن تجاهل الجميع الحساسيات الطائفية التقليدية لدى بعض الفئات الدينية والقومية التركية.

وهو ما انتبه إليه الرئيس إردوغان بعد أن تحولت إيران "الشيعية" إلى حديث كل الشارع العربي والإسلامي، فأراد أن يخطف الأضواء من جديد عبر خطاباته النارية ضد نتنياهو شخصياً وكيانه الصهيوني.

خاصة بعد أن أثبتت استطلاعات الرأي أن غالبية الشعب التركي بات  يكره ويحقد على هذا  الكيان،  بل وحتى اليهود عموماً بسبب مجازرهم في غزة ولبنان وإيران، التي يتمنى الكثيرون للرئيس إردوغان أن يكون إلى جانبها، باعتبار أن ذلك سيكون الوسيلة الوحيدة لمواجهة الخطر الصهيوني المدعوم من أميركا وحلفائها الإقليميين والدوليين.

وكل ذلك بعد أن تحولت إيران إلى نموذج للوطنية والشجاعة الرائعة  في معاداة  الصهيونية العالمية والإمبريالية، والتي بات الشعب التركي بمعظمه يطالب إردوغان بأن يقتدي بهذه الدولة الجارة التي ضحت بالكثير، ولكنها تحدّت وصمدت في وجه أعدائها وأعداء كل شعوب المنطقة، والتي باتت تعرف جيداً أن الانتصار لا ولن يتحقق بالقول فقط، بل بالعمل الحقيقي والجاد الذي أثبتت من خلاله إيران أنه الوحيد الذي سيقضي على الكيان العبري الصهيوني عاجلاً  كان أم آجلاً، وشريطة أن تؤمن  كل الشعوب العربية والإسلامية بذلك، وتقف إلى جانب الشعب الإيراني الذي أرعب الصهاينة وأسيادهم في الغرب الإمبريالي، إلا أنه كسب قلوب الملايين من شرفاء العالم الذين تعلموا الكثير من صمود هذا الشعب العظيم!                          

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.