بين حرب الضرورة والموت البطيء.. حزب الله اختار اللحظة المؤاتية

قرار انتقال حزب الله إلى الهجوم يمكن تشبيهه بمريض مخيّر بين إجراء عملية جراحية طارئة تفوق نسبة نجاحها 50%، أو انتظار الموت المحتمّ. ماذا يختار وأهله؟

  •  ماذا كان بإمكان الحزب أن يفعل في حال لم يفتح الجبهة من جديد؟
    ماذا كان بإمكان الحزب أن يفعل في حال لم يفتح الجبهة من جديد؟

لا نعرف بعد ماذا ينتظرنا لكننا ما زلنا في البدايات. المؤشرات التي يوحي بها أداء المقاومة اللبنانية إيجابية نسبياً ومبشّرة، ونسبيّتها تنبع من زاوية الرؤية. لننحِّ جانباً الآراء والجهات التي تقف ضدّ المقاومة مهما فعلت ومهما كانت الظروف، وبمعزل كيف فتحت جبهة هي أصلاً مفتوحة من طرف واحد.

في الصورة الكبيرة لا يهمّ كثيراً كيف بدأ التصعيد وبأيّ طريقة، وإن كانت المشروعية في تغطية عمل المقاومة على المستوى الوطني ليس تفصيلاً عابراً. لقد جرى نزع هذه الشرعية أصلاً قبل أن يقرّر دونالد ترامب المغامرة بحرب غير معلومة العواقب على إيران. 

الأمور في خواتيمها وسوف تنبئ تطورات الأيام والأسابيع المقبلة عما حضّر له حزب الله. ما زالت في حوزة الحزب أسلحة كاسرة للتوازن، لكن هل هي كفيلة بتعديل طبيعة المعركة وموازين القوى؟

يعتمد ذلك على ما أعدّته المقاومة التي بدّدت من جديد تقديرات العدو وفاجأته من تحت أنفه. لكن ما كان مقيّداً استخدامه في حالات التهدئة والانكفاء وإفساح المجال أمام الدبلوماسية لا يعود قائماً في حال الحرب.

في الحد الأدنى لدى المقاومة في لبنان أسلحة قادرة على استهداف المنشآت الحيوية الإسرائيلية بشكل دقيق، لكن يعتمد هذا الأمر على إدارة الحرب وقواعد الردع المتبادل التي تسعى إدارة العمليات إلى إرسائها وعلى ظروف عملياتية. هذه الأسلحة هي ما كانت تسعى "إسرائيل" وراءها طيلة الأشهر الماضية تحت عنوان نزع السلاح، تواكبها السلطة اللبنانية تحت عنوان حصر السلاح.

مزيد من التوضيح: صحيح أنّ الحزب خسر جزءاً كبيراً من ترسانته في الحرب الماضية لكنّ المهم هو الذي ما زال بحوزته الآن. لماذا؟ لأنّ لديه ظهيراً الآن قادراً على التنسيق معه وإسناده، وقد أظهرت بعض العمليات باعتراف إسرائيلي تزامناً وتنسيقاً في العمليات بين إيران ولبنان.

عودة إلى السؤال الأساسي: ماذا كان بإمكان الحزب أن يفعل في حال لم يفتح الجبهة من جديد؟

الجواب مؤجّل إلى ما بعد حديث المصادر المقرّبة من المقاومة.

مصادر المقاومة متفائلة

المعلومات التي تقدّمها مصادر مطلعة وقريبة من عمل المقاومة اللبنانية تنبئ بتطورات ومفاجآت لم يكن ينتظرها الطرف الإسرائيلي. الكثير من الأسئلة المعلّقة حول مستقبل هذه المواجهة الوجودية والتاريخية والمفصلية مؤجّلة لكن في سياق هذا الاستعراض.

تقول المصادر إنه منذ شهر توفّرت معلومات مؤكّدة لدى قيادة المقاومة بأنّ الاسرائيلي يعدّ عدواناً جديداً ضدّ حزب الله في لبنان يشمل المؤسسات المدنية والقيادات السياسية والعسكرية والأمنية.

المعلومات المؤكدة تفيد بأنّ الإسرائيلي كان يعدّ لمباغتة المقاومة خلال الأيام القليلة التي تلي اغتيال السيد علي الخامنئي. اتخذت شورى قرار حزب الله مع القيادة العسكرية قراراً "جامعاً شاملاً" بتفويت الفرصة على العدو والمبادرة إلى إطلاق صلية صاروخية ضدّ موقع عسكري إسرائيلي.

قبل لحظة الصفر تمّ إبلاغ رئيس مجلس النواب نبيه بري بساعة من الوقت بالضربة، واتخذت إجراءات وقائية مشدّدة من قبل القيادة السياسية والعسكرية والأمنية في حزب الله.

بعد أقلّ من ساعة ردّ العدو الإسرائيلي باستهداف شمل الضاحية بخمس غارات كان هدفها قيادات سياسية وعسكرية وأمنية في الصف الأول في قيادة حزب الله. العمليات باءت كلّها بالفشل نتيجة المعلومات المسبقة والاستعدادات التي سبقتها. لاحقاً كشف رئيس هيئة أركان العدو الإسرائيلي بوجود مخطّط معدّ له مسبقاً وخارطة أهداف مقرّرة، وتؤكّد المصادر أنّ هذا الأمر سوف تؤكّده الأيام القليلة المقبلة.

وتضيف المصادر أنه لغاية اللحظة لم يتمكّن العدو من الوصول إلى أيّ هدف ثمين، وأنه بات شبه أعمى حالياً عن ما يجري داخل مستوى القرار في المقاومة عدا عن ما يجري في الميدان، وتؤكد أنّ المقاومة حضّرت عشرات الآلاف من المسيّرات وعشرات آلاف القبضات ضدّ الدروع لردع العدوان الإسرائيلي، وأنّ عمليات المقاومة ستكون مقنّنة مركّزة ودقيقة ومؤثّرة جداً، وهي متوثّبة وحاضرة لأيّ تقدّم بريّ وبدأت بشائر الخير منذ يومين من خلال التصدّي البطوليّ في منطقة الخيام وغيرها.

لا تنفي المصادر أنه ستكون هناك تضحيات جسيمة جداً لكنها تؤكّد أنّ النهاية ستحمل نصراً مؤزراً، وتوضح بأنّ المقاومة استفادت من تجارب الحرب الأخيرة في جبهة الإسناد وحرب الـ 66 يوماً وحسّنت وصوّبت وعالجت أغلب الثغرات. 

في الشأن السياسي لا تطلب قيادة المقاومة كما عبّر أمينها العام الشيخ نعيم قاسم سوى عدم سنّ الخناجر وغرسها في ظهرها، رغم أنها تقدّر هواجس ومخاوف بعض أركان الدولة، لكنها في الوقت ذاته تحذّر من أيّ تعرّض لها ولمقاتليها أو لمخازنها وأنها ستعتبر ذلك عدواناً عليها سيقابل بردّ مباشر.

مع اتساع العدوان الإسرائيلي ووضوح خلفيّة معركته العقائدية وحرب "إسرائيل" الكبرى ترى المصادر أنّ الجميع سيعود إلى رشده وصوابه ويقف إلى جانب المقاومة، وهذا الأمر سيحصل في القريب العاجل، وأنّ هذه الحرب التي فرضت عليها تقاربها من منطلق حرب وجود.

إسناد إيران أم إسناد لبنان؟

بمعزل عن حديث المصادر تشير المعطيات الظاهرة إلى أنّ حزب الله اتخذ قراراً في لحظة مؤاتية أن يتصدّى لتمادي الاعتداءات الإسرائيلية ويفتح مخازنه من جديد.

ما زلنا في المراحل الأولى التي يمكن وصفها بمرحلة الإحماء. في الصورة الكبيرة ما يحدث يتخطّى لبنان والحسابات السياسية الضيّقة. في ما يتعلّق بالمحور الحرب أيضاً في بداياتها. لم يدخل اليمن المعركة بعد. فصائل المقاومة العراقية لم تنخرط بكلّ قوتها. أوراق كثيرة لم تفعّل، ليس فقط من قبل محور المقاومة بل أيضاً من قبل المعسكر الأميركي الصهيوني.

مقاربة دخول حزب الله الحرب لا يستقيم من خارج السياق. قرار الحرب ليس لإسناد إيران. في الواقع لبنان من يحتاج إلى إسناد وليس العكس، وهذا الواقع له ما يفسّره ويبرّره.

تداعيات وتوازنات ما أرسته جولة حرب الـ66 يوماً لم يكن بالإمكان تجاوزها إلا بالوسائل العسكرية، وفقط العسكرية، بعد أن أظهرت الدبلوماسية عجزها ومحدودية تأثيرها. باختصار لم يكن هناك أيّ قوة أو طرف أو شخص قادر على إقناع الطرف الإسرائيلي بوقف الاستهدافات اليومية والسماح للدولة اللبنانية بإعادة الإعمار بما يعني تحويل التهجير من القرى الحدودية إلى خطر قائم ومستدام. لكن هل هذا هو الوقت المناسب لهذه المبادرة العسكرية وفتح الجبهة؟

وفق منطق العلوم العسكرية فإنه حتماً أكثر وقت ملائم. لماذا؟ لأنّ "إسرائيل" مشغولة بجبهة أكبر وأخطر ومن الطبيعي والمنطقي أنّ أفضل توقيت هو الآن، وليس عندما تكون متفرّغة للبنان وحده. هل ستكون لذلك تداعيات وخسائر؟ بكلّ تأكيد، لكنّ الخسائر ستكون أكثر على الأرجح في حال لم يتصرّف الحزب. من هذا المنطلق فإنّ العزوف عن المشاركة في الحرب وانتظار ظروف أفضل يمثّل مغامرة، ما يطرح من جديد سؤالاً آخر حول ما هي الخيارات الواقعية المتاحة؟ 

يتيح انخراط لبنان الآن مقعداً لاحقاً له إلى طاولة المفاوضات في حال انتصرت إيران أو صمدت أو أجبرت بالحدّ الأدنى قوى العدوان على الجلوس إلى الطاولة بشروطها. ما هو البديل عن ذلك؟

انتظار رحمة القدر. قرار نزع سلاح الحزب متخذ قبل الحرب. هذه المسألة اعتبرها دونالد ترامب مجرّد تفصيل صغير يعالجه لاحقاً. ما سبق تاريخ دخول الحرب عبّرت عنه ضغوطات تتعرّض لها المقاومة بأدوات مختلفة أمنية وعسكرية ونفسية بواسطة "إسرائيل"، وسياسية واقتصادية وإعلامية بواسطة أطراف داخلية وخارجية. 

البديل عن دخول الحرب لا ينتهي هنا. لا يقتصر البديل على نزع السلاح ثم نذهب بعدها إلى التطبيع أو السلام والازدهار، أو يذهب كلّ طرف في سبيله. ذلك لم يعد مطروحاً من قبل الإسرائيلي. تسانده في ذلك إدارة أميركية تهيمن عليها رؤية صهيونية إنجيلية أو تخضع لتأثيرها. لم يعد استعراض التفاصيل في هذا السياق والاستدلال عليها والمحاججة فيه سوى المزيد من الشيء نفسه. تكفي الإحالة إلى تصريحات السفير الأميركي في "إسرائيل" مايكل هاكابي ورؤية نتنياهو المعلنة حول الشرق الأوسط الجديد والحلم التوراتي الذي لن ينتهِ مع ضمّ الضفة، وسوف يتمدّد إلى حيث تحدّه القوة، والقوة فقط كما يدلّ تاريخ الصراع.

في البدائل والحسابات يطرح سؤال؛ ماذا لو خسرت إيران؟ في هذه الحالة مسألة وقت قبل إحكام الطوق على حزب الله ودفعه إلى الرضوخ لموازين القوى الجديدة وتحت ضغط الداخل وانعدام الأمل، وهذا يجعل الدخول في المعركة إما أن يكون الآن أو لا يكون إلى الأبد.

الوضع على الشكل التالي: مريض بحاجة إلى عملية جراحية طارئة لنفترض أنّ نسبة نجاحها تقارب أو تفوق 50%، لكنّ عدم إجرائها يعني موتاً محتماً. ماذا يختار المريض وأهله؟

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد قائد الثورة والجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي عليها.