باب المندب.. القاهرة أمام فرصة كسر دائرة الحرب
تستطيع مصر أن تقدّم للمملكة ما يتجاوز التضامن السياسي: المساعدة على صياغة مخرج يُنهي الاستنزاف ويحفظ الأمن، من دون اشتراط إلحاق هزيمة شاملة بالخصم.
-
زيارة ابن سلمان وحدود الخيار المصري.
عند باب المندب، تلتقي نتائج الحرب اليمنية بحدود الأمن القومي المصري. فالتقدم الذي أحرزته أنصار الله، وصولًا إلى المخا وجزيرة ميون، يضع القاهرة أمام تحوّل تتجاوز آثاره خرائط السيطرة داخل اليمن.
هناك، عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، تتقاطع مصالح مصر والسعودية وإيران، وتطل القوى الدولية بأساطيلها وحساباتها. وتملك القاهرة فرصة لأن تحوّل هذا التقاطع إلى مدخل للتسوية، قبل أن تحوّله جولة جديدة من التصعيد إلى مواجهة أوسع يصعب ضبط حدودها.
المبادرة المصرية المطلوبة تبدأ من قراءة ما تغيّر على الأرض، ثم استخدام العلاقات الوثيقة مع الرياض، وقنوات التواصل والاحترام المتبادل مع طهران، لتهيئة حوار يمني-يمني يحفظ سيادة البلد ويطمئن جواره. وتلك مهمة تتناسب مع وزن مصر، وتخدم أمنها بقدر ما تخدم حق اليمنيين في الخروج من الحرب.
ما الذي تغيّر عند المضيق؟
تكبّدت القوات اليمنية المدعومة من السعودية هزيمة ميدانية ثقيلة، وأصبحت أنصار الله تمسك بمواقع استراتيجية تمنحها نفوذًا مباشرًا عند باب المندب. والسيطرة على الساحل والجزر لا تساوي تحكمًا مطلقًا في المضيق، لكنها ترفع كلفة تجاهل الجماعة، وتوسّع قدرتها على التأثير في حسابات خصومها. وقد وثّقت التقارير الأخيرة امتداد تقدمها من المخا وميون إلى جزر أخرى في البحر الأحمر.
يكشف هذا التحول حدود الرهان على إخراج أنصار الله من المعادلة بالقوة، مهما اتسع الدعم الخارجي لخصومها. فقد استطاعت الحركة الصمود، ثم انتزاع المبادرة، بما يفرض مراجعة تتجاوز تعويض المواقع المفقودة إلى إعادة النظر في شروط التسوية نفسها. وأي مشروع سياسي يظل معلقًا على إقصائها سيبقى أسير حرب تعجز عن بلوغ نهايتها.
غير أن الاعتراف بهذه الحقيقة يفتح سؤالًا سياسيًا: كيف تُترجم القوة المتحققة إلى مكاسب يصعب تبديدها؟ فالموقع العسكري يمكن أن تتغير السيطرة عليه، أما الاتفاق الذي يحفظ المشاركة والسيادة ويُنهي دوافع التدخل، فيمنح مكاسب الميدان أساسًا أكثر دوامًا. وهنا تستطيع الوساطة المصرية أن تساعد على تحويل توازن القوة إلى التزامات متبادلة، بدل أن يبقى دعوة مفتوحة إلى جولة تالية.
صمود يستحق أن يفتح طريق التعافي
لقد دفع اليمنيون ثمنًا باهظًا لسنوات الحرب والحصار والقيود على منافذ الحياة. وأدّى تعطيل الواردات وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، مع تدمير مصادر الرزق والخدمات، إلى تعميق الفقر وانعدام الأمن الغذائي. وهذه أسباب وثّقتها الأمم المتحدة، ولا يجوز إسقاطها عند الحديث عن معاناة المجتمع الذي احتمل الحرب.
ومن هنا، فإن ترجمة الصمود سياسيًا تعني انتزاع شروط تتيح لليمنيين التعافي: إنهاء الحصار والقيود التي تخنق معيشتهم، وفتح طريق الإعمار، واستعادة قدرتهم على إدارة شؤونهم بعيدًا عن الوصاية. فالناس الذين تحملوا كلفة الصمود يستحقون أن يروا ثماره في أمنهم وعيشهم ومستقبل أبنائهم. وهذه غاية تمنح التفاوض معناه، وتجعل التسوية امتدادًا لحماية المجتمع وحقوقه.
ويقتضي ذلك أن يكون رفع القيود عن الغذاء والدواء وحركة المدنيين التزامًا واضحًا في أي تحرك، وألّا تتحول الاحتياجات الأساسية إلى مكافأة مؤجلة حتى تُحسم الخلافات السياسية. فالحوار الذي يُطلب من اليمنيين الوثوق به يجب أن يقدّم لهم دليلًا على أن إنهاء معاناتهم جزء من غايته.
زيارة ابن سلمان وحدود الخيار المصري
تكتسب زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للقاهرة أهميتها من وقوعها في لحظة تحتاج فيها الرياض إلى إعادة تقدير خياراتها.
وقد جمع الموقف المعلن عقب المباحثات بين دعم أمن المملكة، وحماية الملاحة، والسعي إلى حل سياسي مستدام للأزمة اليمنية. وهذه عناصر يمكن البناء عليها لصياغة مقاربة تجعل استقرار اليمن ضمانة لأمن السعودية.
وفي تقديري، تستطيع مصر أن تقدّم للمملكة ما يتجاوز التضامن السياسي: المساعدة على صياغة مخرج يُنهي الاستنزاف ويحفظ الأمن، من دون اشتراط إلحاق هزيمة شاملة بالخصم. فتسوية تُطمئن الرياض إلى حدودها ومنشآتها وممراتها البحرية تستطيع أن تحقق غاية عجز استمرار القتال عن تثبيتها.
أما الحساب المصري، فيبدأ من أن أمن قناة السويس يتأثر بما يجري عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. ولا تكفي سلامة المجرى الملاحي في الشمال ما دامت الرحلة إليه محفوفة بالمخاطر. كما أن الحماية البحرية، مهما بلغت ضرورتها، تظل معالجة محدودة إذا استمرت الأسباب السياسية التي تجعل السفن والموانئ عرضة للتصعيد.
لهذا أرجّح أن القاهرة لن تنزلق إلى حرب لحسم السلطة داخل اليمن. فذلك سيستنزف قدراتها، ويبدّد جانبًا من قدرتها على التواصل مع المتحاربين، ويضيف إلى الأزمة طرفًا عسكريًا جديدًا. وتمنحها خبرتها اليمنية ما يكفي لإدراك أن دخول الحرب أسهل من التحكم في نهايتها، وأن حماية المصالح تحتاج إلى تصور واضح لليوم الذي يلي توقف القتال.
بين الرياض وطهران مساحة لدور مصري
تملك مصر ميزة سياسية مهمة: علاقتها الوثيقة بالسعودية لا تغلق باب حديثها مع إيران. وقد تجلّى استمرار هذا التواصل في لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس مسعود بزشكيان على هامش قمة بريكس، وفي مباحثات وزيري الخارجية بدر عبد العاطي وعباس عراقجي بشأن خفض التصعيد وأمن الملاحة.
ومع تأخر استعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة، واستمرار التمثيل عبر مكاتب رعاية المصالح، تكشف هذه الاتصالات عن إدراك متبادل للحاجة إلى التشاور. وفي تقديري، يتيح الاحترام المتبادل للقاهرة أن تناقش طهران بصراحة، وأن تجعل الخلاف على بعض السياسات موضوعًا للحوار، مع الحفاظ على القناة التي يحتاجها أي جهد جاد للتهدئة.
والمطلوب توظيف هذه الصلات في بلورة مصلحة مشتركة في وقف الصراع. فالسعودية تحتاج إلى أمن مستقر يتيح لها حماية اقتصادها ومشروعاتها. ولإيران مصلحة في تخفيف احتمالات اتساع المواجهة، وفي ترتيبات إقليمية تحترم سيادتها وأمنها. ويحتاج اليمن إلى إنهاء التدخل في قراره، بينما تحتاج مصر إلى بحر أحمر تستعيد الملاحة فيه استقرارها.
الصعوبة أن الأطراف قد تعترف بهذه المصالح، ثم تخشى أن تكون البادئة بالتراجع. وهنا تظهر وظيفة الوسيط: اقتراح خطوات متبادلة ومتزامنة، وضمانات تُخفّض كلفة الانتقال إلى التهدئة. ويمكن للقاهرة أن تعمل مع الرياض وطهران على تعهدات محددة بدعم وقف التصعيد، واحترام سيادة اليمن، وتأييد ما يتوافق عليه أبناؤه.
ولا يفترض هذا الدور أن إيران تملك القرار اليمني، أو أن السعودية تستطيع اختزال القوى المتحالفة معها في إرادتها. فالتأثير الخارجي حقيقة، لكنه لا يلغي حسابات الفاعلين المحليين. ولهذا ينبغي أن يتقدم التواصل المصري المباشر مع اليمنيين بالتوازي مع التفاهم الإقليمي؛ كي يكون الأخير سندًا للحوار، ويحافظ اليمنيون على ملكية قرارهم.
حوار تحميه المصالح والضمانات
يمنح رصيد مصر التاريخي وصلاتها بالبيئات اليمنية المختلفة فرصة لاستضافة حوار تحظى رعايته بالاحترام. وتزداد قيمة هذه الفرصة حين تقترن بتصوّر عملي: وقف متبادل للهجمات، وضمانات للملاحة، ورفع القيود عن حياة المدنيين، وآلية للتحقق ومعالجة الخروق. ويمكن البناء على قنوات عُمان وجهود الأمم المتحدة، بما يمنح المبادرة المصرية أدوات متابعة وفرصًا للاستمرار.
ثم ينتقل الحوار إلى قضايا الدولة: الشراكة السياسية، وإدارة الموارد، والضمانات الأمنية، وإعادة بناء المؤسسات، ومعالجة مظالم الجنوب وسائر المناطق. ويقتضي نجاحه مشاركة أنصار الله والحكومة المعترف بها دوليًا والقوى الجنوبية والمكونات السياسية والاجتماعية الأخرى. فالاتفاق الذي يستبعد أصحاب المظالم يترك خارج قاعته أسباب الانفجار المقبل.
وتحتاج التسوية إلى مسار اقتصادي يبدأ مبكرًا، يربط فتح الطرق والمنافذ واستعادة الخدمات وصرف الرواتب بترتيبات قابلة للتنفيذ. فكل تحسن يلمسه اليمنيون يوسّع المصلحة الاجتماعية في حماية السلام، ويضيّق قدرة المستفيدين من الحرب على تعطيله. وتلك ضمانة لا تقل أهمية عن توقيعات القادة.
وتكتسب المبادرة المصرية إلحاحًا أكبر بعدما كشفت رويترز عن لقاء مسؤولين أميركيين بممثلين عن أنصار الله في مسقط، بتيسير عُماني. فبينما يتبدّل ميزان القوة على الأرض، تتحرك قنوات التفاوض لترجمة هذا التبدّل إلى تفاهمات. ومهما تكن حصيلة هذه الاتصالات، فإنها تنبّه إلى احتمال أن تُدار الأزمة بمنطق تجزئة الأمن: تحصل قوة دولية على ضمانات لمصالحها، بينما يبقى اليمن في الحرب، وتظل دول الجوار تتحمل كلفتها. والخشية أن يتراجع الحافز لإنهاء الصراع لدى من ينجحون في تحييد أخطاره عن أنفسهم، فيصبح تأمين بعض المصالح بديلًا عمليًا عن معالجة جذور الأزمة. عندئذ يجد اليمنيون أنفسهم أمام تفاهمات تنظّم حدود الحرب، من دون أن تفتح طريق الخروج منها.
لهذا، على القاهرة أن تسارع إلى الإمساك بزمام المبادرة، قبل أن تتبلور ترتيبات يصبح دورها فيها التكيّف مع نتائج تمسّ أمنها ولم تشارك في صياغتها. وتستطيع، بالبناء على الجهد العُماني وتوظيف علاقتها بالرياض وتواصلها مع طهران، أن تعمل على جمع ما قد تفصله التفاهمات الجزئية: ضمانات الملاحة، وأمن الجوار، وحق اليمنيين في السيادة ورفع الحصار والتعافي. وتلك مهمة تمنح الدور المصري ضرورته؛ فأمن قناة السويس يحتاج إلى استقرار الطريق المؤدي إليها، وهذا الاستقرار يظل هشًّا ما دام اليمن ساحة حرب مفتوحة. المطلوب أن تساعد مصر على جعل أمن البحر ثمرةً لسلامٍ على ضفتيه، وأن يحضر اليمن في أي تسوية وطنًا له حقوق ومستقبل، لا مجرد ساحل يُطلب منه ضمان مرور الآخرين.