انتخابات بيرو.. لحظة مفصلية في تاريخ البلاد
تعيش بيرو أزمة تمثيل سياسي حقيقية. فالأحزاب ضعيفة ومجزّأة، والبرلمان منقسم، والرؤساء المتعاقبون يفتقرون إلى قواعد دعم مستقرة تمكّنهم من تنفيذ برامجهم.
-
تتجه الأنظار إلى بيرو مع انعقاد الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية لعام 2026.
تتجه الأنظار إلى بيرو مع انعقاد الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية لعام 2026، في مشهد يعكس عمق الأزمة السياسية التي تعيشها الدولة الواقعة على الساحل الغربي لأميركا الجنوبية.
فالمواجهة الانتخابية بين كيكو فوجيموري، ابنة الرئيس السابق ألبرتو فوجيموري، والنائب اليساري روبرتو سانشيز، تمثّل انقساماً اجتماعياً وسياسياً عميقاً بين رؤيتين متناقضتين لمستقبل البلاد. وتأتي هذه الانتخابات في وقت تواجه فيه بيرو تحدّيات متراكمة تتمثّل في تصاعد الأزمات الاقتصادية والفوارق الاجتماعية الناجمة عن سيطرة أوليغارشية تحتكر الثورة والتي كان من تداعياتها تصاعد الجريمة المنظّمة واستمرار التدهور في ثقة المواطنين بالمؤسسات السياسية.
الجدير ذكره أنّ البلاد دخلت في عقد من الاضطرابات السياسية التي أعقبت انقلاب الرئيس لينين مورينو على نهج سلفه الاشتراكي كوريا والتي أدّت الى تآكل شبكة الضمان الاجتماعي، ما أدّى الى عودة اقتصاد الليبرالية المتوحّشة إلى التصاعد والتسبّب بأزمات اقتصادية وسياسية عميقة.
ومنذ عام 2016 تعاقب على رئاسة الجمهورية ثمانية رؤساء، وصل منهم ثلاثة فقط عبر انتخابات مباشرة فيما جاء الآخرون بنتيجة انقلابات دستورية أو استقالة الرؤساء المنتخبين، أو بعد انقلابات دستورية. وقد أدّى هذا إلى إضعاف المؤسسات وإثارة شعور واسع بالإحباط لدى المواطنين خصوصاً في ظلّ عجز الحكومات المتعاقبة عن معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تواجه البلاد.
هذا انعكس انعداماً بالثقة بالنظام السياسي ما أدّى الى تراجع نسبة المشاركة في الدورة الأولى من الانتخابات على الرغم من فرض غرامات مالية على المقاطعين للانتخاب، فيما اختارت نسبة عالية من المشاركين التصويت بورقة بيضاء.
بين فوجيموري وسانشيز
تمثّل كيكو فوجيموري إحدى أكثر الشخصيات إثارة للجدل في الحياة السياسية البيروفية. فهي ابنة الرئيس السابق ألبرتو فوجيموري الذي حكم البلاد خلال تسعينيات القرن الماضي في مرحلة شهدت نجاحات أمنية واقتصادية من جهة، وانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان من جهة أخرى.
وقد برزت كيكو في الحياة العامّة منذ سن مبكرة عندما أصبحت السيدة الأولى للبلاد بعد انهيار العلاقة بين والديها. ومنذ ذلك الحين تحوّلت إلى الوريثة السياسية للمشروع الفوجيموري، وخاضت عدة انتخابات رئاسية من دون أن تنجح في الوصول إلى السلطة.
وتعتمد فوجيموري في حملتها الحالية على خطاب يركّز على الأمن ومكافحة الجريمة المنظّمة. وقد استفادت من تصاعد المخاوف الشعبية بشأن انتشار الابتزاز والعنف والقتل، مقدّمة نفسها بوصفها الشخصية القادرة على استعادة هيبة الدولة وفرض النظام.
غير أنّ هذا الخطاب يواجه عقبة كبيرة تتمثّل في وجود تيار واسع مناهض للفوجيمورية. فالكثير من البيروفيين لا يزالون يتذكّرون أنّ والدها أُدين بجرائم تتعلّق بانتهاكات حقوق الإنسان خلال الحرب ضدّ الجماعات المسلحة، وقضى سنوات طويلة في السجن قبل وفاته عام 2024. ولذلك يخشى معارضو كيكو من أن يؤدّي وصولها إلى الرئاسة إلى عودة الممارسات السلطوية القمعية التي سادت في ظلّ حكم والدها.
في المقابل، يمثّل روبرتو سانشيز الوجه الجديد لليسار البيروفي. وقد شكّل وصوله إلى الجولة الثانية مفاجأة للعديد من المراقبين، خصوصاً أنه لم يكن من أبرز المرشحين في بداية الحملة الانتخابية. وسبق لسانشيز أن شغل منصب وزير التجارة والسياحة في حكومة الرئيس اليساري بيدرو كاستيو، الذي وصل إلى السلطة عام 2021 مستنداً إلى دعم الفئات الريفية والطبقات الفقيرة. غير أنّ حكم كاستيو انتهى بصورة دراماتيكية عندما حاول حلّ البرلمان والحكم بالمراسيم، ما أدّى إلى عزله ومحاكمته وسجنه لاحقاً.
ورغم النهاية المثيرة للجدل لكاستيو، إلا أنه لا يزال يحظى بتعاطف واسع في بعض المناطق الريفية التي ترى أنه تعرّض لمؤامرة من النخب السياسية والاقتصادية. وقد نجح سانشيز في استثمار هذا الشعور عبر تقديم نفسه باعتباره المدافع عن إرث كاستيو وعن مصالح الفئات المهمّشة التي تشعر بأنها مستبعدة من عملية صنع القرار. ويرفع سانشيز شعارات تدعو إلى إعادة السلطة للشعب وإصلاح النظام السياسي وصياغة دستور جديد يعكس تطلّعات الأغلبية الفقيرة والريفية، مؤكّداً أنّ الدولة الحالية فشلت في تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة.
عودة اليسار الأميركي اللاتيني الى الصعود
يشكّل صعود سانشيز كمنافس قوي على منصب رئيس البيرو مؤشّراً على عودة اليسار الى الصعود في مختلف دول أميركا اللاتينية بعد النكسات التي تعرّض لها خلال العقد السابق والتي انتهت بالعملية الانقلابية التي أدّت إلى اختطاف القوات الأميركية للرئيس الفنزيولي نيكولاس مادورو في بداية العام الحالي.
ولا يمكن فهم صعود روبرتو سانشيز بمعزل عن التحوّلات السياسية التي شهدتها منطقة الأنديز خلال العقدين الأخيرين، والتي ارتبطت بصورة وثيقة بالتجربة التي قادها الرئيس البوليفي السابق إيفو موراليس. فمنذ وصوله إلى السلطة عام 2006، أصبح موراليس رمزاً لليسار الشعبوي القائم على تحالف الفلاحين والسكان الأصليين والنقابات العمالية، وهو نموذج ترك تأثيراً عميقاً في الحياة السياسية لدول المنطقة، بما فيها بيرو.
ورغم عدم وجود إعلان رسمي واضح من موراليس يؤيّد سانشيز في انتخابات عام 2026، فإنّ العديد من المراقبين يرون تقارباً أيديولوجياً بين الرجلين. فقد زار سانشيز بوليفيا أكثر من مرة خلال السنوات الأخيرة، كما ينظر خصومه السياسيون إليه باعتباره متأثّراً بالتجربة البوليفية، ولا سيما في دعوته إلى إصلاحات دستورية عميقة تمنح الفئات الشعبية والريفية دوراً أكبر في صنع القرار.
وتتشابه القاعدة الاجتماعية التي يعتمد عليها سانشيز مع تلك التي أوصلت موراليس إلى السلطة في بوليفيا. فالمناطق الريفية في جبال الأنديز، التي تشعر بالتهميش من قبل النخب السياسية والاقتصادية المتمركزة في العاصمة ليما، تشكّل الخزّان الانتخابي الرئيسي لسانشيز، تماماً كما شكّلت المرتفعات البوليفية قاعدة الدعم الأساسية لموراليس. كذلك فإنّ صعود بيدرو كاستيو نفسه عام 2021 كان جزءاً من موجة أوسع شهدتها منطقة الأنديز، حيث برزت قيادات سياسية تنتمي إلى البيئات الريفية وتطرح نفسها ممثّلة للفئات المهمّشة في مواجهة النخب التقليدية. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى سانشيز بوصفه امتداداً لهذه الموجة اليسارية التي أثّرت في بوليفيا والإكوادور وبيرو خلال العقود الأخيرة.
ويستغلّ خصوم سانشيز هذه الروابط الفكرية للتحذير من احتمال تكرار بعض جوانب التجربة البوليفية، خاصة ما يتعلّق بتعاظم دور السلطة التنفيذية والصدام مع المؤسسات التقليدية للدولة. ولذلك أصبحت الانتخابات الحالية بمثابة استفتاء غير مباشر على مستقبل اليسار الأنديزي في المنطقة.
بذلك تكشف هذه الانتخابات عن عودة الاستقطاب التقليدي بين اليمين واليسار في أميركا اللاتينية. فمن جهة تمثّل فوجيموري توجّهاً محافظاً يركّز على الأمن والاستقرار الاقتصادي، ومن جهة أخرى يجسّد سانشيز خطاباً شعبوياً يسارياً يركّز على العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع السلطة والثروة.
غير أنّ هذا الاستقطاب لا يعكس بالضرورة انقساماً أيديولوجياً واضحاً داخل المجتمع البيروفي بقدر ما يعكس أزمة ثقة عامة بالنظام السياسي. فكثير من الناخبين لا يصوّتون انطلاقاً من قناعات أيديولوجية راسخة، بل بدافع رفض المرشّح الآخر أو التعبير عن غضبهم من الطبقة السياسية. وتشير استطلاعات الرأي إلى تقارب شديد بين المرشّحين، ما يعكس حجم الانقسام داخل المجتمع ويشير إلى أنّ أياً منهما لن يحظى بتفويض شعبي واسع.
التحدّيات التي تواجه الرئيس المقبل
ربما يكون العامل الأكثر أهمية في هذه الانتخابات هو التراجع الحادّ في ثقة المواطنين بالديمقراطية والمؤسسات السياسية. فقد أدّت الفضائح المتكرّرة وقضايا الفساد والصدامات بين الرئاسة والبرلمان إلى شعور واسع بأنّ النظام السياسي لم يعد قادراً على تمثيل مصالح المواطنين. ويعتقد العديد من الباحثين أنّ بيرو تعيش أزمة تمثيل سياسي حقيقية. فالأحزاب ضعيفة ومجزّأة، والبرلمان منقسم، والرؤساء المتعاقبون يفتقرون إلى قواعد دعم مستقرة تمكّنهم من تنفيذ برامجهم. في ظلّ هذه الظروف، يصبح الناخب أكثر استعداداً للبحث عن حلول جذرية أو شخصيات تقدّم نفسها باعتبارها المنقذ القادر على كسر الجمود السياسي، سواء من اليمين أو اليسار.
بغضّ النظر عن الفائز، فإنّ الرئيس المقبل سيواجه مجموعة معقّدة من التحدّيات. أوّلها استعادة الاستقرار السياسي وبناء علاقة أكثر توازناً مع البرلمان. كما سيواجه مهمة صعبة تتمثّل في مكافحة الجريمة المنظّمة التي أصبحت من أبرز مصادر القلق الشعبي.
إضافة إلى ذلك، سيكون على الرئيس الجديد معالجة التفاوتات الاجتماعية والإقليمية التي تغذّي الاحتقان السياسي، والعمل على تحسين الخدمات العامّة وخلق فرص عمل وتحقيق تنمية أكثر توازناً بين العاصمة والمناطق الريفية.
لحظة مفصلية
تمثّل انتخابات 2026 لحظة مفصلية في تاريخ بيرو الحديث. فهي ليست مجرّد منافسة بين كيكو فوجيموري وروبرتو سانشيز، بل مواجهة بين رؤيتين لمستقبل الدولة والمجتمع.
كما أنها تعكس أزمة أعمق تتعلّق بشرعية المؤسسات السياسية وقدرتها على تمثيل المواطنين. في الوقت نفسه، تتجاوز أهمية هذه الانتخابات حدود بيرو لتصبح جزءاً من النقاش الدائر في أميركا اللاتينية حول مستقبل الديمقراطية واليسار الشعبوي وصعود الحركات المناهضة للنخب التقليدية.
ففوز فوجيموري قد يعكس عودة التيارات المحافظة التي تركّز على الأمن والاستقرار، بينما قد يشكّل فوز سانشيز امتداداً جديداً للموجة اليسارية الأنديزية التي ارتبطت بتجارب شخصيات مثل إيفو موراليس وبيدرو كاستيو.