اليمن ومعادلات الصراع: بين إسناد فلسطين وتحوّلات الصراع الإقليمي والدولي
تبدو الحرب مرشحة لمزيد من التصعيد، في ظلّ شعور إسرائيلي وأميركي بلحظة تفوق نسبية تسعى من خلالها واشنطن و"تل أبيب" إلى إحكام السيطرة على المنطقة عبر استكمال تقويض كلّ ساحات المقاومة تباعاً.
-
خريطة القوى داخل اليمن؟
بمناسبة الذكرى السنوية الثالثة لعملية "طوفان الأقصى"، أشار السيد عبد الملك الحوثي، قائد حركة أنصار الله في اليمن، إلى أنّ العملية مثّلت فرصة تاريخية للأمة العربية والإسلامية للتحرّك بصورة أوسع في مواجهة "إسرائيل" ودعم القضية الفلسطينية، لكنه تمّ تفويتها؛ في مقابل القوى الغربية التي كثّفت من دعمها للاحتلال الإسرائيلي، إلى حدّ الشراكة الكاملة.
ورغم محدودية المواقف العربية الرسمية التي اتخذت خطوات مباشرة في اتجاه دعم الفلسطينيين، برزت مواقف مختلفة، من بينها موقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفصائل المقاومة العراقية، وحزب الله في لبنان، وحكومة صنعاء في اليمن.
ويستحقّ الموقف اليمني التوقّف عنده، ليس فقط بسبب طبيعته العسكرية، وإنما أيضاً بسبب الظروف التي اتُّخذ فيها.
فاليمن يعيش منذ سنوات حرباً وأزمة اقتصادية وإنسانية عميقة، بدأت مع تدخّل التحالف الذي قادته السعودية في آذار/مارس 2015 تحت عنوان "عاصفة الحزم". وقد رافقت الحرب قيوداً واسعة على الحركة والتجارة، وأدّت إلى تدهور كبير في الأوضاع الاقتصادية والإنسانية.
ومع ذلك، لم تتعامل حكومة صنعاء مع هذه الظروف باعتبارها "ذريعة كافية" للابتعاد عن القضية الفلسطينية، بل اختارت تحويل موقفها السياسي إلى إجراءات عسكرية، وهو ما جعل اليمن طرفاً مؤثّراً في تطوّرات ما بعد "طوفان الأقصى".
من الدعم السياسي إلى التأثير في الملاحة
منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، انتقل الموقف اليمني إلى مستوى أكثر مباشرة. إذ برزت صنعاء بوصفها إحدى أكثر العواصم العربية مواظبةً على تنظيم التظاهرات الجماهيرية الواسعة الرافضة للعدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية، كما أطلقت القوات المسلحة اليمنية صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه أهداف مرتبطة بـ"إسرائيل" على مسافات تتجاوز ألفي كيلومتر، كما نفّذت هجمات على سفن تجارية إسرائيلية في البحر الأحمر وخليج عدن.
هذا الدور استجلب عدواناً أميركياً مباشراً، كانت البداية في عهد الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، حينما أُعلن نهاية عام 2023 عن تحالف يشمل أكثر من 20 دولة، أُطلق عليه "حارس الازدهار" مُوجّهاً بالأساس لحكومة صنعاء والقوات المسلحة اليمنية. ثمّ تواصل العدوان الأميركي بزخم أكبر مع عودة دونالد ترامب للبيت الأبيض، والشروع في شنّ ضربات متتالية بالطيران على اليمن، حتى الإعلان عن التوصّل إلى هدنة بوساطة عُمانية في أيار/مايو 2025.
وهو ما اعتبرته صنعاء نتيجة لصمودها العسكري وقدرتها على تحمّل الضربات الأميركية.
حرب المعسكرات: صدى لصراع عالمي وآفاق المستقبل
بعد أسبوعين تقريباً من سقوط النظام السوري السابق، قال وزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس إنّ "تل أبيب أسقطت نظام الأسد، وستضرب الحوثيين بقوة".
كانت تصريحات كاتس قريبة إلى حدٍّ كبير من تصريحات رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، الذي قال في أكثر من مناسبة خلال العامين الماضيين إنّ التدخّلات الإسرائيلية في الحرب التي دارت على الأراضي السورية، والضربات التي وُجّهت إلى حزب الله وإيران، كانت هي السبب في سقوط النظام السوري، الذي وصفه بأنه "الحلقة المركزية في المحور الذي تقوده طهران".
واللافت أنّ المسؤولين الإسرائيليين كانوا، على الدوام، يقرنون تباهيهم باغتيال السيد حسن نصر الله وسقوط نظام الأسد، بوعيدٍ موجّه إلى حركة أنصار الله في اليمن، على خلفيّة الدور العسكري الذي تؤدّيه الحركة ضدّ المصالح الإسرائيلية.
الغريب أنّ الجانب الأكبر من الإعلام العربي لم يركّز الضوء على الضربات التي نفّذها الطيران الإسرائيلي على اليمن خلال عامي 2024 و2025. فالمتابع العربي قد يكون على دراية بالدور الذي أدّاه اليمن في مساندة القضية الفلسطينية، لكنه غالباً لا يعرف أنّ هذا الموقف كانت له كلفة عسكرية وبشرية كبيرة؛ إذ استهدفت الغارات الجوية الإسرائيلية، في أكثر من مناسبة، منشآت تخزين ومستودعات للنفط في ميناء الحديدة، إلى جانب بنى تحتية ومصانع ومنشآت مدنية في صنعاء، كما استهدف الطيران الحربي الإسرائيلي مطار صنعاء الدولي.
وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل عشرات الأشخاص، كان من بينهم رئيس الوزراء أحمد غالب الرهوي وعدد من الوزراء، في غارة إسرائيلية استهدفت صنعاء في آب/أغسطس 2025.
إنّ القول بأنّ ما يجري في الداخل اليمني هو مجرّد صراع محلي ضيّق هو قراءة سطحية؛ فالصراع في جوهره هو صدى لحرب إقليمية وعالمية كبرى بين أمم وحركات تطمح للتحرّر من الهيمنة وتعتبر القضية الفلسطينية مركزية لها، وبين أنظمة تابعة للمعسكر الأميركي والصهيوني.
خريطة القوى داخل اليمن
على المستوى الداخلي، لا تبدو الخريطة اليمنية بسيطة. فالمعسكر المناوئ لأنصار الله يضمّ "الحكومة المعترف بها دولياً"، وكبار مسؤوليها لا يعيشون داخل الجغرافيا اليمنية، إضافة إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، وقوات مرتبطة بطارق صالح، وقوى سلفية، وحزب الإصلاح المنضوي ضمن عباءة جماعة الإخوان، وتشكيلات أخرى تلقّت دعماً بدرجات مختلفة من السعودية والإمارات.
هذه القوى تتفق في جوانب أساسية، وفي مقدّمتها مواجهة أنصار الله، لكنها لا تمثّل بالضرورة رؤية سياسية واحدة لمستقبل اليمن. فهناك اختلافات تتعلّق بشكل الدولة، والقضية الجنوبية، وتقاسم النفوذ، والعلاقة مع السعودية والإمارات، ومستقبل المناطق النفطية والساحلية.
في المقابل، تمكّن أنصار الله وحلفاؤهم من تشكيل حكومة حافظت، حتى الآن، على سيطرتها على صنعاء ومعظم مناطق الشمال الغربي، إلى جانب مناطق واسعة من الساحل الغربي، وهي مناطق تضمّ الجزء الأكبر من سكان اليمن.
كما تمكّنت هياكل الحكم في صنعاء من إدارة مؤسسات ومرافق عامّة في المناطق الواقعة تحت سيطرتها لسنوات، ذلك رغم الحصار السعودي، وعدم سيطرتها على معظم موارد النفط والغاز الكبرى في محافظات مثل مأرب وشبوة وحضرموت والمهرة.
إضافة إلى ذلك، يقول المسؤولون اليمنيون إنهم نجحوا في تدريب وإعداد نحو مليون ونصف المليون مقاتل ذوي عقيدة صلبة، في مواجهة معسكر خصوم يضمّ تشكيلات غير منسجمة من الميليشيات المعتمدة على المال السعودي التي تفتقر إلى الانتظام والعقيدة المشتركة.
ومهما كانت السيناريوهات المحتملة واحتمالات تكثيف الخصوم لضرباتهم المؤذية، يظلّ المؤكّد أنّ الحرب في اليمن أوسع بكثير من أن تُختزل في جبهتين متصارعتين محلياً، فهي حلقة مركزية في مواجهة شاملة يحدّد ملامحها معسكر مناهض للهيمنة في مواجهة العالم الغربي، ووكلائه الإقليميين.
جوهر التحالف بين طهران وصنعاء: وحدة القضية لا التبعيّة
على خلاف السرديات التي تحاول اختزال المشهد، يمثّل محور المقاومة تحالفاً استراتيجياً تكاملياً لا تقوم عراه على التبعيّة، بل على تقاطع المصالح العليا ووحدة القضية المركزية المتمثّلة في مواجهة الهيمنة ودعم فلسطين.
فمن خلال الموقع الجغرافي الفريد لليمن، يمتلك "أنصار الله" ورقة قوة استراتيجية متمثّلة في السعي للتحكّم بمضيق باب المندب. وحين يتكامل هذا الحضور مع قدرة أطراف أخرى على الضغط في مضيق هرمز، تتشكّل معادلة جغرافية ضاغطة ومتعدّدة الاتجاهات على "إسرائيل" والولايات المتحدة.
إنّ هذا التلاحم يرتكز على عقيدة سياسية مشتركة تعيد رسم الروابط متجاوزة الحدود الجغرافية التقليدية؛ فالمواطن الإيراني المؤيّد لخط الثورة قد يجد نفسه أقرب فكرياً إلى اليمني الداعم لفلسطين مقارنة ببعض التيارات الداخلية في بلده. وبالمثل، يشعر المواطن في لبنان بقربه من صنعاء أكثر من أيّ قوة سياسية محلية اختارت مسار التطبيع مع "إسرائيل".
هذا الترابط العميق يدركه جيداً المسؤولون عن الإعلام الغربي والخليجي، لكنهم، في المقابل، يحاولون تصوير أطراف المقاومة على أنها أطراف مسلوبة الإرادة لصالح طهران.
غير أنّ الواقع السياسي يعكس صورة مختلفة تماماً؛ ولعل ما قاله رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو في نيسان/أبريل 2025 يعكس هذه الحقيقية، حين أشار إلى أنّ تأثير السيد حسن نصر الله داخل إيران كان واسعاً لدرجة أنه "أثّر فيها أكثر مما أثّرت هي عليه"، واصفاً إياه بأنه "محور المحور"، في إقرار ضمني بأنّ أوزان قيادات المقاومة تنبع من صلابة أدوارهم وتأثيرهم الفعلي في ساحة المواجهة، لا من التبعيّة الشكليّة.
هل يمكن أن تتسع الحرب في اليمن؟
منذ مطلع الشهر الماضي، برزت تطوّرات ميدانية وسياسية ملحوظة، تؤكّد أنّ الصراع في اليمن تجاوز منذ فترة طويلة حدود النزاع المحلي.
ويظهر هذا عبر ملاحظة تنامي الأدوار التي تؤدّيها أطراف الإقليم ودول القرار؛ فالسعودية، وإن كانت طرفاً أساسياً منذ انطلاق العمليات، فقد عادت لتكثيف انخراطها بصورة أعمق عبر الغارات الجوية والتمويل المفتوح لقوى محلية وسلفية مناهضة كقوات "درع الوطن". وإلى جانبها، تؤدّي الولايات المتحدة دوراً استراتيجياً مؤثّراً من دون خوض مواجهة مباشرة على الأرض خشية على مصالحها، حيث تؤكّد التصريحات الرسمية الأميركية توفير واشنطن لخدمات التزوّد بالوقود للطائرات، وتقديم المعلومات الاستخباراتية، والشراكة الفعلية في التخطيط للعمليات العسكرية ضدّ قوات صنعاء.
ولا يتوقّف المشهد عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل تقاطعات إقليمية أوسع ضمن ما يُعرف بـ"حلف مكة"، وما أثير حول أدوار تركية وباكستانية محتملة في مجالات الدعم اللوجستي والاستخباراتي والدفاع الجوي، وصولاً إلى النقاشات حول احتمالات انخراط أطراف أخرى في مسار الضغط على اليمن.
تعكس هذه التحالفات جميعاً القيمة الاستراتيجية الكبرى للموقع الذي تسيطر عليه صنعاء، والدور المحوري الذي تؤدّيه في معادلة المواجهة بين محور المقاومة والمحور الأميركي-الإسرائيلي؛ فلا يمكن بحال من الأحوال قراءة الدور السعودي أو القوات الحليفة بمعزل عن المظلة والتقاطعات الأميركية والإسرائيلية.
ومن هذا المنطلق، تبدو الحرب مرشحة لمزيد من التصعيد، في ظلّ شعور إسرائيلي وأميركي بلحظة تفوق نسبية تسعى من خلالها واشنطن و"تل أبيب" إلى إحكام السيطرة على المنطقة عبر استكمال تقويض كلّ ساحات المقاومة تباعاً، بعد ما تعتبره الدوائر الإسرائيلية إنجازات تحقّقت في كلّ من فلسطين ولبنان، ليتركّز الثقل الأكبر للمواجهة اليوم نحو جبهة اليمن.