الولايات المتحدة تكبّل العراق باتفاقيات كأنها لم تنسحب

تسعى حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى قيادة سياسة توازن دقيقة جداً للاستفادة من الاستثناءات الأميركية كتلك التي سمحت مؤخراً باستئناف الرحلات الجوية بين النجف وطهران، من دون إغضاب واشنطن أو الاصطدام المباشر مع طهران.

0:00
  • السيادة العسكرية العراقية لا تكتمل بدون سيادة مالية واقتصادية.
    السيادة العسكرية العراقية لا تكتمل من دون سيادة مالية واقتصادية.

تمّ الانسحاب الكامل للجيش الأميركي وقوات التحالف الدولي من العراق، كما كان متفقًا عليه في 30 سبتمبر 2026، بعد نحو 12 عامًا من الوجود الأميركي بحجة قتال تنظيم "داعش".

 

واكتمل انسحاب قوات التحالف ومعداته من القواعد العسكرية المختلفة، بما في ذلك قاعدة أربيل الجوية.

أعلنت واشنطن أنها ستواصل تقديم تدريب موجّه ودعم استخباري للقوات العراقية، من دون وجود قواعد أو قوات مقاتلة على الأرض. وبناءً عليه، جرى تفعيل «اتفاقية الإطار الاستراتيجي» الشاملة لعام 2008 بمنظور مدني ودبلوماسي واقتصادي جديد، ما طوى صفحة التحالف العسكري والعمليات القتالية.

تتركز العلاقات الآن على تحويل بنود اتفاقية الإطار الاستراتيجي إلى واقع ملموس يحوّل طبيعة الوجود الأميركي في العراق من غطاء عسكري إلى «شراكة ثنائية مستدامة بدلاً من التحشيد العسكري»؛ إذ وقّع العراق مع الجانب الأميركي حزمة ضخمة تضم 48 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة تصل إلى 60 مليار دولار. تركز هذه الاتفاقيات على مجالات الطاقة، والكهرباء، والرعاية الصحية، وتطوير البنية التحتية التكنولوجية والمالية.

ويستمر الدعم الأميركي للعراق في قطاعات التسليح والصيانة والتدريب وتبادل المعلومات الاستخبارية لمكافحة الإرهاب، عبر قنوات ثنائية متفق عليها تمتد حتى عام 2028.

في الوقت عينه، أعلنت وزارة الدفاع التركية في 1 أكتوبر 2026 بدء تسليم قاعدة بعشيقة العسكرية -شمال شرقي الموصل- إلى الحكومة الاتحادية العراقية بصورة تدريجية، عقب اتفاق مباشر في نيويورك بين رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي والرئيس التركي رجب طيب إردوغان.

يُتوقع اكتمال نقل السيطرة على قاعدة بعشيقة بحلول نهاية عام 2026، لكن ذلك لا يعني انسحابًا تركيًا كاملًا من شمال العراق؛ إذ تحتفظ تركيا بعشرات القواعد والنقاط العسكرية المتفاوتة الحجم (مثل قواعد بامرني، وباطوفة، وشيلادزي في دهوك، وديانة في أربيل) لتأمين الشريط الحدودي التركي ومنع أي تهديدات أمنية، بحسب ادعاءاتها.

وجاءت الخطوة التركية في بعشيقة كبادرة حسن نية وتنسيق أمني، مدفوعةً برغبة الطرفين في تأمين الحدود وتفعيل مشاريع اقتصادية استراتيجية مشتركة، وفي مقدمتها مشروع «طريق التنمية» العراقي الذي يربط الخليج بأوروبا عبر تركيا.

إلا أن الإخلاء الأميركي أثار مخاوف جدية لدى الأوساط الكردية بسبب نشوء فراغ أمني؛ إذ بات الإقليم مكشوفًا من الناحية الدفاعية أمام الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة الإقليمية بعد سحب مظلة الدفاع الجوي الأميركية. ودفع هذا التحوّل قيادات الإقليم -مثل مسعود بارزاني- إلى تأكيد التوجه نحو تنسيق أمني وعسكري عالي المستوى مع الحكومة الاتحادية في بغداد لحماية الحدود ومواجهة أي تهديدات مشتركة.

السيادة العسكرية العراقية لا تكتمل من دون سيادة مالية واقتصادية

بموجب ترتيبات بدأت منذ عام 2003، تُودَع عائدات مبيعات النفط العراقي بالدولار في حساب خاص لدى البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. ويقوم البنك المركزي العراقي بطلب شحنات النقد (الدولار الورقي) شهريًا من الفيدرالي لتغذية السوق المحلية وتمويل التجارة.

يفرض الفيدرالي الأميركي ووزارة الخزانة قيودًا صارمة ومنصة إلكترونية لتدقيق الحوالات الخارجية، وتمتلك واشنطن القدرة على عزل أو معاقبة أي مؤسسة مالية عراقية لا تمتثل للمعايير الأميركية. وخلال السنوات الأخيرة، أدرجت الخزانة الأميركية عشرات المصارف الأهلية العراقية في القائمة السوداء ومنعتها من التعامل بالدولار، ما أحدث هزات في سعر صرف الدينار العراقي، وأثبت مدى حساسية الاقتصاد المحلي للقرارات الأميركية.

وبينما يمثل الانسحاب العسكري الكامل خطوة استراتيجية لإنهاء الوجود المسلح على الأرض، يظل «الدولار» الأداة الأكثر فاعلية التي تحتفظ بها واشنطن للتأثير في القرار العراقي، ما يجعل التحرر الاقتصادي التحدي الأكبر والأعقد أمام الحكومات العراقية المتعاقبة.

يمثل الخروج العسكري الأميركي تحوّلًا نحو «شراكة ثنائية مستقلة»؛ إذ يتجه شكل التعاون بين واشنطن وبغداد في المرحلة المقبلة نحو مسارات أمنية وسياسية جديدة عبر استمرار تقديم التدريب الموجّه، والمشورة الفنية، والتنسيق الاستخباري، وتتركّز الاتفاقيات المُبرمة على التعاون الدبلوماسي والأكاديمي والاقتصادي والتجاري، إضافة إلى الاستثمار في قطاع الطاقة والثقافة.

سيبقى مكتب المساعدة والتعاون الأمني داخل السفارة الأميركية في بغداد قائمًا للإشراف على برامج تسليح الجيش العراقي وتدريبه.

العلاقة مع إيران وواشنطن تكبّل العراق باتفاقيات

هذا الشكل الجديد من الاتفاقيات يعني أن المعادلة السياسية والأمنية في العراق تعيش تحوّلاً جذرياً يضعه بين نفوذ إيراني مترسخ جغرافياً وسياسياً، وبين منظومة علاقات أميركية مدنية واقتصادية معقّدة تم تبنّيها قبيل إتمام الانسحاب العسكري.

كبّلت الولايات المتحدة العراق باتفاقيات تبدو وكأنها لم تغادر؛ فنهاية الوجود العسكري المباشر لم تعنِ إنهاء النفوذ الأميركي، بل تحويله إلى قنوات مؤسساتية وتشريعية يصعب التحلل منها. في المقابل، تنظر طهران إلى الانسحاب العسكري الأميركي كفرصة لملء الفراغ، لكنها تصطدم بالقيود المفروضة على بغداد.

وقد دعت السفارة الإيرانية في بغداد الحكومة العراقية رسمياً إلى اتخاذ قرار فوري بحماية العلاقات التاريخية والاقتصادية بين البلدين من تداعيات العقوبات الأميركية؛ فإيران تعتمد على العراق كمتنفس اقتصادي وتجاري حيوي، وتخشى أن تؤدي الاتفاقيات الأميركية المكبّلة للقطاع المصرفي العراقي إلى خنق هذا الشريان. في حين يبقى النفوذ الإيراني متجذراً عبر الحدود الطويلة، والتداخل الاجتماعي، ومجموعات الحشد الشعبي.

تحوّل العراق مراراً إلى ساحة لتبادل الضربات الصاروخية والغارات الجوية بين القوات الأميركية والإسرائيلية من جهة، والفصائل الموالية لإيران من جهة أخرى. والعراق اليوم يقف في المنتصف تماماً؛ فهو محكوم بجغرافيا وتداخل أمني وسياسي يربطه بإيران، وفي الوقت نفسه مقيّد ببنية تحتية اقتصادية، ومالية، وعسكرية صممتها وتتحكم بمساراتها الولايات المتحدة.

وتسعى حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى قيادة سياسة توازن دقيقة جداً للاستفادة من الاستثناءات الأميركية، كتلك التي سمحت مؤخراً باستئناف الرحلات الجوية بين النجف وطهران، من دون إغضاب واشنطن أو الاصطدام المباشر مع طهران.