الوداع والذاکرة التاريخية.. قراءة في رمزية الوداع الجماعي وتحولات القوة والهوية في إيران المعاصرة

التاريخ لا يُصنع فقط في مراكز القرار، بل أيضاً في الساحات والميادين، حين تتحوّل الجماهير إلى شاهد على مرحلة، وحين يصبح الحضور الشعبي لغة تحمل معاني الهوية والانتماء والذاكرة.

  • الوحدة الوطنية وإشكالية قراءة الواقع الإيراني.
    الوحدة الوطنية وإشكالية قراءة الواقع الإيراني.

في الأيام التي شهدت فيها إيران واحدة من أوسع وأعمق مراسم التشييع حضوراً ودلالةً في تاريخها المعاصر، لم يعد تشييع جثمان الإمام الشهید السيد علي الخامنئي مجرّد مراسم عزاء ووداع لشخصية دينية وسياسية بارزة، بل تحوّل إلى مشهد واسع قابل للقراءة والتحليل من زوايا متعدّدة؛ اجتماعية وثقافية وسياسية وتاريخية.

ففي تاريخ الأمم، هناك جنائز تتجاوز إطارها التقليدي؛ فلا تعود مجرّد نهاية لمسيرة إنسان، بل تتحوّل إلى لحظة تكشف فيها المجتمعات عن ذاتها، وتستحضر ذاكرتها التاريخية، وتعيد تقديم رموزها وقيمها، كما تكشف طبيعة العلاقة بين الشعوب وهويتها الجماعية والشخصيات التي تركت أثراً في مسارها التاريخي.

ومن هذا المنطلق، فإنّ أهمية أيّ تشييع لا تختزل فقط في حجم المشاركة أو ضخامة المشهد، بل تكمن قبل ذلك في المعاني التي تتولّد من داخله؛ معانٍ قد تتجاوز حدود اللحظة الراهنة لتؤثّر في مسارات اجتماعية وسياسية، بل وفي حسابات إقليمية ودولية.

وعليه، فإنّ قراءة أبعاد هذا التشییع ـــــ الحدث تستدعي وضعه ضمن سياق أوسع، ومقارنته ببعض الجنائز الكبرى في التاريخ المعاصر؛ تلك المراسم التي لم تبقَ مجرّد لحظات وداع إنسانية، بل تحوّلت إلى رموز لمرحلة تاريخية، أو لقضية كبرى، أو لتيار فكري ترك بصمته في ذاكرة الشعوب.

وعندما نعود إلى صفحات التاريخ المعاصر، نجد أنّ بعض الجنائز لم تكن مجرّد مراسم وداع، بل تحوّلت إلى علامات فارقة في مسيرة الأمم، و ليست كلّ الجنائز صفحةً تُطوى في سجلّ التاريخ، فبعضها يتحوّل، بفعل الرمزية التي يحملها وحجم التفاعل الشعبي حوله، إلى لحظة تاريخية تكشف عمق العلاقة بين المجتمعات ورموزها، وبين الحاضر وذاكرته، وبين الإنسان والقضايا الكبرى التي يرى فيها جزءاً من هويته ووجوده.

فالجنازة، في بعدها التقليدي، هي لحظة وداع، أما في بعض المنعطفات التاريخية فإنها تتجاوز هذا الإطار لتصبح حدثاً اجتماعياً وثقافياً وسياسياً؛ إذ لا يعود الحضور فيها تعبيراً عن الحزن فقط، بل يصبح لغة جماعية تحمل رسائل متعدّدة، وتكشف عن طبيعة العلاقة بين القيادة والمجتمع، وبين الفرد والجماعة، وبين التاريخ والوعي الجمعي.

 وقد عرف التاريخ المعاصر نماذج عديدة لجنائز تحوّلت إلى أحداث ذات دلالات تتجاوز الأشخاص الذين رحلوا. فتشييع جواهر لال نهرو عام 1964 لم يكن مجرّد وداع لأول رئيس وزراء للهند بعد الاستقلال، بل كان استحضاراً لمسيرة طويلة من النضال ضدّ الاستعمار وبناء الدولة الوطنية الحديثة. كما مثّل تشييع جمال عبد الناصر عام 1970 لحظة رمزية كبرى ارتبطت بمشروع القومية العربية، وبالأسئلة الكبرى التي طرحتها مرحلة ما بعد الاستعمار في العالم العربي.

وكذلك حمل تشييع فيدل كاسترو دلالات خاصة لدى أنصاره، باعتباره شخصية ارتبط اسمها في الذاكرة السياسية العالمية بمواجهة الهيمنة والنفوذ الإمبريالي.

غير أنّ بعض الجنائز تجاوزت حدود الرمزية الشخصية، لأنها ارتبطت بمشاريع تاريخية وتحوّلات كبرى أعادت تشكيل المشهد السياسي في مناطقها والعالم. ومن أبرز هذه النماذج في العقود الأخيرة تشييع الإمام روح الله الموسوي الخميني عام 1989، بوصفه قائد الثورة الإسلامية الإيرانية التي مثّلت أحد أهمّ التحوّلات السياسية في القرن العشرين وما بعده ومؤسّساً للچمهوریة الإسلامية وكذلك تشييع الحاج قاسم سليماني الذي ارتبط حضوره في الوعي السياسي للمقاومة وبالصراعات الإقليمية الكبرى وبمواجهة المشاريع الاستكبارية والتكفيرية  وإعادة تشكيل خرائط المنطقة.

إلّا أنّ بعض الأحداث التاريخية تكتسب خصوصيتها من سياقها الخاصّ، ومن حجم المعاني التي تتجمّع حولها. ومن هذا المنطلق، فإنّ تشييع الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، يمثّل لحظة ذات أبعاد واسعة في التاريخ الإيراني المعاصر، لما يحمله من تداعيات داخلية وإقليمية ودولية كبيرة.

فالقضية هنا لا ترتبط فقط بعدد المشيّعين أو ضخامة المشهد البصري، بل بما يكشفه الحدث من رسائل ودلالات؛ إذ إنّ الحشود الكبرى في اللحظات المفصلية تصبح مرآةً تعكس طبيعة المجتمع، ودرجة ارتباطه برموزه، وقدرته على التعبير عن مواقفه من خلال الحضور الجماعي.

ومن أبرز المحاور التي يطرحها هذا المشهد مسألة مستقبل النظام السياسي واستمرارية مؤسساته. فالحضور الشعبي الواسع والمذهل في المدن الكبرى، ولا سيما طهران وقم ومشهد، إلى جانب المشاركة في مختلف المناطق الإيرانية، يُقرأ باعتباره تعبيراً عن حالة من التماسك الاجتماعي، ورسالة دعم للهوية الوطنية والمؤسسات السياسية التي تشكّلت خلال العقود الماضية.

 وهي أیضاً بمثابة استفتاء عامّ آخر للنظام وبيعة كبيرة للقيادة الجديدة ودعم للدولة بمفهومها العامّ وللأمة الايرانية وتاريخها.

واللافت في هذه المشاهد أنّ نسبة كبيرة من المشاركين تنتمي إلى أجيال وُلدت بعد الثورة الإسلامية، أي أنها لم تعش بصورة مباشرة مرحلة النظام الملكي والدیکتاتوري البائد بكلّ تفاصيلها، لكنّها تشكّل وعيها التاريخي داخل سياق مختلف، وترى نفسها مرتبطة بسردية سياسية وثقافية نشأت بعد الثورة.

 وهنا تبرز أهمية فهم المجتمعات من داخل تجاربها التاريخية؛ فالأجيال الجديدة لا تتحرّك فقط بناءً على التجربة الشخصية المباشرة، بل أيضاً بناءً على الذاكرة التي ورثتها، والرموز التي تشكّل وعيها الجمعي، والتفسيرات التي تحملها عن تاريخ بلدها وعلاقاته مع العالم الخارجي.

الوحدة الوطنية وإشكالية قراءة الواقع الإيراني

من بين أبرز الرسائل التي حملها هذا المشهد، تبرز مسألة الوحدة الوطنية بوصفها أحد الأبعاد الأساسية في قراءة الحدث. فقد بدا العلم الإيراني حاضراً بقوة في فضاء التشييع، بوصفه رمزاً جامعاً يتجاوز التنوّعات القومية والمذهبية والدينية، وهو ما نراه تعبيراً عن حالة من الالتفاف الوطني في لحظة تاريخية حسّاسة.

فالمجتمعات ذات العمق التاريخي والحضاري لا تُختبر فقط في أوقات الاستقرار، بل تظهر طبيعة تماسكها الحقيقي في لحظات الأزمات والتحوّلات الكبرى. ومن هذا المنظور، يُقرأ الحضور الجماهيري باعتباره رسالة تؤكّد قدرة المجتمع الإيراني على إنتاج مساحة مشتركة من الهوية، وعلى تجاوز الخلافات الداخلية عندما يشعر بأنّ هناك تحدّيات خارجية تمسّ كيانه أو استقلاله.

كما أعاد هذا المشهد طرح قضية قديمة في العلاقة بين إيران والغرب، وهي قضية فهم المجتمع الإيراني وتعقيداته. فقد أثبتت التجارب التاريخية أنّ كثيراً من الحسابات الخارجية أخفقت في قراءة البنية العميقة لهذا المجتمع، لأنها ركّزت أحياناً على المعطيات السياسية الظاهرة، وأهملت العوامل الثقافية والتاريخية والدينية التي تؤثّر في سلوك الجماعات والشعوب.

ولعلّ المثال الأكثر شهرة في هذا السياق هو موقف الرئيس الأميركي جيمي كارتر خلال زيارته إلى طهران في نهاية عام 1977، عندما وصف إيران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي بأنها "جزيرة الاستقرار". فقد جاءت الأحداث اللاحقة لتكشف حجم الفارق بين الصورة التي كانت تُقدَّم في بعض دوائر القرار الأميركي وبين الواقع المتحرّك داخل المجتمع الإيراني؛ إذ اندلعت بعد أسابيع قليلة فقط احتجاجات شعبية واسعة في مدينة قم، لتتسارع بعدها الأحداث التي انتهت خلال عام واحد تقريباً بسقوط النظام الملكي.

ولم تكن تلك الحادثة الوحيدة في سلسلة من الحسابات التي لم تصب في تقديرها؛ فقد تكرّرت قراءات خاطئة بأشكال مختلفة، من محاولات زعزعة الاستقرار الداخلي، إلى عملية الإنزال العسكري في طبس عام 1980، مروراً بالتوترات المرتبطة بالقضايا القومية والحدودية، وصولاً إلى المواجهات الكبرى التي شهدتها الجمهورية الإسلامية خلال العقود الماضية.

ومن هذه الزاوية، نری أنّ مشهد التشييع الجماهيري يمثّل دليلاً جديداً على أنّ فهم إيران لا يمكن أن يعتمد فقط على الحسابات السياسية التقليدية، بل يحتاج إلى إدراك أعمق للذاكرة التاريخية والثقافية التي تشكّل وعي المجتمع.

من "وحدة الساحات" إلى الحضور الشعبي العابر للحدود

كما حمل هذا الحدث بعداً إقليمياً مرتبطاً بمفهوم "وحدة الساحات"، وهو المفهوم الذي أصبح خلال السنوات الماضية جزءاً من الخطاب السياسي والعسكري المرتبط بمحور المقاومة في المنطقة.

غير أنّ اللافت في هذه المناسبة، وفق قراءتي للمحور، هو انتقال هذا المفهوم من المجال السياسي والعسكري إلى المجال الشعبي والرمزي؛ إذ ظهرت صور التضامن والمشاركة خارج الحدود الإيرانية، ولا سيما في العراق ولبنان واليمن ومناطق أخرى، مع اختلاف طبيعة المشاركة وظروفها السياسية والأمنية.

العراق… حين يكتسب الوداع بُعداً إقليمياً

لم يكن اختيار العراق محطةً رئيسة في مراسم تشييع الإمام السيد علي الخامنئي حدثاً عابراً، بل أضفى على المشهد أبعاداً تجاوزت حدود مراسم الوداع التقليدية. فالعراق، بما يمثّله من مكانة دينية وتاريخية وحضارية، لا يُعدّ مجرّد فضاء جغرافي لاستضافة حدث من هذا النوع، بل يُنظر إليه بوصفه إحدى الساحات التي تتقاطع فيها الرمزية الدينية مع التحوّلات السياسية في المنطقة.

وقد بدا واضحاً أنّ مراسم التشييع في العراق حملت دلالات تتجاوز إطارها المحلي، إذ عكست، في نظر عدد من المراقبين، عمق الروابط الدينية والتاريخية والاجتماعية التي نسجتها عقود طويلة بين الشعبين العراقي والإيراني، كما أعادت التذكير بالموقع الذي يحتله العراق في معادلات الإقليم، بوصفه أحد أهمّ المراكز الدينية والثقافية في العالم الإسلامي، وحاضراً دائماً في كثير من المنعطفات الكبرى التي شهدتها المنطقة.

ومن هذا المنطلق، لم يُقرأ التشييع في العراق باعتباره امتداداً جغرافياً لمراسم الوداع فحسب، بل باعتباره محطةً أضافت إلى الحدث بعداً إقليمياً جديداً، وفتحت المجال أمام قراءات متعدّدة تتصل بمكانة العراق، وبطبيعة التحوّلات التي تشهدها المنطقة، وبالدلالات التي تكتسبها مثل هذه المناسبات في لحظات إعادة تشكل التوازنات الإقليمية.

كما أنّ الحضور الرسمي والشعبي من خارج إيران أضفى على المشهد بعداً يتجاوز الإطار الوطني، وجعل من التشييع مناسبة تعكس شبكة من العلاقات والرموز الإقليمية ‌وحتی أعطاها بعداً أممیاً. 

ومن هنا، فإنّ قراءة الحدث لا تتوقّف عند الجانب العاطفي المرتبط بالحزن، بل تمتدّ إلى تحليل مفهوم القوة في العالم المعاصر. فالقوة لم تعد محصورة في القدرات العسكرية أو الموارد الاقتصادية أو الموقع الجغرافي فقط، بل تشمل أيضاً قدرة المجتمع على إنتاج التماسك الداخلي، وعلى تحويل اللحظات الصعبة إلى مظاهر من الحضور الجماعي.

وفي هذا السياق، نری أنّ إيران تمتلك إلى جانب أوراقها الجغرافية والاستراتيجية، وفي مقدّمتها موقعها في الخليج الفارسي ومضيق هرمز، ورقة أخرى تتمثّل في العامل الاجتماعي والديموغرافي؛ أي قدرة المجتمع على التحوّل إلى عنصر مؤثّر في الحسابات السياسية والتفاوضية.

فالجغرافيا تمنح الدول مواقع استراتيجية، لكنّ المجتمعات تمنح الدول القدرة على الصمود والاستمرار. وبين الموقع الجغرافي والعمق الشعبي تتشكّل صورة القوة المركّبة التي تعتمد عليها الدول في مراحل المواجهة الكبرى.

الرمزية العاشورائية ولغة الذاكرة الجماعية

ومن أبرز السمات التي لفتت انتباه المراقبين في مراسم التشييع، الحضور الكثيف للرموز والشعارات المستمدة من الذاكرة العاشورائية والكربلائية. وربما كان أكثر ما منح هذا المشهد خصوصيته هو هذا الحضور القوي للرمزية الدينية والثقافية التي تتجاوز حدود اللحظة الراهنة، لتتصل بذاكرة تاريخية عميقة في الوجدان الشيعي الإيراني.

فقد حضرت مفاهيم عاشوراء وكربلاء في الشعارات والهتافات والرموز البصرية، بوصفها جزءاً من منظومة ثقافية ترى في مفاهيم التضحية والصبر ومواجهة الظلم عناصر أساسية في فهم التاريخ والحاضر.

فقد شهدت الساحات والشوارع التي احتضنت مراسم التشييع انتشاراً واسعاً للرايات الحمراء، إلى جانب الرايات السوداء، كما رُفعت لافتات وردّدت هتافات من قبيل "يا لثارات الحسين"، و"يا لثارات الخامنئي"، و"هيهات منا الذلة".

وهنا لا يمكن قراءة الرموز بمعزل عن سياقها الثقافي؛ فالأمم لا تتعامل مع الأحداث الكبرى باعتبارها وقائع منفصلة فقط، بل تستدعي من خلالها مخزونها التاريخي والرمزي. ولذلك فإنّ استحضار كربلاء وعاشوراء في مثل هذه اللحظات يعكس حضوراً عميقاً لذاكرة جماعية ترى في الشهادة والصمود مفاهيم مركزية في تفسير التجربة التاريخية.

ولهذا بدا المشهد وكأنه يتحرّك بين لونين أساسيين: الأسود بما يحمله من معاني الحزن والفقد والدموع، والأحمر بما يرمز إليه من الشهادة والعزم والإصرار. وبين اللونين تشكّلت صورة تجمع بين الألم والقوة، بين لحظة الوداع وإرادة الاستمرار.

فهذه العبارات تنتمي إلى منظومة رمزية تشكّلت عبر قرون، وترتبط في الذاكرة الجماعية بواقعة كربلاء وما تمثّله من معاني المظلومية، والوفاء، والثبات، والسعي إلى العدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم والاعتداءات.

ومن ثمّ، فإنّ هذه الشعارات لم تكن، بالنسبة إلى كثير من المشاركين، مجرّد هتافات آنية فرضتها ظروف الحدث، بل جاءت بوصفها استدعاءً لذاكرة تاريخية ودينية تُستحضر عادةً في اللحظات المفصلية، حين تُقرأ الأحداث المعاصرة من خلال الرموز المؤسسة للهوية الدينية والثقافية.

غير أنّ المعنى الأعمق للمشهد لم يكن في الألوان أو الشعارات وحدها، بل في الوجوه والملامح والعيون. فالأرقام، مهما بلغت ضخامتها، لا تستطيع وحدها أن تنقل حقيقة اللحظة الإنسانية؛ أما الدموع ونظرات الحاضرين فتقدّم لغة أخرى، لغة أكثر قرباً من جوهر الإنسان ومشاعره.

إنّ الحشود الكبرى يمكن قياسها بالأعداد، لكن لا يمكن اختزالها بالأرقام فقط؛ لأنّ خلف كلّ وجه قصة، وخلف كلّ دمعة علاقة، وخلف كلّ حضور ذاكرة وتجربة وشعور بالانتماء.

كما برز في هذا المشهد جانب آخر لا يقلّ أهمية، وهو مشاهد التضامن الشعبي وحفاوة الاستقبال والخدمات التي قدّمها الناس للزوّار والمشاركين. فقد ظهرت المواكب الشعبية في صورة تعكس ثقافة الضيافة والتكافل الاجتماعي، وتحوّلت هذه المواكب إلى مساحة للتعبير عن الانتماء والمشاركة.

وكان حضور المشاركين من دول الجوار، مثل العراقيين والأفغان والأتراك والأذربيجانيين واللبنانيين وغيرهم، يحمل دلالة رمزية خاصة؛ إذ لم يبقَ القادمون مجرّد ضيوف، بل أصبحوا جزءاً من المشهد، وكأنهم انتقلوا من موقع الزائر إلى موقع الشريك في لحظة جماعية تتجاوز الحدود.

التشييع بوصفه إعلاناً للهوية الجماعية

تكشف التجارب التاريخية أنّ الشخصيات التي تتجاوز حدودها الوطنية وتتحوّل إلى رموز لقضية أو فكرة أو مرحلة تاريخية، تصبح مراسم وداعها مختلفة عن غيرها؛ إذ تتحوّل الجنازة من طقس حزن إلى مساحة لإعادة تعريف الهوية الجماعية.

ففي مثل هذه اللحظات، لا يودّع المجتمع شخصاً فقط، بل يستحضر من خلاله تاريخاً ورؤيةً وذاكرةً مشتركة. ولهذا فإنّ أهمية التشييع لا تكمن فقط في حجم الحضور، بل في المعاني التي ينتجها هذا الحضور.

كما أنّ مشاركة قيادات الدولة ومؤسساتها في هذه المناسبة تحمل، وفق القراءة السياسية لهذا الحدث، رسالة مرتبطة باستمرارية المؤسسات وقدرتها على إدارة مرحلة انتقالية حساسة.

وتتعدّد رسائل التشييع بين الحضور الشعبي الواسع، والرموز الثقافية والدينية، والتنظيم الكبير للمراسم، لتجعل من الحدث أكثر من مناسبة جنائزية؛ إذ يصبح لحظة سياسية واجتماعية تكشف طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

حين تتحدّث الجماهير بلغة التاريخ

في النهاية، فإنّ بعض الجنائز لا تُقرأ فقط باعتبارها لحظة نهاية، بل باعتبارها لحظة كشف؛ تكشف طبيعة المجتمعات، وعمق ارتباطها برموزها، وطريقة تفاعلها مع تاريخها.

فالتاريخ لا يُصنع فقط في مراكز القرار، بل أيضاً في الساحات والميادين، حين تتحوّل الجماهير إلى شاهد على مرحلة، وحين يصبح الحضور الشعبي لغة تحمل معاني الهوية والانتماء والذاكرة.

وقد تختلف القراءات السياسية لهذا الحدث بين المراقبين، لكن من الصعب إنكار أنّ بعض اللحظات الجماعية الكبرى تمتلك قدرة خاصة على تجاوز إطارها الزمني، والتحوّل إلى مادة للذاكرة التاريخية.

فبعض الجنائز لا تكون خاتمة لمسيرة الأشخاص فقط، بل تصبح بداية لمرحلة جديدة من التأويل والقراءة وصناعة المعنى.

وهنا تحديداً يتحوّل التشييع من مراسم وداع إلى ذاكرة تاريخية.

بدأت يوم الجمعة 3 تموز/يوليو مراسم تشييع القائد الأممي الشهيد السيد علي خامنئي، في مراسم تستمر عدة أيام وتتنقل بين عدة مدن في إيران والعراق.