الهيليوم.. حين تتحوّل الندرة إلى سلطة

أزمة الهيليوم العالمية كصراع استراتيجي على مورد نادر بين احتياجات الدفاع وصناعة التكنولوجيا، مع امتلاك واشنطن سلطة تخصيصه وتأجيل استخدامها.

  • الهيليوم.. حين تتحوّل الندرة إلى سلطة
    الهيليوم.. حين تتحوّل الندرة إلى سلطة

منذ اندلاع حرب إيران، جرى التعامل مع أزمة الهيليوم العالمية، في معظم التغطيات المتخصصة، بوصفها أزمة تصنيع تقنية بحتة تختزل في نقص أحد المدخلات الحيوية لصناعة الرقائق الإلكترونية وأقراص التخزين الصلبة، وكأنها قضية منفصلة تماماً عن الاستنزاف الذي تتعرّض له الترسانة الصاروخية الأميركية في الجبهة الأخرى من المشهد. 

والحقيقة أنّ هذا الفصل وفّر راحةً تحليليةً واضحة، لكنه أزاح السؤال الأكثر دلالة عن محور النقاش: ماذا يحدث عندما يتزاحم قطاعان استراتيجيان، هما الصناعة الدفاعية والصناعة التكنولوجية المدنية-الحليفة، على المورد الحرج نفسه في اللحظة التاريخية ذاتها؟ ويتجاوز هذا السؤال حدود الهندسة الصناعية إلى فضاء السلطة أين يصبح جوهر المسألة متعلّقاً بمن يملك حقّ توزيع الندرة، وكيف ومتى يمارس هذا الحقّ. 

وتبدأ الإجابة عن هذا السؤال من حقيقة كثيراً ما غابت عن النقاش العامّ؛ فأزمة الهيليوم أخذت شكل أزمة مستقلة ولدت في قلب الأزمة النفطية نفسها، وبمؤشرات قد تبدو، في بعض أبعادها، أكثر صرامة من المؤشرات التي احتلت عناوين الأخبار في أسواق النفط العالمية. وعليه، فإنّ اختزال أزمة الهيليوم في مجرّد أثر جانبي نجم عن إغلاق مضيق هرمز يقود في اعتقادنا إلى قصور في تصوّر حجم الأزمة وتداعياتها.

استنزافان متوازيان.. تحت سلطة تخصيص واحدة

إنّ الوقائع العسكرية تتحدّث بلغة لا تحتمل التأويل. فقد استخدم الجيش الأميركي الجزء الأكبر من مخزونه من صواريخ (ATACMS) و(PrSM) خلال خمسة أشهر من الحرب مع إيران، بحسب ما نشرته رويترز في تقريرها الصادر يوم 04 آب/أغسطس 2026 الذي برهنت فيه "الاستنزاف غير المسبوق" لترسانة الصواريخ الأميركية بعيدة المدى في مواجهة إيران. 

وفق التقرير ذاته، استنفدت القيادة المركزية الأميركية كامل مخزونها البري تقريباً قبل اندلاع القتال، ثمّ لجأت إلى تعويض النقص عبر نقل ذخائر من مناطق أخرى من العالم. وخلال الفترة نفسها، انخفض مخزون الولايات المتحدة من صواريخ باتريوت الاعتراضية من أكثر من 2300 صاروخ قبل 28 شباط/فبراير 2026 إلى نحو 800 صاروخ اليوم، وفق تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية (CSIS) التي أكد مسؤول أميركي دقّتها. كما تراجع مخزون (THAAD) بما لا يقلّ عن 38%، بينما استهلك ما يقارب نصف المخزون العالمي من صواريخ توماهوك (Tomahawk).

في خضمّ حالة التأزّم هذه، تكشف أزمة الهيليوم، بدورها، عن وجه آخر للاستنزاف، تحكمه قواعد مختلفة ودينامية مستقلة. فالهيليوم مورد صناعي لا بديل تقني له في أكثر من 50 قطاعاً حول العالم، وقد تشكّلت أزمته بفعل انقطاع الإمداد اللوجستي عبر مضيق هرمز، بالتزامن مع تصاعد الطلب المدني عليه المرتبط بثورة الذكاء الاصطناعي.

غير أنّ الاستنزافين - رغم استقلالهما التشغيلي الظاهر - يلتقيان عند نقطة واحدة لا تقلّ دلالة عن أيّ تقاطع مباشر في سلسلة الإنتاج، فقد بات كلاهما، منذ تموز/يوليو 2026، خاضعاً لإطار قانوني واحد يمنح "وزارة الحرب" الأميركية سلطة تخصيص الهيليوم بين الاستخدامين الدفاعي والمدني-الحليف. بناء على هذا، يتحوّل السؤال من "من يستهلك الهيليوم أكثر؟" إلى سؤال أكثر جوهرية: من يملك، قانونياً ومؤسسياً، حقّ توزيع هذا المورد عند لحظة الاحتكاك؟

ويتركّز أكثر من 70% من الاستهلاك العالمي لغاز الهيليوم في استخدامات صناعية وصحّية بالغة الحساسية، تشمل تبريد المغانط فائقة التوصيل في أجهزة الرنين المغناطيسي، التي تستحوذ وحدها على نحو 28% من الحصة الصحية لاستخدام هذا الغاز بواقع 1500 إلى 2000 ليتر من الهيليوم السائل لتعبئة جهاز واحد عند تركيبه، إلى جانب تنقية ومعالجة رقائق أشباه الموصلات، بحصة سوقية تناهز 21-24%، وتصنيع الألياف الضوئية، وكشف التسريبات في الصناعات الدقيقة، فضلاً عن برامج الفضاء الأميركية. أما الأهمّ من كلّ هذا، فهو حاجة البنى التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي لغاز الهيليوم، إذ يعتمد الطلب المتزايد على مسرّعات الذكاء الاصطناعي على رقائق وذواكر عالية الآداء من نوع  (HBM) تعتمد عمليات تصنيعها –بدورها- على الهيليوم في مراحل إنتاجية حيوية. 

ويبلغ الحجم الكلي للسوق العالمي لغاز الهيليوم نحو 5 مليارات دولار سنوياً، وهو رقم متواضع في ظاهره، لكنه يخفي وراءه ثقلاً استراتيجياً ضخماً، من منطلق أنّ القيمة الحقيقية لهذا الغاز تنبع من استحالة الاستغناء عنه في معظم مجالات استخدامه المذكورة سالفاً. 

في مقابل هذا المشهد المعقّد، تكشف خريطة الإنتاج العالمية مقدار هشاشة هذه السوق، إذ توفّر قطر وحدها ما بين 30 و38% من الإمدادات العالمية، بينما تنتج الولايات المتحدة نحو 36% من الإنتاج العالمي، وتنضمّ إليهما الجزائر وروسيا بوصفها مراكز الإنتاج الرئيسية الأربعة في العالم.

واضح إذاً تركّز أكثر من ثلثي الإنتاج العالمي للهيليوم في أربع دول فقط، في الوقت الذي تعبر فيه معظم صادرات قطر عبر مضيق هرمز حصراً. وقد ألحقت الضربات الإيرانية على مجمّع رأس لفان مطلع آذار/مارس 2026 أضراراً مباشرة بالبنية التحتية لاستخراج الهيليوم، الأمر الذي دفع شركة قطر للطاقة إلى إعلان القوة القاهرة (Force Majeure).

ثمّ جاء إغلاق مضيق هرمز أمام الشحن التجاري الغربي ليُراكب الاختناق اللوجستي فوق الضرر المادي المباشر. وهنا تحديداً، أي عند هذه النقطة، تحوّلت أزمة هرمز من أزمة طاقة إلى أزمة موارد استراتيجية، لأنّ الأداة التي استهدفت تدفّقات النفط والغاز الطبيعي أطلقت، في الوقت نفسه، أزمة مستقلة في مورد لا يستخدم كوقود، لكنه يعتمد على المسار نفسه الذي يعتمده الوقود للوصول إلى الأسواق العالمية. وانتهت هذه السلسلة بخروج نحو ثلث الإنتاج العالمي للهيليوم من السوق دفعة واحدة، مع تقديرات تشير إلى أنّ إصلاح الأضرار الأكثر فداحة قد يستغرق سنوات حتى لو أُعيد فتح هرمز بالكامل غداً.

إنّ ما يثير الانتباه أنّ هاتين الأزمتين تحلّلان كلّ واحدة بمعزل عن الأخرى في معظم التحليلات، بينما يكمن الرابط الحقيقي بينهما في خضوعهما معاً -كما سنبيّن لاحقاً - لسلطة تخصيص قانونية واحدة أصبحت جاهزة للتفعيل. فالقضية، في جوهرها، لم تعد قضية تصنيع، وإنما قضية تخصيص (لمن نخصص هذا المورد المحدود عند الحاجة؟)؛ ولم تعد مسألة مكوّنات، بل مسألة سلطة على الموارد (من الجهة التي تملك حقّ توزيع هذا المورد؟). 

ويصبح المشهد أشدّ تعقيداً بإضافة عنصر الذكاء الاصطناعي إلى المعادلة بحكم أولويته السياسية والتجارية المتصاعدة. فمعالجات الذكاء الاصطناعي المتقدّمة تُصنَّع عبر عمليتين لا غنى عن الهيليوم في كليهما: التبريد العميق للمغانط فائقة التوصيل في آلات الطباعة الضوئية الفائقة البنفسجية (EUV) وتنظيف رقائق السيليكون عند مقياس 2 و3 نانومتر. 

وقد لوحظت إرهاصات تصدّع في سلسلة توريد هذه المعالجات خلال 72 ساعة فقط من اندلاع الحرب (28 شباط/فبراير 2026)، إذ خسر العالم نحو ثلث إمداده من الهيليوم السائل دفعة واحدة، وقفزت الأسعار الفورية لفئة الهيليوم الأعلى نقاء بنسبة فاقت 240%. بيد أنّ هذا العبء لم يوزَّع بالتساوي؛ فنجد أنّ كوريا الجنوبية - التي استوردت قرابة 65% من حاجياتها من قطر وحدها في 2025- قد تحمّلت الوطأة الأكبر على نحو مسّ مباشرة شركتي (Samsung) و(SK hynix) اللتين تستحوذان معاً على نحو 70% من إمداد ذاكرة (DRAM) العالمية وحصة مهيمنة من الذواكر عالية الآداء من نوع (HBM) التي تغذي معجّلات الذكاء الاصطناعي. 

والمفارقة أنّ هذا التصنيف الجديد للندرة يعمل بمنطق عكسي مقارنة بالقطاع الدفاعي؛ فبينما لا تزال أولوية الدفاع مؤجلة قانونياً وسياسياً — كما سيتضح في المحور التالي — فإنّ شركات التصنيع بدأت فعلياً بترتيب أولوياتها الداخلية لصالح رقائق الذكاء الاصطناعي عالية الهامش على حساب الإلكترونيات الاستهلاكية الأقلّ ربحية. 

أداة قانونية تنتظر لحظة الاستخدام

في 20 تموز/يوليو 2026، وقّع الرئيس ترامب الأمر التنفيذي 14415 بعنوان: "تأمين سلاسل التوريد الدفاعية الأميركية وضمان الاقتناء المحلي للمواد الحرجة". وقد رسم هذا النصّ الرسمي ملامح سياسة جديدة تجعل متطلّبات التصنيع من مصادر محلية أو حليفة ممتدة من المعدات النهائية إلى المواد والمكوّنات الحرجة اللازمة لتصنيعها وصيانتها. كما عزّز صلاحيات "وزارة الحرب" في تقييد الإعفاءات من قيود التوريد بموجب المادة 10 U.S.C 4872 (c)(1)، وحُدّد كانون الثاني/يناير 2027 موعداً نهائياً للإعفاءات، مع إلزام المقاولين الرئيسيين ومقاولي الباطن، في جميع المستويات، برسم خرائط سلاسل التوريد وصولاً إلى المواد الخام خلال 180 يوماً. 

ولقد تزامن هذا مع إصدار البيت الأبيض، خلال الشهر نفسه، قراراً رئاسياً بموجب المادة 101 من قانون الإنتاج الدفاعي لعام 1950 يتعلّق بـ"المواد والمعادن الحرجة القابلة للاستخلاص"، مع تعريف هذه الفئة بالإحالة إلى قانون الطاقة لعام 2020. 

هنا تبلغ القصتان نقطة التقائهما الحقيقية. فالقائمة النهائية للمعادن الحرجة الصادرة عن هيئة المسح الجيولوجي الأميركية (USGS) في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 أدرجت الهيليوم صراحة ضمن مسمّياتها الرسمية، بعد أن رُفضت طلبات مماثلة في قوائم 2021 و2022 لعدم استيفاء معايير الخطورة آنذاك. ويعكس هذا التحوّل تغيّراً عميقاً في تقييم هشاشة سلسلة توريد الهيليوم خلال ثلاث سنوات فقط، كما يجعل الأمر التنفيذي 14415 - بإحالته إلى هذا الإطار القانوني- ممتداً فعلياً إلى الهيليوم بوصفه مادة حرجة تستطيع وزارة الحرب توجيه أولويات اقتنائها وتقييد الإعفاءات المتعلّقة بها بحلول كانون الثاني/يناير 2027.

وتكتسب هذه النقطة أهميتها من طبيعة السلطة التي أصبحت متاحة. فالمعطيات المتوافرة إلى حدّ الآن لا تقدّم دليلاً على أنّ واشنطن أعادت بالفعل توجيه الهيليوم إلى مقاولي الدفاع على حساب مصانع الرقائق في تايوان وكوريا الجنوبية، وهو ما يجعل متابعة اللوائح التنفيذية المقبلة ضرورة لفهم اتجاه السياسة الأميركية. غير أنّ ما أصبح مؤكّداً هو أنّ الأداة القانونية والمؤسسية تحوّلت إلى سلطة قائمة، محدّدة الصلاحيات، وجاهزة للاستخدام في اللحظة نفسها التي يحتدم فيها التنافس على المورد الشحيح. وهكذا سبقت البنية القانونية القرار السياسي. 

السلطة المؤجّلة: 

يقود المشهد السابق إلى سؤال لم يحظَ بالاهتمام الذي يستحقّه: ما الذي يفسّر إحجام واشنطن عن استخدام هذه الصلاحيات بصورة معلنة لحسم أولوية توزيع الهيليوم بين الاستخدام الدفاعي والاستخدام المدني-الحليف؟

ثمّة إجابتان عن هذا السؤال في تصوّرنا؛ أولاهما أنّ الإدارة الأميركية لا تزال تراهن على قدرة السوق على إدارة الندرة، عبر أدوات مثل الترشيد الذي تمارسه شركات التوزيع، ومنها (Airgas) ومنح الأولوية للقطاعات الحرجة كالرعاية الصحية، تفادياً لقرار قد يحمل دلالة سياسية تتجاوز أثره الاقتصادي، لأنه سيعني اعترافاً ضمنياً بأنّ السوق الحرّة فقدت قدرتها على إدارة مورد استراتيجي في زمن الحرب. 

أما الإجابة الثانية فتنطلق من فكرة أنّ مستوى التنافس لم يبلغ بعد الدرجة التي تستدعي تفعيل هذه الصلاحيات، ولا سيما أنّ جانباً من الطلب العسكري على الهيليوم، إن وجد بالحجم المفترض، لا يزال أقلّ نسبياً من الطلب الصناعي المدني الضخم الذي تولّده شركات مثل (Seagate) و(Western Digital) و(Samsung) و(SK hynix).

هكذا إذا توصلنا الإجابتان إلى مفارقة واحدة: فالأداة القانونية أصبحت جاهزة، بينما ظلّ القرار مؤجّلاً. ويترك هذا التأجيل القاعدةَ الصناعية الدفاعية في الولايات المتحدة وحلفاءَها المصنّعين لأشباه الموصلات في آسيا في منافسة صامتة على مورد لا بديل تقنياً حقيقياً له، فيما تتزايد كلفة الانتظار مع كلّ شهر يمرّ.

المفارقة التي ترسم حدود المرحلة

لقد كشفت أزمة الهيليوم حدوداً أبعد بكثير من حدود تصنيع صاروخ بعينه. فهي تكشف لحظة انتقالية في إدارة القوّة نفسها، فقد صارت الولايات المتحدة، منذ تموز/يوليو 2026، تمتلك السلطة القانونية والمؤسسية لإعادة توزيع الندرة الاستراتيجية بين مقاوليها وحلفائها، بينما بقيت ممارسة هذه السلطة مؤجّلة في العلن. ويصبح الامتناع عن الحسم، في مثل هذه اللحظات، أحد أشكال الحسم ذاته، لأنّ تأجيل القرار يعيد توزيع الأعباء حتى في غياب إعلان رسمي. 

ويبقى السؤال الذي سيرسم ملامح المرحلة المقبلة بعيداً عن حدود التقنية والهندسة، ليتعلّق بلحظة سياسية خالصة: متى ترى واشنطن أنّ كلفة ترك السوق يدير الندرة أصبحت أعلى من كلفة الاعتراف بأنّ اقتصاد الحرب لم يعد قادراً على الاكتفاء بآليات السوق الحرّ وحدها؟