الكرد ضحية هرمز: من رفض سيفر إلى حل الإدارة الذاتية
هل يمكن لفكرة "الأمة الديمقراطية" التي طرحها عبد الله أوغلان أن تشكّل نواة لحلّ للكرد المشتّتين بين أربع دول، وتكون جزءاً من نظام إقليمي جديد يعيد غرب آسيا إلى سياقه التاريخي الطبيعي؟
-
الجذور التاريخية للحركة الكردية في سوريا.
لم يكن الإعلان عن حلّ قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا بعد أربعة عشر عاماً من بدء التجربة مفاجئاً للكثيرين، بمن فيهم بعض الكرد أنفسهم. فالمشروع السياسي الكردي، الذي بدأت إرهاصاته الأولى في خمسينيات القرن الماضي في سوريا، لم يكن سوى نتيجة لخيارات المرحلة الأولى بعد عام 1918.
فالكرد، جزء أصيل من نسيج المنطقة الحضاري والتاريخي والديموغرافي، رفضوا بأغلبيتهم الساحقة اتفاقية سيفر عام 1920 لأسباب متنوّعة، مفضّلين البقاء في إطار ما تبقّى من الدولة العثمانية، من منطلق الإسلام الذي يشكّل المظلة الثقافية الدينية المشتركة لشعوب وإثنيات منطقة غرب آسيا في إطار الشراكة.
مع اندلاع الحرب على إيران، كان هناك رهان جديد على دخول الكرد المعارضين إلى إيران والوصول إلى طهران، ليكون ذلك مدخلاً لبناء دولة تمتدّ من وسط غرب إيران إلى شمال سوريا وجنوب تركيا وصولاً إلى البحر المتوسط. لكنّ تجربة الرهان على الولايات المتحدة في سوريا، ثمّ الانسحاب من حلب ومناطق واسعة من دير الزور والرقة وجزء من الحسكة بقرار أميركي، والتهديد التركي بدخول الحرب ضدّهم، والهجوم العسكري الإيراني الاستباقي على قواعدهم في شمال العراق، كلّ ذلك أجهض العملية، ما أنهى الرهان الأميركي عليهم.
الجذور التاريخية للحركة الكردية في سوريا
شهدت سوريا في خمسينيات القرن الماضي ولادة أوّل تنظيم سياسي كردي، حين تأسس الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (المعروف بـ"البارتي") في 14 حزيران/يونيو 1957. جاء هذا التأسيس كردّ فعل طبيعي على حرمانهم من قيام دولة، استفادت منهم مصر في سياق صراعها مع حلف بغداد، فوجدت في ذلك فرصة لاستثمارهم في مواجهة تركيا الناتو، وأنشأت لهم إذاعة تبثّ باللغة الكردية من القاهرة، وكان هذا هو الاستثمار الأول لهم في سوريا، كما كان ذلك هو الرهان الإقليمي والدولي الأول بوجود غطاء سوفياتي.
لكنّ الجذور الفكرية للحركة الكردية في سوريا تعود إلى ما قبل ذلك بكثير، وتحديداً إلى جمعية "خويبون" التي أسسها الأمير جلادت بدرخان في عام 1927، بعد عودته من مصر سنة 1926. وقد أصدرت الجمعية مجلة "هاوار" عام 1932، ثمّ مجلات "روناهي" و"روزا نو" و"ستير" بين 1942 و1945. هذه الجمعيات والمنتديات الثقافية شكّلت ردّ فعل قومياً طبيعياً على السياسات التي تعرّض لها الكرد في تركيا بعد أن أعدمت حكومة مصطفى كمال أتاتورك قادة الثورات الكردية، وفي مقدّمتهم الشهيد شيخ سعيد بيران والشهيد سيد رضا في عام 1925.
حلف بغداد والموقف الكردي
في 24 شباط/فبراير 1955، وقّع العراق وتركيا "ميثاق التعاون المتبادل" بإيعاز من بريطانيا والولايات المتحدة، ليتشكّل حلف بغداد الذي ضمّ بريطانيا والعراق وتركيا وباكستان وإيران. كان الهدف المعلن للحلف هو مواجهة المدّ الشيوعي السوفياتي في الشرق الأوسط.
أدركت الحركة السياسية الكردية، ممثّلة بالحزب الديمقراطي الكردي، أنّ حلف بغداد يهدّد الوجود الكردي في إيران وتركيا والعراق معاً. فقد جمع الحلف الدول الأربع التي تتقاسم الأراضي الكردية ضمن حدودها، مما جعل الكرد يشعرون بأنهم محاصرون في قبضة تحالف يهدف إلى تكريس واقع التقسيم الذي فرضته معاهدة سيفر ولوزان. وقد صفّت الحركة الكردية موقفها مع مصر وسوريا والسعودية والدول التي عارضت نشوء وتوسّع هذا الحلف.
جمال عبد الناصر والقضية الكردية
في هذا السياق، تلاقت مصالح الحركة الكردية مع توجّهات ثورة الضباط الأحرار في مصر بقيادة جمال عبد الناصر بعد تموز/يوليو 1952. فالمصلحة القومية الكردية بمواجهة الملكية في العراق كانت تقضي بالتخلّص من الأنظمة العربية التي تعوق تحقيق مطالب الكرد، فيما كانت ثورة الضباط الأحرار تعتبر تلك الأنظمة عقبة يجب الانقلاب عليها لتأسيس جمهوريات جديدة في الشرق الأوسط.
امتازت سياسات عبد الناصر بالحرص على دعم الكرد مادياً وإعلامياً وسياسياً وعسكرياً، واستخدمت مصر الأراضي السورية وكردستان العراق لمناوأة الحكم الهاشمي في العراق وسياسات نوري السعيد. وعندما تعرّضت مصر للعدوان الثلاثي في تشرين الأول/أكتوبر 1956، خرج الكرد العراقيون في تظاهرات تضامنية واسعة، ويُذكر أنّ جلال طالباني، الزعيم الكردي المستقبلي، كان من بين المشاركين.
الاتحاد السوفياتي والكرد
لم يكن الاتحاد السوفياتي بعيداً عن المشهد الكردي. فقد أدان قمع الحركات الثورية الكردية في تركيا وإيران بين 1925 و1939، كما أنّ الوجود العسكري السوفياتي في شمال غرب إيران عام 1945 مكّن الكرد الإيرانيين من إقامة جمهورية مهاباد. كما شهدت العلاقات السورية-السوفياتية تطوّراً ملحوظاً، حيث أرسل الاتحاد السوفياتي آلاف المستشارين العسكريين إلى سوريا، مما عزّز العلاقة بين دمشق وموسكو وانعكس إيجاباً على الحركة الكردية التي كانت تبحث عن داعم دولي.
تعدّد الرهانات على الغرب و"إسرائيل": الخطأ الاستراتيجي الأكبر
لم تقتصر الرهانات الكردية على مصر والاتحاد السوفياتي، بل تعدّدت وتنوّعت عبر العقود. في ستينيات القرن الماضي، وخلال حرب السلطة العراقية-الكردية الأولى (1961-1970)، قدّمت "إسرائيل" دعماً عسكرياً واستخباراتياً لقوات البيشمركة الكردية ضدّ الدولة العراقية. هذا الدعم، الذي كان سرّياً في البداية، وضع الأساس لعلاقة وثيقة تطوّرت لاحقاً إلى تحالف استراتيجي بين "إسرائيل" وإقليم كردستان العراق.
على عكس القوى الغربية الأخرى، كانت "إسرائيل" القوة الوحيدة التي عبّرت عن دعمها الرسمي والعلني لإقامة دولة كردية مستقلة. ففي أيلول/سبتمبر 2017، تزامناً مع استفتاء انفصال كردستان العراق، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تأييد بلاده لقيام دولة كردية. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2024، قال وزير الخارجية "الإسرائيلي" جدعون ساعر إنّ "الشعب الكردي أمة عظيمة، ومن أكبر الأمم التي لا تتمتّع باستقلال سياسي"، مشيراً إلى وجود "مصالح مشتركة بين اليهود والكرد في المنطقة بصفتهما أقليات تواجه الاضطهاد على أيدي الأعداء أنفسهم".
هذا الدعم لم يكن مجرّد تصريحات عاطفية. فوفقاً لخبراء إسرائيليين، كانت "إسرائيل" تنظر إلى قيام دولة كردية في شمال العراق كفرصة لتحقيق أهداف استراتيجية: إضعاف إيران وسوريا وتركيا، وتشجيع كرد سوريا على الانفصال، وخلق حليف استراتيجي في قلب المنطقة.
كما رجّحت تحليلات في كانون الثاني/يناير 2026 أن ينحصر الدعم الإسرائيلي لـ"قسد" في الجانبين الأمني والسياسي، ومحاولات التأثير في المؤسسات الأميركية لمنع تفكيكها. وفي آذار/مارس 2026، كشفت تقارير عن وجود محادثات بين "إسرائيل" وجماعات كردية إيرانية مسلّحة لتقديم الدعم العسكري.
هذه الرهانات المتكرّرة لبعض القوى المؤثّرة على الغرب، وخاصة على "إسرائيل"، كان لها تأثير كارثي على الدعم الشعبي للقضية الكردية. ففي الوقت الذي كانت فيه القضية الفلسطينية تشكّل محوراً رئيسياً للتوجّهات العامّة ومقياساً للسياسات، خاصة بعد معركة "طوفان الأقصى" في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أصبح أيّ تحالف مع "إسرائيل" بمثابة خيانة لهذه القضية، وأفقد الحركات الكردية المؤثّرة الكثير من تعاطف الشعوب العربية والإسلامية، الأمر الذي يحتاج إلى تقييم كامل المرحلة وتصويب المقبل.
من المشروع القومي إلى الأمة الديمقراطية
أدّى تشكّل الفكر القومي بالمعنى الأيديولوجي العصابي (تركي-عربي-فارسي) إلى ارتدادات على مستوى تفكير النخب الكردية، والذهاب نحو البحث عن دولة قومية جامعة. لكنّ الرهان على القوى التي كانت سبباً في تحطيم المنطقة كان الخلل الأساسي، وهو ما أخطأ به العرب من قبل بالاستجابة للمشاريع البريطانية والفرنسية، ومن بعدها المشاريع الأميركية.
في هذا السياق، برزت تجربة اليساريين الكرد، ثمّ تجربة عبد الله أوغلان الذي أسس حزب العمال الكردستاني (PKK) في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 1978. تطوّرت فكرته من الماركسية اللينينية إلى مفهوم "الأمة الديمقراطية" المعادي لما يعتبره الحداثة الرأسمالية. وقد انبثق عن هذا الفكر حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) في سوريا عام 2003، الذي قاد تجربة الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، الذي عاش ازدواجية الانتماء للمسألة القومية ومفهوم الأمة الديمقراطية الجامع لشعوب غرب آسيا.
هرمز وتداعياتها على المشروع الكردي
مع استمرار الحرب التي ترافقت مع العجز الأميركي، خاصة بعد الإمساك الإيراني بمضيق هرمز، دفعت الولايات المتحدة للتركيز أكثر على دور تركيا في المرحلة المقبلة. وبدأت ملامح ثلاثي آسيوي صلب (الصين وروسيا وإيران) في التبلور، يعمل على إفشال مسعى الولايات المتحدة. أصبحت خيارات واشنطن في الخليج والعراق محدودة، وهي ذاهبة للخروج منهما. وهنا أصبحت حاجة واشنطن كبيرة لتركيا، العضو في حلف الناتو، وهي تفكّر بفسح المجال لها لتعبئة هذا الفراغ. وهذا الأمر لا يمكن تحقيقه إلا بطمأنة تركيا بما تعتبره أمنها القومي، وهو إزالة التهديد الكردي لأمنها القومي.
وهنا يأتي إعلان مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية، في 25 آب/أغسطس 2026 بحلّ قوات "قسد" والإدارة الذاتية، كخطوة استباقية لتفادي مواجهة عسكرية مع تركيا، وكاعتراف ضمني بأنّ المشروع الكردي المستقل في سوريا قد وصل إلى نهايته.
الخلاصة: أسئلة مفتوحة في زمن التحوّل
في ختام هذا المشهد المتغيّر، تبقى الأسئلة الآتية مفتوحة على كلّ الاحتمالات:
· هل تنجح واشنطن في خطوتها الأخيرة لاستعادة مضيق هرمز وطمأنة تركيا على حساب المشروع الكردي، أم أنّ الحرب المستمرة كشفت عن عجز أميركي وتسبّبت بكارثة استراتيجية، كما يرى روبرت كاغان وغيره من منظّري المحافظين الجدد؟
· هل ستستغلّ تركيا الفرصة لتوسيع دائرة نفوذها في سوريا وبلاد الشام، التي تعتبرها بوابتها نحو برّ الجزيرة العربية وأفريقيا، أم أنّ التنافس والصراع مع "إسرائيل" التي تشكّل تهديداً لأمنها القومي وطموحاتها الإقليمية سيعوق ذلك؟
· هل يستطيع الكرد تجاوز مسألتهم القومية بالمعنى الأيديولوجي والتعاطي معها في إطار الهويات الطبيعية، كما تقتضي المسؤولية التي تقع على العرب والترك والإيرانيين والكرد معاً؟
· وهل يمكن لفكرة "الأمة الديمقراطية" التي طرحها عبد الله أوغلان أن تشكّل نواة لحلّ للكرد المشتّتين بين أربع دول، وتكون جزءاً من نظام إقليمي جديد يعيد غرب آسيا إلى سياقه التاريخي الطبيعي، عبر تحجيم دور "إسرائيل" حتى مرحلة الزوال ولو بعد سنين؟
العالم أمام واقع جديد يفرض على الولايات المتحدة الاعتراف بنهاية النظام أحادي القطب والانتقال إلى نظام متعدّد الأقطاب والسياسات والثقافات. وفي هذا الواقع الجديد، قد تكون فكرة "الأمة الديمقراطية" واحدة من النوى الممكنة لحلّ القضية الكردية، ضمن نظام إقليمي يعيد غرب آسيا إلى سياقه التاريخي الطبيعي، ويخرج المنطقة من صراعاتها البينية التي طالما استغلّها المشروع الصهيوني والغربي لتحقيق أهدافهما التوسّعية. فالكرد الذين رفضوا سيفر ورهاناتهم المتعاقبة على الغرب، يجدون أنفسهم اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف دورهم في المنطقة، بعيداً عن أوهام الدولة القومية التي لم تتحقّق، وأقرب إلى واقع التعددية والتعايش ضمن نظام إقليمي جديد يعترف بحقوق الجميع من دون أن يلغي هوياتهم.