القلق من إيران .. القاسم المشترك لحكام بيروت و"تل أبيب"
من لم يتحمّل انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 فتآمر عليها هو نفسه الذي لم ولن يتحمّل انتصارها من جديد، وسيستمر في التآمر عليها أكثر فأكثر ليس فقط في لبنان بل في أي بقعة عربية أو إسلامية.
-
الاتفاق اللبناني الإسرائيلي... ماذا عن إيران؟
منذ اليوم الأول لانتخاب جوزيف عون رئيساً للجمهورية في 9 يناير/ كانون الثاني العام الماضي وتكليفه لنواف سلام بتشكيل الحكومة الجديدة، وهو ما كان متفقاً عليه أساساً بين واشنطن وباريس و"تل أبيب" والرياض وأبو ظبي والدوحة، وبغياب أي دور عملي للأطراف الأخرى، تعرض لبنان للكثير من المؤامرات الداخلية والخارجية التي انتهت باتفاق الإطار الثلاثي بين لبنان وكل من أميركا والكيان العبري في 26 حزيران/ يونيو الماضي.
واعتبر الكثيرون في الداخل والخارج الاتفاق كنتاج للتنسيق والتعاون المسبق بين الأطراف الثلاثة، وقاسمها المشترك ومن معها هو الخوف من إيران ومنعها من تحقيق أي تفوق نفسي بعد أن مُني التحالف الصهيو-أميركي بهزيمته المعترف بها دولياً خلال عدوانه على هذا البلد الإسلامي الذي لقن التحالف المذكور الدرس الذي استحقّه، ولأول مرة في تاريخ المنطقة.
ودفع ذلك حكام بيروت الجدد للاستعجال في التواصل مع الكيان العبري بشكل مباشر أو غير مباشر خلال عدوانه المستمر على لبنان وحزب الله وحلفائه من الأطياف اللبنانية كافة، التي منعت -وبفضل وعيها ونضجها الوطني- العدو من تفجير الوضع الداخلي وجر البلاد إلى فتنة داخلية خطيرة ما زال البعض يسعى من أجلها في الداخل والخارج إقليمياً ودولياً.
وهو ما صادف دعوة الرئيس ترامب حكام دمشق الجدد إلى التدخل في لبنان والقضاء على حزب الله بعد أن فشل الكيان العبري في تحقيق هذا الهدف الذي تصدت له إيران بشكل مباشر وغير مباشر. وأزعج ذلك حكام بيروت ومن معهم في الإقليم؛ لأنهم لا يريدون لإيران، دولة وشعباً، أن تحقق أي انتصار على الكيان العبري، فاستعجلوا التعاون معه، وحتى إن كان ذلك على حساب سيادة واستقلال وكرامة وشرف البلد العربي لبنان.
وكان وما زال هدفاً للعديد من المؤامرات الإقليمية والدولية بأدواتها الداخلية الرخيصة، وعلى الرغم من اختلاف تسمياتها إلا أنها ما زالت تلتقي دائماً على قاعدة التواطؤ والعمالة والخيانة قبل وخلال وبعد استقلال لبنان.
ويفسر ذلك ضخ المليارات من الدولارات في الانتخابات البرلمانية ثم المجيء بالثنائي عون-سلام إلى السلطة بعد شهر تقريباً من إيصال أبو محمد الجولاني وفصائله الإرهابية إلى الحكم في دمشق.
في الوقت الذي كان الكيان العبري فيه يدمر البنية العسكرية السورية برمتها؛ ليكون ذلك بداية السيطرة الصهيونية على الجنوب السوري، ومن دون أي رد من حكام دمشق ومن معهم من حكام الدول العربية والإسلامية.
وكان همهم الوحيد وما زال هو منع إيران من تحقيق أي انتصار عسكري أو سياسي أو تفوق نفسي بعد أن فشلوا جميعاً في وضع حد عملي وجاد ونهائي لعدوان الكيان العبري وجرائمه ضد الشعب الفلسطيني وكل شعوب المنطقة.
كما هم فشلوا -وبفضل رفض شعوبهم لذلك- في مساعيهم لربط دولهم بعجلة الاستسلام والرضوخ للإملاءات الصهيو-أميركية التي بدأت في كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة والاتفاقيات الإبراهيمية، ثم التطبيع المعلن أو غير المعلن مع الكيان العبري، وكما هي الحال مع حكام دمشق الجدد والآن مع حكام بيروت، وفي السياسة ليس هناك ما يسمى بالمصادفة.
فالتواطؤ لا ولن ينتهي باتفاق الإطار الثلاثي، بل هو سيحمل في طياته المزيد من المخاطر التي سيتعرض لها لبنان خلال المرحلة القادمة، وقد جيء بالثنائي عون وسلام من أجلها، وكما جيء بالآخرين في الماضي للتخلص من حزب الله.
وهو ما يفسر كم وكمية التناقضات التي يعيشها لبنان بأطيافه كافة وعلى جميع المستويات، بعد أن أصبح الكثيرون بلا مبادئ وأخلاق، ثم أصبحوا جميعاً للبيع والشراء، بل وحتى الإيجار لمن يدفع أكثر؛ تارة بالدولار وتارة بالريال والآن بالشيكل الملطخ بدماء أبناء جلدتهم من الشعب اللبناني.
ولولا الوطنيون الشرفاء منهم -ويعرفهم الجميع- لما كان لبنان أساساً موجوداً الآن على الخارطة، جنوب الليطاني أو شماله، بل وحتى في صبرا وشاتيلا التي لا يختلف مجرموها عن مجرمي اليوم؛ ولأن العمالة فيهم حالة جينية لا علاج لها إلا بالاستئصال، وحتى يتعافى الجسد اللبناني والعربي برمته.
فمن لم يتحمل انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 فتآمر عليها، هو نفسه الذي لم ولن يتحمل انتصارها من جديد، وسيستمر في التآمر عليها أكثر فأكثر، ليس فقط في لبنان بل في أي بقعة عربية أو إسلامية أخرى، ما دام حكام المنطقة يأتمرون بأوامر المجنون ترامب وحليفه نتنياهو، الذي يعتقد البعض -وبغباء- أن بسقوط حكومته سوف يتغير النهج الإجرامي للكيان العبري الصهيوني، الذي طالما تعود على تحقيق انتصاراته بفضل عملائه، وهم كثر في كل زمان ومكان.
وكان همهم الوحيد وما زال هو العداء لإيران بعد أن تحولت ومن معها إلى نموذج للدفاع عن الحق وكرامة وشرف كل شعوب المنطقة بمختلف مكوناتها الدينية والعرقية والطائفية. وأثبتت السنوات الماضية -وخاصة خلال ما يسمى بالربيع العربي- أنها كانت وما زالت الهدف المكشوف والمعلن للتحالف الصهيو-أميركي، الذي أعلن دائماً أن عدوه الوحيد في المنطقة هو إيران وحلفاؤها وأياً كانت تسميتهم.
ولولاهم لكان لبنان واليمن والعراق مستعمرات، بل مستوطنات صهيونية تمتد جذورها يومياً في سوريا، التي يفتخر الرئيس ترامب بانتصاره فيها وهو يقول إنه هو، وتارة الرئيس إردوغان، وأخرى كلاهما معاً، قد جاءا بأحمد الشرع إلى السلطة في دمشق الأموية.
ويعقد الرئيس ترامب آمالاً كبيرة على دورها الإقليمي مع حلفائه في بيروت وأنقرة و"تل أبيب"، ويريد لها ترامب ومعها الرياض والدوحة وأبو ظبي والقاهرة أن تساعده على مواجهة "النفس الإيراني الصابر" الذي كان كفيلاً لضمان استقلال وسيادة لبنان، فأزعج ذوي النفوس الرخيصة التي هرولت إلى واشنطن للتوقيع على وثيقة الاستسلام التي هلل وكبر لها أصدقاؤهم الذين رجحوا العبودية على الكرامة.
وأرادت إيران أن تمنحها لهم بفضل تضحيات شعبها وتضحيات الشعب اللبناني العظيم بعظمة كل أبنائه الذين ناضلوا وصمدوا وصبروا، فأسقطوا كل مشاريع الخيانة التي -وباعتراف كل الشرفاء- لولا حزب الله وحلفاؤه لكانت رياحها العاتية قد وصلت إلى كل شبر في هذه الجغرافيا، وكان عملاؤها كثراً دائماً.
وفي جميع الحالات وأياً كانت التطورات المحتملة التي سيكون فيها الكثير من المفاجآت، فاللقاء المرتقب بين الرئيس ترامب وكل من الرئيس جوزيف عون وأحمد الشرع على حدة أو معاً، سيقرر مصير المنطقة على ضوء النتائج المحتملة للقائه مع الرئيس إردوغان عشية القمة الأطلسية 7-8 الشهر الجاري.
فالجميع يعرف أن ترامب يعقد آمالاً كبيرة على علاقته الشخصية مع الرئيس إردوغان، ويتمنى لهذه العلاقة أن تساعده على تطبيق كل مشاريعه ومخططاته بعد أن قال أكثر من مرة إن "إردوغان يفعل كل ما يطلبه منه".
في الوقت الذي تستمر فيه الخلافات القبلية بين حكام الخليج، وبغياب الدور المصري الوطني القومي، ومن دونه تبقى موازين القوى لصالح الكيان العبري الذي لا يخفي حكّامه أطماعهم في كل الجغرافيا العربية والإسلامية.
ولا أمل لها بأي مستقبل كريم ومشرّف ومشرق إلا بالاستفادة من النصر الإيراني الإلهي الذي قد يكون حجة شعوبها للدفاع عن ما تبقى من شرفها وكرامتها التي استباحها التحالف الصهيو-أميركي دائماً، والتصدي له والانتصار عليه بات سهلاً جداً ولا يحتاج إلا لشيء واحد، ألا وهو أن تثق معاً ولو لمرة واحدة بإيران، دولة وشعباً وعقيدة.