الفوز الكاسح لـ تاكايتشي... ضوء أخضر لتسليح اليابان ومواجهة الصين
من المحتمل أن تقوم إدارة تاكايتشي بمراجعة المبادئ الراسخة لعدم امتلاك الأسلحة النووية، حيث تتبع اليابان ما يُعرف بـ "اللاءات الثلاث النووية"، أي رفض امتلاك الأسلحة النووية أو إنتاجها أو إدخالها.
-
تتبع اليابان ما يُعرف بـ "اللاءات الثلاث النووية".. ماذا يعني ذلك؟
لم تكن ساناي تاكايتشي، التي تتخذ من مارغريت تاتشر مثلاً لها في القيادة السياسية، أول امرأة تتولى رئاسة وزراء اليابان فقط، بل أيضاً حقق حزبها خلال رئاستها، الحزب الليبرالي الديمقراطي، انتصاراً ساحقاً في انتخابات مجلس النواب التي جرت في الـ8 من شباط/ فبراير الجاري، إذ حصل الائتلاف الحاكم المكون من الحزب الليبرالي الديمقراطي وحزب الابتكار الياباني على أغلبية تزيد على ثلثي المقاعد في مجلس النواب بـ 352 مقعداً من أصل 465، وفاز الحزب الليبرالي الديمقراطي وحده بـ 316 مقعداً، وهو أكبر عدد من المقاعد حصل عليه حزب سياسي منذ الحرب العالمية الثانية.
وفوز الحزب الليبرالي الديمقراطي في الانتخابات العامة كان مدفوعاً بالوعود الاقتصادية التي أطلقتها تاكايتشي، بما في ذلك تخفيضات الضرائب والإعانات، إضافة إلى موقفها المتشدد تجاه الصين.
ولم يكن فوز حزب تاكايتشي في الانتخابات العامة مجرد انتصار سياسي تقليدي، بل كان إعلاناً صريحاً عن حقبة جديدة في السياسة الخارجية اليابانية. ومع حصول تاكايتشي على تفويض شعبي واسع، تتجه الأنظار نحو بكين، حيث يسود الترقب والقلق من الخطوات التي يمكن أن تتخذها طوكيو في ظل الدعم الكبير لتاكايتشي.
جاء الفوز الساحق لحزب تاكايتشي في وقت تشهد فيه العلاقات الصينية اليابانية تدهوراً كبيراً، منذ تصريحات تاكايتشي في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، حيث قالت إن أي هجوم صيني محتمل على تايوان قد يشكل وضعاً يهدد بقاء اليابان، ما قد يتيح لها ممارسة حق الدفاع الجماعي عن النفس.
أثارت هذه التصريحات للزعيمة اليابانية، وهي الأولى من نوعها لرئيس وزراء ياباني، غضباً في الصين، التي تعتبر تايوان جزءاً من أراضيها، فردت بكين باتخاذ سلسلة إجراءات عقابية، بما في ذلك مقاطعة السفر إلى اليابان، وفرضت قيوداً على صادرات مثل المعادن الأرضية النادرة التي قد تستخدمها طوكيو في المعدات العسكرية، وتعهدت بمنع عودة النزعة العسكرية اليابانية.
وتعتبر تاكايتشي من أشد الداعمين لاستقلال تايوان، ومن المحتمل أن تعمل خلال فترة رئاستها على تعزيز علاقاتها مع تايبيه، التي هنأ رئيسها ويليام لاي تاكايتشي بالانتصار الساحق، وكان الممثل الاقتصادي والثقافي لتايوان في اليابان من بين أولى الشخصيات الأجنبية التي هنأت رئيسة الوزراء.
بعد الفوز في الانتخابات، أعلنت ساناي استعدادها للحوار مع الصين، إلا أن بكين دعتها إلى الرجوع عن تصريحاتها حول تايوان، واعتبرت الصين أن سياستها تجاه اليابان لن تتغير بسبب انتخابات واحدة.
ما تريده الصين من رئيسة وزراء اليابان أن تتراجع عن تصريحاتها بخصوص تايوان، وهو الأمر الذي رفضته تاكايتشي. وموقفها المتشدد تجاه الصين، كان من الدوافع لزيادة شعبيتها، لذلك من المستبعد أن تتراجع تاكايتشي عن تصريحاتها التي أثارت استفزاز بكين.
لقد أدى الفوز الكاسح لتاكايتشي في الانتخابات العامة إلى إضعاف المعارضة الداخلية لبرنامجها الأمني المتشدد، إذ من المحتمل أن تدفع رئيسة الوزراء اليابانية باتجاه أجندة أمنية أكثر صرامة، تشمل زيادة الإنفاق الدفاعي، وإحياء الجهود الرامية إلى تعديل الدستور السلمي، وهي خطوات من شانها توتير العلاقات بين بكين وطوكيو. وقد صرّحت تاكايتشي أنها ستعمل لتحقيق برنامج يتضمن بناء جيش قوي بما يكفي لردع تهديدات الصين لجزرها، بما في ذلك الجزر القريبة من تايوان، وتعهدت بأن اليابان ستحمي بحزم أراضيها ومياهها الإقليمية ومجالها الجوي.
تسعى تاكايتشي إلى زيادة الإنفاق الدفاعي ليصل إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية آذار/ مارس المقبل، وذلك استجابة لضغوط الرئيس الأميركي دونالد ترامب على حلفاء واشنطن لزيادة الإنفاق الدفاعي. كما تعهدت رئيسة الوزراء بتخفيف القيود المفروضة على صادرات الأسلحة والسماح لليابان بمواصلة مشاريع المعدات الدفاعية المشتركة مع دول أخرى.
وبحصولها على أغلبية تزيد على ثلثي الأصوات في مجلس النواب، يمكن لتاكايتشي تقديم تعديل على الدستور الياباني السلمي، للاعتراف رسمياً بقوات الدفاع الذاتي كقوة عسكرية. ومع ذلك، أي تغيير يحتاج إلى أغلبية ثلثي الأصوات في مجلس الشيوخ الذي لا تسيطر عليه حالياً، وإلى إجراء استفتاء شعبي.
ومن المحتمل أن تقوم إدارة تاكايتشي بمراجعة المبادئ الراسخة لعدم امتلاك الأسلحة النووية، حيث تتبع اليابان ما يُعرف بـ "اللاءات الثلاث النووية"، أي رفض امتلاك الأسلحة النووية أو إنتاجها أو إدخالها.
أثارت إجراءات اليابان العسكرية قلق بكين، التي وصفتها بتسارع وتيرة إعادة التسليح في اليابان، واعتبرت أن هذه الإجراءات من شأنها تهديد الأمن والسلم الإقليميين.
من المحتمل أن تبقى العلاقات الصينية اليابانية في حالة من الترقب حتى زيارة تاكايتشي للولايات المتحدة الأميركية وعقدها قمة مع الرئيس ترامب في الـ19 من آذار/ مارس المقبل، وقد عبّر ترامب عن دعمه الكامل لها قبيل الانتخابات، وأيضاً زيارة ترامب المرتقبة الصين للقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ، والتي من المتوقع أن تكون في الأسبوع الأول من شهر نيسان/ إبريل المقبل، وتدخل اليابان ضمن ملفات التفاوض بين بكين وواشنطن.
وسبق للرئيس الصيني أن تناول هاتفياً مع الرئيس ترامب تصريحات تاكايتشي حول تايوان، والتي أتت بعد الزيارة التي قام بها ترامب لليابان العام الماضي.
أظهرت تاكايتشي حزمها أمام الشعب الياباني بالوقوف ضد الصين، ورفضت التراجع عن تصريحاتها، وليس من المتوقع أن تتراجع عنها، إذ يمكن أن ترى اليابان في ذلك إهانة لها وانتصاراً للصين. ولكن ليس من مصلحة بكين وطوكيو استمرار التوتر في علاقاتهما، لذلك قد يلجأ الطرفان إلى أسلوب تفاهم لا يُظهر أياً منهما على أنه رضخ للطرف الآخر.
ولربما تعتمد تاكايتشي على السيناريو الذي اعتمده رئيس وزراء اليابان السابق شينزو آبي، ملهم تاكايتشي، قبل أكثر من عقد من الزمن، حيث توترت العلاقات بين اليابان والصين على خلفية زيارة آبي ضريح ياسوكوني عام 2013، وبعد ذلك قام آبي بتحسين العلاقات مع الصين والتقى بالرئيس الصيني عام 2014 على هامش قمة الأبيك، كما زار الصين عام 2018.
في حال تحسن العلاقات بين اليابان والصين، فمن المحتمل أن تزور تاكايتشي الصين خلال شهر تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل لحضور قمة الأبيك وتعقد اجتماعاً مع الرئيس الصيني، ويبقى على الطرفين إدارة الخلافات بينهما، وتجنب تجاوز الخطوط الحمر، ولا سيما موضوع تايوان.