الفشل الأميركي ومأزق الهدنة في السودان
المبادرة الأميركية لفرض هدنة في السودان تصطدم برفض حكومي واسع، وتخدم في جوهرها أجندة أبو ظبي وإعادة إنتاج تسوية فوقية لا تعالج جذور الصراع.
-
الفشل الأميركي ومأزق الهدنة في السودان
يواصل مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس ترامب لشؤون "الشرق الأوسط" وأفريقيا، جهوده الحثيثة للتوصل إلى هدنة إنسانية مدتها 90 يوماً في السودان. غير أنه، حتى الآن، لم يفلح في تحقيق هذا الهدف، رغم الضغوط والمحاولات المتكررة لإقناع القيادة السودانية بقبول المقترح الأميركي المطروح حالياً، والتخلي عن شروطها وتحفظاتها التي قد تفرغ المبادرة من مضمونها الأساسي.
والواقع أن الهدنة الأميركية لن تتحقق بهذا الشكل، كما أن الأطراف الأخرى، بما في ذلك ميليشيا "الدعم السريع" وراعيتها الإماراتية، لن تقبل بالشروط التي قدمتها الحكومة وقيادة القوات المسلحة. وبالتالي، سيظل الفشل يلازم النهج الدبلوماسي الذي يتبعه بولس، رغم إقراره هو نفسه لاحقاً بأن الحديث عن التوصل إلى اتفاق ما زال مبكراً. ومع ذلك، يواصل مساعيه في محاولة لتحقيق إنجاز قد يكون الوحيد له طوال فترة شغله لهذا المنصب وانخراطه في ملفات ساخنة في القارة الأفريقية، على وجه التحديد.
بنود المبادرة الأميركية
استناداً إلى المعلومات المتسربة حتى الآن، فإن المبادرة التي يطرحها مسعد بولس تنطلق من دعوة القوات المسلحة وميليشيا "الدعم السريع"، المدعومة إماراتياً، إلى التوصل إلى هدنة مدتها 90 يوماً، باعتبارها نقطة مركزية وأساساً لتسوية الصراع. وتشمل المبادرة خمس قضايا رئيسية: الهدنة الإنسانية ووقف إطلاق النار، وصول المساعدات وحماية المدنيين، وقف إطلاق النار الدائم والترتيبات الأمنية، العملية السياسية والإنعاش وإعادة الإعمار.
من الواضح، وفقاً لنهج بولس، أن الهدف الأساسي من هذه الهدنة هو تخفيف الضغوط الدولية على أبو ظبي. فرغم تواطؤ المجتمع الدولي وصمته إزاء تورط الإمارات في الصراع السوداني، فإن التقارير الموثقة بشأن دعمها ميليشيا "الدعم السريع" تتزايد على نحو لا يمكن دحضه أو إنكاره، ما يجعلها مسؤولة عن الأزمة الإنسانية المتفاقمة، الناتجة من تعمّد استهداف المنشآت والأعيان المدنية في المدن التي طُرد منها المتمردون، واستخدام سياسات تهدف إلى تهجير السكان قسراً.
إضافة إلى ذلك، تهدف الهدنة المطروحة بإلحاح شديد إلى إضفاء الشرعية على بيان "الرباعية"، الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، الصادر في 12 أيلول/سبتمبر 2025، والذي تضمن خريطة طريق تمثل سقفاً إماراتياً واضحاً بشأن السودان. وبالتالي، يعمل المقترح الحالي على الربط بين المسارين العسكري والسياسي، بحيث تقود الهدنة إلى ترتيبات سياسية تحقق لأبو ظبي الأهداف نفسها التي تسعى إليها عبر دعمها ورهانها على التمرد وظهيره السياسي في السودان.
تطرح المبادرة الأميركية تسوية بين النخب السياسية تقوم على قسمة السلطة، وبالتالي إعادة إنتاج فشل مرحلة ما بعد عام 2019. وعلاوة على ذلك، تهدف الهدنة إلى إتاحة الفرصة للمتمردين لالتقاط أنفاسهم والاستعداد لجولات قتال أخرى، ستكون قطعاً أشد ضراوة، خاصة أن الضغوط العسكرية التي مارستها القوات المسلحة أدت إلى استنزاف قدرات التمرد، ما قد يؤدي إلى انهياره في مرحلة ما، رغم الدعم الخارجي الهائل الذي يتلقاه.
فشل أميركي في الملفات الساخنة
بصورة عامة، لا ينفصل النهج الدبلوماسي الذي ينخرط فيه بولس حالياً عن سياسة إدارة ترامب الخارجية، المستمدة من مبدأ "أميركا أولاً". فهذا النهج يسعى إلى تحقيق مصالح اقتصادية وتجارية آنية للولايات المتحدة، من دون تقديم حلول عادلة ونهائية للمشكلات القائمة، بل ربما إلى فرض تسويات من الخارج على حساب مصالح الشعوب في هذه الدول.
وفي هذا النهج، يتخلى الأميركي عن دور الوسيط النزيه، ليصبح طرفاً منحازاً إلى أطراف بعينها، ويمارس ضغوطاً على أطراف محددة للانخراط، تحت وطأة الضغط والابتزاز، في المسارات التي يحددها، سعياً إلى نتائج مستعجلة تخدم أجندات سياسية أو مصالح جيوسياسية لبعض الأطراف الإقليمية. وفي إطار هذا النهج، تقوم أجهزة الإدارة الأميركية بممارسة الضغط المستمر عبر فرض عقوبات متتالية، بهدف دفع الأطراف المستهدفة إلى الرضوخ أو تغيير مواقفها.
في هذا الصدد، سبق أن طرح بولس مبادرة بشأن ليبيا، تقوم على تقاسم السلطة وتوحيد المؤسسات بين شرق البلاد وغربها. لكنها قوبلت برفض واسع، رغم وجود مؤشرات على قبول مبدئي من الفرقاء السياسيين في كل من حكومة طرابلس، المعترف بها دولياً، وحكومة الشرق المدعومة من فريق خليفة حفتر.
تتشابه المبادرة الليبية مع المبادرة السودانية في النتائج المتوخاة: تكريس حكم الأقلية السياسية، أي نوع من الحكم الأسري بين عائلتي الدبيبة وحفتر في ليبيا، أو فرض مجموعات مدنية بعينها، كما في السودان، مع تجاهل تام لأي إشارة إلى حكم ديمقراطي يعكس إرادة الشعوب ويضع البلدين على طريق تسوية دائمة ومستقرة. لذا، وجدت المبادرتان رفضاً كبيراً في كلا البلدين.
وفي ملف الصراع في شرقي الكونغو الديمقراطية، مالت إدارة ترامب إلى إعادة الآليات نفسها المستخدمة في السودان: فرض عقوبات على أطراف معينة للضغط عليها، وفرض حلول مسبقة تراعي مصالح أطراف أخرى. وفي هذا الإطار، تُمارَس ضغوط مزدوجة ضد كيغالي وحركة "23 مارس"، لمصلحة الحكومة الكونغولية بقيادة فيليكس تشيسكيدي، التي انخرطت مع إدارة ترامب في عقود اقتصادية مغرية.
أما في إثيوبيا، فقد أعلنت الإدارة الأميركية فرض عقوبات على قيادات من إقليم تيغراي وعائلاتهم، عبر فرض قيود على حصولهم على تأشيرات دخول إلى الأراضي الأميركية. وهذا رغم أن الولايات المتحدة تُعد وسيطاً يملك نفوذاً على الأطراف، ورغم أنها أكبر ضامن لاتفاق بريتوريا، الموقع في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2022، بين الحكومة الفيدرالية و"جبهة تحرير شعب تيغراي".
وفي المقابل، تجنبت واشنطن، التي انخرطت في تواصل مع النظام الإريتري لتحقيق مصالح جيوسياسية في البحر الأحمر، فرض عقوبات على إريتريا، رغم دورها الواضح في زعزعة الأوضاع في شمال إثيوبيا ودعمها المستمر للمتمردين هناك.
رد الحكومة السودانية على المبادرة
جاء رد الحكومة السودانية على المبادرة الأميركية في وثيقة حملت عنوان "استعادة السلام في السودان"، بتاريخ 25 حزيران/يونيو 2026، وتضمنت شروطاً وتقييدات تهدف إلى تفنيد بنود المبادرة.
فبينما تشدد وثيقة الحكومة على ضرورة الانسحاب الشامل للميليشيا المتمردة من جميع المدن التي احتلتها بعد نيسان/أبريل 2023، وفق جدول زمني يغطي فترة الهدنة المقترحة، تشير المبادرة الأميركية إلى "انسحاب محدود"، ما يعني تجميد خطوط الصراع طوال فترة الهدنة.
وربما يتفق الطرفان على أن تتولى آليات دولية متعددة الأطراف، تشمل الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، مراقبة عمليات الانسحاب، رغم الخلافات الجذرية بشأن هذه النقطة تحديداً.
وتشدد وثيقة الحكومة، المستندة إلى مخرجات إعلان جدة، الصادر في 11 أيار/مايو 2023، على أن تدفق المساعدات يجب أن يتم "بموافقة الحكومة". وفي المقابل، تذهب المبادرة الأميركية إلى إضفاء الشرعية على الكيان الموازي الذي يسعى تحالف "تأسيس" لإرسائه، بما في ذلك السيطرة على العمل الإنساني، أو ربما تولي جهات دولية، كالأمم المتحدة، إدخال المساعدات. وحول هذه النقطة، توجد مخاوف لدى دوائر محلية من أن يُستخدم العمل الإنساني غطاءً لتمرير دعم لوجستي للمتمردين، أو لإضفاء الشرعية على سيطرتهم على مناطق وسكان.
وبينما تقيّد الوثيقة الحكومية تشكيل حكومة مدنية بأن تكون "منتخبة"، وتخضع لها القوات المسلحة، تذهب المبادرة الأميركية إلى إشارة غامضة إلى "حكومة مدنية"، وهو ما يُفهم على أنه إشارة إلى المجموعات المدنية الموالية للإمارات.
كما تشدد الوثيقة الحكومية أيضاً على ضرورة "حماية سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه من خلال إنهاء التدخل والدعم العسكري الأجنبي للميليشيا المتمردة والمقاتلين الأجانب وتدفق الأسلحة غير المشروعة".
عملية الحوار السياسي
لا تقتصر الخلافات الجوهرية بين المبادرة الأميركية ورد الحكومة عليها على مسألة مدة الهدنة والترتيبات الأمنية والعسكرية فحسب، بل تمتد إلى الشق السياسي، حيث يوجد اختلاف جذري. فالمقترح الأميركي يذهب إلى البناء على بيان "الرباعية"، الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر والإمارات، ومخرجات اجتماعات برلين في 15 نيسان/أبريل 2026، ونيروبي في أيار/مايو 2026، وأديس أبابا في حزيران/يونيو 2026، وغيرها، حيث تتولى أطراف خارجية، مثل "الخماسية"، المكوّنة من الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي و"إيغاد"، تيسير عملية حوار سياسي سوداني - سوداني.
في المقابل، يذهب مقترح الحكومة السودانية إلى "إطلاق حوار وطني شامل داخل السودان بقيادة مدنية تحت إشراف الأمم المتحدة"، يمكن أن يفضي إلى "تشكيل حكومة مدنية انتقالية وإطلاق عملية سياسية لتحقيق تسوية سياسية شاملة وسودان موحد تحت حكم مدني ومؤسسات دولة بقيادة مدنية".
وفي ضوء رد الحكومة، فإن المواقف متباعدة جداً، إلى درجة تجعل التوصل إلى مجرد إعلان مبادئ أمراً صعباً، ناهيك باتفاق نهائي. كما يشير رد الحكومة إلى أن كل الوساطات الخارجية توصلت إلى قناعة بصعوبة إجراء تفاوض مباشر، وبالتالي فإن نهج الحوار غير المباشر سيظل الخيار الوحيد في المدى المنظور.
استراتيجية شق القيادة
في مواجهة تشدد الحكومة والقيادة العسكرية، لجأ مسعد بولس إلى تكتيك يهدف إلى إضعاف مواقفهما، وذلك من خلال فتح قنوات تواصل مع الفريق أول شمس الدين كباشي، مساعد القائد العام للقوات المسلحة. ويهدف المبعوث الأميركي، الذي يعمل بتناغم وتماهٍ مع أجندة أبو ظبي، إلى إحداث شرخ في القيادة السودانية، وتصنيفها إلى "متشددين" يرفضون التسوية والهدنة، و"معتدلين" يمثلهم الفريق أول كباشي.
فبينما تُمارس ضغوط وتُفرض عقوبات على "المتشددين" بحجة عرقلة جهود السلام، يجري، في المقابل، تأهيل كباشي للعب أدوار قيادية مؤثرة، قد تساعد على قبول الهدنة والتخلي عن شروط الحكومة.
غير أن قدرة كباشي على تمرير المقترح الأميركي تظل محدودة، لأن رفض الهدنة يجد دعماً وقبولاً من قطاعات واسعة من الشعب السوداني ومن مؤسسة القوات المسلحة. كما يسود اعتقاد واسع النطاق بأن أي هدنة ستصب في مصلحة التمرد ورعاته الخارجيين. ولكن، إذا كان الافتراض يقوم على أن صعود كباشي إلى دفة القيادة سيدعم التحركات الخارجية، فقد تؤدي هذه التكتيكات إلى عكس ذلك، أي إلى تراجع دوره في القيادة الحالية. كما أنّه من المتوقع أن يجري، لاحقاً، التركيز إعلامياً على سردية "الصراع داخل القيادة"، بهدف الإيحاء بأنها "ترفض جهود إنهاء الحرب"، مع التشويش على تحفظاتها وطبيعة موقفها من بنود المبادرة الأميركية.
تسوية مثل ليبيا؟
في ضوء مبادرة بولس، يبدو أن التسوية المطروحة على السودانيين تسير على النهج نفسه الذي اتبعه مقترحه للتسوية في ليبيا: فرض تسوية فوقية تراعي، قبل كل شيء، مصالح أبو ظبي وأجندتها.
وهذا النهج من الحلول والتسويات، الذي ترافقه حملات إعلامية منسقة تهدف إلى التضليل والإرباك والضغط، يتجاهل جذور المشكلات والأزمات، ويعمل على فرض إرادة خارجية على الشعوب والدول، وجعل التسويات قائمة على اقتسام السلطة، وربما الثروة، مع بقاء الخارج متحكماً وضامناً للمستقبل السياسي في هذين البلدين.
كما أن مبادرة مسعد بولس في ليبيا والسودان تعمل على إضفاء الشرعية على حلفاء أبو ظبي والكيانات الموازية. لذا، فإن الحديث عن استهداف الأطراف المستفيدة من استمرار الحرب ينطوي على تناقض كبير وفاضح، إذ يتجاهل هذا النهج المعطوب، عمداً، تحديد من هم المستفيدون الحقيقيون من استمرار هذا الصراع الدامي.