العراق يطرح معادلة استبدال الأمن بالمصلحة بين طهران وواشنطن
العراق يسعى إلى استبدال معادلة الوجود العسكري والاحتكاك الأمني بشراكة اقتصادية مع واشنطن، مستفيداً من علاقته بطهران للتحول من ساحة صراع إلى وسيط استراتيجي.
-
العراق يطرح معادلة استبدال الأمن بالمصلحة بين طهران وواشنطن
حين يسبق التلميذ معلمه إلى نهاية الدرس، لا يكون ذلك خللاً في الترتيب بقدر ما يكون كشفاً عن أن الدرس نفسه إما كان أبسط مما ظُنّ، أو عن فهم الطالب طرائق التدريس والمنهج، وأن المسافة التي بدت طويلة بين الطرفين لم تكن سوى وهم صنعته لغة التصعيد أكثر مما صنعته حقائق المصالح.
هذا بالضبط ما يجري اليوم بين بغداد وطهران، من جهة، وبين بغداد وواشنطن، من جهة أخرى، حين تتقاسم الأطراف، من دون إعلان صريح، الهدف الاستراتيجي نفسه، وهو إنهاء الوجود العسكري الأميركي في المنطقة العربية، والانتقال من معادلة الاحتكاك الأمني القائم على نظرية الهيمنة الأميركية والاحتلال و"حلب" الثروات واحتكار الاستثمارات، إلى فضاء أرحب يمكّن الشراكات المتعددة الأقطاب من رسم مسار يفرض أمراً واقعاً مفاده أن المنطقة لن تركع للمشروع الصهيوني - الأميركي التوسعي، ما دام فيها من يقول لا بـ"الباليستي" و"هرمز والمندب".
الفارق أن العراق، ومن خلال مسار هادئ نسبياً قوامه التفاوض والتوافق الداخلي، بدا كأنه بلغ الضفة الأخرى قبل أن تبلغها إيران، التي خاضت الطريق نفسه في نار المواجهة المباشرة ومفاوضاتها تحت النار مع واشنطن. على أنني أشير هنا إلى أن إيران، تقنياً، لا تفاوض تحت النار، لكن المناوشات العسكرية المستمرة تفرض هذا المسمى: "التفاوض تحت النار".
زيارة الزيدي ومعادلة الشراكة الجديدة
إن زيارة رئيس مجلس الوزراء السيد علي الزيدي إلى واشنطن ولقاءه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض لم تكن حدثاً بروتوكولياً عابراً في سجل العلاقات الثنائية؛ بل كانت لحظة كاشفة لمعادلة جديدة بدأت ملامحها تتضح منذ تولي الزيدي رئاسة الحكومة في نيسان/أبريل الماضي، ولم تعترض واشنطن على القرار العراقي باختياره.
فالرجل الذي وصفه ترامب خلال استقباله بـ"البطل" و"الصديق الكبير لأميركا" - كيف ومتى ولماذا هذه الأوصاف؟ لا أدري من أين أتى ترامب بهذه الصفات من دون سابق معرفة! ولا نبخس السيد الزيدي حقه، لكن أرجو ألا ينخدع بما بالغ فيه ترامب - لم يذهب إلى واشنطن بصفته ضيفاً يطلب ودّاً، بل بصفته شريكاً يعرض معادلة متكاملة: دولة تحصر السلاح بيدها، وتنهي الحاجة إلى الوجود العسكري الأجنبي، وتفتح، في المقابل، أسواقها لمزيد من الاستثمار الأميركي في الطاقة والتجارة والتكنولوجيا.
وهي المعادلة التي لخّصها الزيدي نفسه في مقالته التي نشرتها صحيفة "واشنطن بوست" عشية سفره، حين تحدث عن التزام حكومته بضمان احتكار الدولة الاستخدام المشروع للقوة، وعن اختيار العراق طريق التنمية بدلاً من الانخراط في محاور الصراع الإقليمي.
الملفت في تصريحات الجانبين خلال الزيارة أنها لم تترك مجالاً كبيراً للالتباس أو المجاملة الدبلوماسية المعتادة. فالزيدي، في مؤتمره الصحافي المشترك مع ترامب، حدّد بوضوح غير مسبوق تاريخ الثلاثين من أيلول/سبتمبر المقبل موعداً نهائياً متفقاً عليه بين الطرفين لخروج ما تبقى من القوات الأميركية المقاتلة والتحالف الدولي، وانتهاء الحاجة إلى وجود أي فصيل مسلح خارج إطار الدولة، وأن الفصائل "حاجة وليست مهنة"، وأنه لا مبرر لبقائها بعد ذلك التاريخ.
في حين أن ترامب لم يكتفِ بالمجاملة، بل مضى إلى وصف إيران بأنها "عبء على العراق ومتنمرة على دول المنطقة"، لكنه سرعان ما استدرك نفسه، وراح يعلن ويضخّم ملف الشراكات النفطية والتبادل الاقتصادي الذي سيدخل إلى السوق العراقية بمستويات غير مسبوقة، على حد زعمه.
هذا التزامن بين الحسم السياسي في ملف السلاح والانفتاح الاقتصادي في ملف الطاقة هو جوهر ما يمكن تسميته بالصفقة الكبرى التي يسعى إليها الزيدي، من خلال استبدال منطق الاحتواء الأمني، الذي حكم العلاقة الأميركية - العراقية لعقدين كاملين، بمنطق المصلحة المتبادلة الذي يجعل من بغداد شريكاً اقتصادياً لا ساحة نفوذ.
فرصة حقيقية لا ضمانة أميركية
غير أن القراءة المتعمقة لهذا المشهد تستدعي حذراً لا ينبغي إغفاله، ذلك أن التجربة العراقية مع الوعود الأميركية ليست تجربة خالية من الشكوك وانعدام الثقة المشروع.
فالعراق اختبر، على مدى العقدين الماضيين، دورة متكررة من الوعود الكبرى التي لم تُترجم إلى التزامات ثابتة، بدءاً من وعود إعادة الإعمار بعد عام 2003، التي تبخر كثير منها في متاهات الفساد والبيروقراطية المزدوجة، وصولاً إلى وعود الشراكة الاستراتيجية التي وُقّعت عام 2008، ولم تمنع بغداد من أن تظل، لسنوات طويلة، ساحة تجاذب غير مباشر بين واشنطن وطهران.
فضلاً عن أن الذاكرة السياسية العراقية تختزن أيضاً تجربة العقوبات، وتجميد الأرصدة، وتقلبات المزاج الأميركي تجاه حكومات بغداد المتعاقبة بحسب توازنات الداخل الأميركي نفسه؛ إذ إنها لا يمكن أن تتعامل مع هذه الشراكة الجديدة بثقة مطلقة، مهما بدت لغة الود في البيت الأبيض دافئة.
إن ما يُعرض اليوم هو فرصة حقيقية، لكنه ليس ضمانة، والفارق بين الاثنين هو بالضبط ما ينبغي أن تحرص عليه الدبلوماسية العراقية في المرحلة المقبلة، وأن تبني احتمالات عديدة، بالسلب والإيجاب، على الفرصة، من دون أن تعلّق مصير الدولة على استمرار مزاج إدارة بعينها.
وبخاصة أن رئيس الوزراء نفسه، بحكم كونه شخصية توافقية لا زعيماً يملك كتلة برلمانية صلبة أو حزباً يفرض أجندته السياسية، يظل في موقع أضعف نسبياً أمام أي تحول مفاجئ في حسابات واشنطن الإقليمية، سواء ارتبط ذلك بتبدل الإدارة أو بتصاعد ملف آخر يعيد ترتيب أولويات البيت الأبيض بعيداً عن بغداد.
من ساحة للتجاذب إلى جسر تفاوضي
بيد أن المفارقة الأعمق في هذا المشهد لا تكمن فقط في أن العراق سبق إيران إلى الضفة التي تسعى إليها طهران نفسها، بل في أن هذا السبق بالذات يمنح بغداد أصلاً استراتيجياً نادراً، وهو القدرة على أن تتحول من ساحة للتجاذب بين واشنطن وطهران إلى جسر تفاوضي بينهما، بديلاً من باكستان أو عُمان.
فالعراق، بحكم جغرافيته وتاريخه ونسيجه الاجتماعي والديني المرتبط عضوياً بالمقدسات المشتركة في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء وقم ومشهد المقدسة، وبحكم علاقاته المتوازنة نسبياً مع الطرفين، على الرغم من كل التوترات، يمتلك من عناصر الوساطة ما لا تمتلكه أي عاصمة عربية أو إقليمية أخرى.
فتركيا لها حساباتها الخاصة في سوريا والقوقاز، والسعودية وقطر وعُمان خاضت تجارب وساطة سابقة، لكنها تفتقر إلى العمق الاجتماعي والديني الذي يربط بغداد بطهران، من خلال شبكة من العلاقات الحوزوية والعشائرية والتجارية يصعب تفكيكها أو تعويضها.
وقد ظهرت ملامح هذا الدور بوضوح في الأيام التي أعقبت تشييع المرشد الإيراني الشهيد السيد علي خامنئي في النجف وكربلاء المقدستين، وهو مشهد بالغ الدلالة جاء قبل أيام قليلة فقط من زيارة الزيدي لواشنطن، ليؤكد أن بغداد قادرة على أن تكون فضاءً جامعاً، حتى في اللحظات الأكثر حساسية.
إن طرح العراق نفسه وسيطاً قوياً وموثوقاً بين واشنطن وطهران ليس تبديلاً لمقاعد دبلوماسية أو طموحاً رمزياً؛ بل هو خيار استراتيجي ذو نتائج ملموسة على أكثر من صعيد.
فعلى الصعيد الداخلي، يمنح هذا الدور الدولة العراقية غطاءً سياسياً إضافياً لإكمال مسار حصر السلاح بيد الدولة، وكبح جماح تغول الفساد في جسد الدولة، والالتفات إلى الملفات الخدمية والاقتصادية التي تعاني هشاشة في البنية المؤسساتية على مستوى الحلول المستدامة.
وهذا لا يكون إلا من خلال شراكات متينة قائمة وفق المصالح المشتركة. وبذا، سيصبح بإمكان بغداد أن تقدم لطهران وواشنطن، ومن ورائهما الوسطاء السابقون، إثباتاً عملياً على نجاحها في تثبيت هذا الدور الدولي، من خلال حجز مقعد دائم لها على طاولة أي تسوية كبرى مقبلة في المنطقة.
سواء تعلق الأمر بترتيبات أمنية جديدة في الخليج، أو بإعادة رسم خريطة النفوذ بعد الحرب الأخيرة التي شنتها "إسرائيل" والولايات المتحدة ضد إيران، أو حتى بملفات أبعد مدى، كالتفاوض النووي وإعادة دمج إيران في المنظومة الاقتصادية الإقليمية، وبخاصة أن جولة السيد الزيدي الخارجية بعد واشنطن ستشمل، إذا كُتب لها التوفيق، زيارات في المنطقة العربية وتركيا والجمهورية الإسلامية.
إن العراق، الذي عانى طويلاً من كونه موضوعاً للتفاوض لا طرفاً فيه، يجد نفسه اليوم أمام فرصة تاريخية ليتحول من "الملف التفاوضي" إلى "الوسيط"، وهو انتقال نوعي لا يقاس فقط بالمكاسب الاقتصادية الآنية من عقود النفط والغاز، بل بموقع الدولة العراقية في شكل "الشرق الأوسط" خلال العقد المقبل.
ولعل ما يعزز واقعية هذا الطرح أن الإدارة الأميركية نفسها، وعلى الرغم من لهجتها الحادة تجاه طهران، لم تغلق الباب أمام دور عراقي تفاوضي مطروح ضمناً، بل قبلت أن يكون حل الملفات الداخلية، وشكل العلاقة مع الجمهورية الإسلامية، "عراقياً" بامتياز، لا إملاءً أميركياً مباشراً في الشكل والمضمون.
وهذا ما أكده ضمناً المتحدث باسم الحكومة العراقية، حين كشف، في أحد تصريحاته، عن إدراك أميركي لحساسية الملف وحاجته إلى غطاء محلي وإقليمي لا يمكن لواشنطن أن توفره بمفردها.
وهنا بالضبط تكمن قيمة العراق ومكانته؛ فهو الطرف الوحيد القادر على أن يتحدث مع طهران بلغة الأخوة والجوار والمصالح المشتركة، وأن يتحدث مع واشنطن، في الوقت نفسه، بلغة الشراكة الاقتصادية والالتزامات الأمنية، من دون أن يُتهم بالانحياز الكامل إلى أي من الطرفين.
غير أن هذا الدور المأمول يبقى مشروطاً بجملة من الاختبارات الصعبة التي ستحدد ما إذا كان العراق سيتحول فعلاً إلى وسيط استراتيجي، أم سيبقى أسير موقعه التقليدي كساحة تُدار عليها حسابات الآخرين.
الاختبار الأول يتعلق بقدرة الحكومة على إكمال ملف حصر السلاح فعلياً بحلول الموعد المعلن، من دون أن يتحول التاريخ الرمزي لنهاية أيلول/سبتمبر إلى موعد آخر مؤجل، يضاف إلى سجل طويل من المواعيد التي لم تُحترم في الشأن العراقي.