الصين ومجموعة السبع: غياب شكلي وحضور فعلي
هل ما تزال مجموعة السبع تعكس موازين القوة الحقيقية في العالم، أم أنها أصبحت تعبّر عن مرحلة تاريخية أكثر مما تعبّر عن الواقع الدولي الراهن؟
-
مؤسسة وُلدت في عالم لم يعد موجوداً...
عندما اجتمع قادة الدول الصناعية الغربية في قمة رامبوييه بفرنسا عام 1975 لتأسيس مجموعة السبع، كانت الصين دولة نامية تعيش مرحلة من الانغلاق الاقتصادي ولم تكن قد بدأت بعد مسيرة الإصلاح والانفتاح التي ستغير وجهها ووجه الاقتصاد العالمي.
في ذلك الوقت كانت الاقتصادات الغربية تمثل مركز الثقل الرئيسي في النظام الدولي، وكانت الولايات المتحدة وحلفاؤها يمتلكون القدرة على رسم قواعد التجارة والتمويل والتنمية العالمية.
لكن العالم الذي وُلدت فيه مجموعة السبع لم يعد موجوداً بالمعنى الذي قامت عليه المجموعة نفسها. فخلال العقود الخمسة الماضية شهد النظام الدولي تحولات عميقة أعادت توزيع القوة الاقتصادية على نطاق عالمي، وانتقل جزء مهم من مركز الثقل الاقتصادي نحو آسيا، فيما صعدت قوى جديدة أعادت رسم خرائط الإنتاج والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا، وفي مقدمتها الصين.
ومن هنا يبرز سؤال يصعب تجاهله: هل ما تزال مجموعة السبع تعكس موازين القوة الحقيقية في العالم، أم أنها أصبحت تعبّر عن مرحلة تاريخية أكثر مما تعبّر عن الواقع الدولي الراهن؟
مؤسسة وُلدت في عالم لم يعد موجوداً...
عندما تأسست مجموعة السبع كانت الاقتصادات الصناعية الغربية تستحوذ على الحصة الأكبر من الناتج العالمي، وكانت الحرب الباردة تشكل الإطار الحاكم للعلاقات الدولية. ولذلك بدت المجموعة آنذاك تعبيراً طبيعياً عن موازين القوة السائدة، إذ ضمّت الدول الأكثر قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي.
لم يكن غياب الصين في تلك المرحلة أمراً يثير التساؤل. فبيجين كانت ما تزال منشغلة بتحدياتها الداخلية، ولم يكن اقتصادها يشكل وزناً يُذكر مقارنة باقتصادات الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان. لكن المشكلة لا تتعلق بظروف التأسيس، بل باستمرار المجموعة في العمل وفق منطق صُمم لعالم مختلف جذرياً عن عالم اليوم.
فخلال نصف قرن تغيرت خريطة الاقتصاد الدولي بصورة غير مسبوقة. لم تعد الاقتصادات الغربية تحتكر النمو والإنتاج والتجارة كما كانت الحال في سبعينيات القرن الماضي، بل برزت قوى اقتصادية كبرى باتت تلعب أدواراً حاسمة في الاقتصاد العالمي. وأصبحت الصين والهند والبرازيل وغيرها من الاقتصادات الصاعدة من المحركات الرئيسية للنمو العالمي، بينما تحولت آسيا إلى أحد أهم مراكز النشاط الاقتصادي الدولي.
ولأن مجموعة السبع لم تكن مجرد إطار للتنسيق الاقتصادي، بل أحد التعبيرات السياسية عن النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية تحت القيادة الأميركية، فإن استمرارها بصيغتها الحالية يعكس إلى حد كبير استمرار رؤية للعالم تعود إلى مرحلة تاريخية كانت فيها الدول الغربية تحتكر الجزء الأكبر من القوة الاقتصادية والمالية والتكنولوجية.
غير أن القرن الحادي والعشرين فرض واقعاً جديداً أكثر تعقيداً، أصبحت فيه مراكز القوة موزعة على عدد أكبر من الدول، وأصبحت معالجة التحديات العالمية الكبرى تتطلب مشاركة قوى لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها.
غياب الصين يكشف أزمة التمثيل والشرعية...
إذا كانت شرعية المؤسسات الدولية ترتبط بقدرتها على عكس موازين القوة الفعلية، فإن غياب الصين عن مجموعة السبع يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى تمثيل المجموعة للاقتصاد العالمي المعاصر.
فخلال أقل من نصف قرن حققت الصين تحولاً اقتصادياً استثنائياً نقلها من دولة نامية محدودة التأثير إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأكبر قوة صناعية وتجارية. وأصبحت الشريك التجاري الأول لعشرات الدول، كما رسخت حضورها في قطاعات استراتيجية تشمل التكنولوجيا المتقدمة والطاقة المتجددة والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي.
وتزداد أهمية هذه الحقيقة إذا أخذنا في الاعتبار حجم الاقتصاد الصيني مقارنة بالمجموعة نفسها. فالناتج المحلي الإجمالي للصين يقترب اليوم من 19 تريليون دولار، وهو ما يعادل أكثر من ثلث الحجم الاقتصادي المجمع لدول مجموعة السبع. وبذلك تصبح الصين أكبر من أن تُعامل بوصفها مجرد قوة خارجية يمكن تجاهلها عند مناقشة مستقبل الاقتصاد العالمي.
ولا تتجلّى أهمية الصين في حجم اقتصادها فقط، بل في موقعها داخل سلاسل الإنتاج العالمية. فهي أكبر دولة صناعية في العالم، وأحد أهم مراكز الابتكار والتصنيع والتصدير. كما تمتلك نفوذاً استراتيجياً في قطاع المعادن النادرة التي تشكل أساس الصناعات الحديثة، من السيارات الكهربائية والبطاريات إلى الرقائق الإلكترونية وأنظمة الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة.
وتبرز المفارقة في أن الصين غائبة عن عضوية مجموعة السبع لكنها حاضرة في معظم الملفات التي تناقشها. فالقضايا المرتبطة بالتجارة العالمية وسلاسل التوريد والتحول الطاقوي والتكنولوجيا المتقدمة وأمن البيانات والاستثمار الدولي ترتبط جميعها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالدور الصيني.
من هنا لا تبدو أزمة المجموعة مرتبطة بعضوية الصين بقدر ارتباطها بمشكلة أعمق تتعلق بالتمثيل. فكيف يمكن لمؤسسة تدّعي قيادة الاقتصاد العالمي أن تستبعد إحدى أهم القوى الاقتصادية التي تشكل جزءاً أساسياً من هذا الاقتصاد؟
ولعلّ هذا ما يفسّر تنامي أهمية أطر دولية أخرى مثل مجموعة العشرين وتجمّع بريكس، اللذين يعكسان بصورة أكبر التحولات التي شهدها توزيع القوة الاقتصادية خلال العقود الأخيرة.
الصين أكبر من أن تُهمَّش وأصعب من أن تُضم...
ورغم الوزن الاقتصادي الهائل الذي وصلت إليه الصين، فإن انضمامها إلى مجموعة السبع لا يبدو خياراً واقعياً في المستقبل المنظور.
السبب لا يتعلق بالاقتصاد وحده، بل بطبيعة المجموعة نفسها. فمجموعة السبع ترى نفسها إطاراً سياسياً واستراتيجياً يجمع "الديمقراطيات" الصناعية الغربية، وليس مجرد تجمع للدول صاحبة الاقتصادات الكبرى. ومن هذا المنطلق ينظر كثير من قادتها إلى النظام السياسي الصيني باعتباره مختلفاً عن الأسس الفكرية والسياسية التي قامت عليها المجموعة.
كما أن الخلافات بين الصين والدول الغربية تتجاوز الجانب الأيديولوجي لتشمل ملفات استراتيجية حساسة مثل العلاقة مع روسيا، وأمن التكنولوجيا، ومستقبل التجارة الدولية، والتنافس الجيوسياسي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ويخشى العديد من صنّاع القرار الغربيين أن يؤدي ضم الصين إلى إضعاف التماسك السياسي للمجموعة وتحويلها إلى ساحة دائمة للخلافات. وقد عززت تجربة روسيا داخل المجموعة هذه المخاوف، بعدما انتهت عضويتها بالإقصاء عقب أزمة القرم عام 2014.
لكن في المقابل، لم يعد ممكناً تهميش الصين أو التعامل معها بوصفها طرفاً خارجياً محدود التأثير. فالصين أصبحت لاعباً مركزياً في الاقتصاد العالمي، وتمتلك أدوات نفوذ واسعة في مجالات التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والطاقة والتمويل الدولي.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية التي تواجه مجموعة السبع. فهي لا تستطيع دمج الصين بسهولة داخل مؤسساتها التقليدية، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع إدارة القضايا الاقتصادية العالمية من دونها.
ولعل هذه المفارقة تعكس طبيعة المرحلة الانتقالية التي يعيشها النظام الدولي حالياً؛ مرحلة لم تعد فيها القوى الغربية قادرة على الانفراد بقيادة الاقتصاد العالمي، لكنها لم تتوصل بعد إلى صيغة جديدة تستوعب صعود القوى الكبرى غير الغربية وفي مقدمتها الصين.
خاتمة...
تكمن أزمة مجموعة السبع اليوم في أنها لم تعد تواجه تحدي التعامل مع الصين فحسب، بل تحدي التكيف مع عالم تغيرت فيه موازين القوة التي قامت عليها. فالصين ليست مجرد دولة غائبة عن اجتماعات المجموعة، بل تمثل التحول الأبرز الذي شهده الاقتصاد العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
لقد أصبحت بيجين قوة لا يمكن تجاوزها في التجارة والصناعة والتكنولوجيا وسلاسل التوريد والمعادن الاستراتيجية، وأصبح التعامل معها شرطاً ضرورياً لمعالجة معظم القضايا الاقتصادية الدولية. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا لا تنضم الصين إلى مجموعة السبع؟ بل: هل تستطيع مجموعة السبع أن تحافظ على دورها القيادي في عالم لم تعد فيه القوة الاقتصادية والسياسية حكراً على الغرب؟
الصراع اليوم لم يعد بين من يملك القوة ومن لا يملكها، بل بين مؤسسات تمثل الماضي واقتصاد عالمي يتحرك بسرعة نحو المستقبل.
يقول مثل صيني قديم: "عندما تهب رياح التغيير، يبني بعضهم الجدران بينما يبني آخرون طواحين الهواء". ربما يلخص هذا المثل التحدي الذي تواجهه مجموعة السبع اليوم. فمستقبلها لن يتحدد بقدرتها على احتواء الصين أو استبعادها، بل بقدرتها على التكيف مع واقع دولي جديد أصبحت فيه الصين والقوى الصاعدة الأخرى جزءاً أساسياً من معادلة القوة العالمية.
وبهذا المعنى، فإن غياب الصين عن مجموعة السبع ليس مجرد قضية عضوية، بل هو مؤشر على التحول التاريخي الأوسع الذي يشهده النظام الدولي، وانتقاله التدريجي من مرحلة الهيمنة الغربية إلى مرحلة أكثر تعددية في مراكز النفوذ وصناعة القرار العالمي.