الصين في عصر الأزمات: من "إخفاء القوة" إلى "إدارة النفوذ العالمي"
الصين تنتقل من سياسة الحذر إلى دبلوماسية قوة محسوبة، توظف الاقتصاد والتكنولوجيا والنفوذ الدولي لإعادة تشكيل النظام العالمي من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
-
الصين في عصر الأزمات: من "إخفاء القوة" إلى "إدارة النفوذ العالمي"
لم تعد الصين اليوم هي الدولة التي أوصى زعيمها الراحل دنغ شياو بينغ باتباع استراتيجية “أخفِ قوتك وانتظر وقتك”. فالأزمات الدولية المتلاحقة، من الحرب التجارية مع الولايات المتحدة إلى جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية–الأوكرانية، والحرب في “الشرق الأوسط”، وأزمات سلاسل الإمداد، والتوتر المتصاعد حول تايوان، دفعت بكين إلى مراجعة جانب مهم من فلسفتها الاستراتيجية.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت الصين قد أصبحت قوة عظمى، وإنما: هل انتقلت بالفعل من سياسة الحذر إلى دبلوماسية القوة؟
يمكن فهم هذا التحول في ضوء مفهوم “انتقال القوة” (Power Transition) في العلاقات الدولية، حيث لا يؤدي صعود قوة جديدة بالضرورة إلى الحرب، لكنه يخلق مرحلة من إعادة توزيع النفوذ وإعادة تعريف قواعد النظام الدولي. فالصين لا تتحرك فقط باعتبارها دولة تبحث عن النمو، بل باعتبارها قوة تسعى إلى تعديل ميزان القوة داخل النظام القائم.
عصر الحذر الصيني... هل انتهى؟
كانت استراتيجية دنغ شياو بينغ، التي صاغها في تسعينيات القرن الماضي، تقوم على مبدأ بسيط: التركيز على التنمية الاقتصادية وتجنب الصدام مع القوى الكبرى. وقد نجحت هذه المقاربة في تحويل الصين من اقتصاد محدود إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
لكن البيئة الدولية تغيرت بصورة جذرية. فالحرب التجارية التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تكن مجرد خلاف حول الرسوم الجمركية، بل شكلت تحولاً في النظرة الأميركية إلى الصين من “شريك اقتصادي” إلى “منافس استراتيجي”. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت المنافسة تشمل التكنولوجيا، وأشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد، والفضاء، والبحار.
ولذلك، بدأ الأمن القومي يحتل موقعاً متقدماً على حساب الاعتبارات الاقتصادية. ولم يعد النمو وحده معيار نجاح الدولة، بل أصبحت القدرة على الصمود أمام الضغوط الخارجية جزءاً من مفهوم القوة الوطنية الشاملة.
أدركت بكين أن العقوبات الأميركية على شركات مثل هواوي، والقيود المفروضة على تصدير الرقائق الإلكترونية، ليست إجراءات مؤقتة، بل جزء من استراتيجية طويلة الأمد لإبطاء صعود الصين.
هذه الضغوط دفعت بكين إلى تسريع برامج الاكتفاء الذاتي في الصناعات المتقدمة، وزيادة الاستثمار في البحث العلمي، وأقنعت صانع القرار الصيني بأن الاعتماد على التكنولوجيا الغربية يمثل خطراً استراتيجياً.
ولم يعد السؤال داخل الصين: كيف نتجنب المنافسة مع الولايات المتحدة؟ بل أصبح: كيف ننافسها من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة؟
دبلوماسية القوة... كيف تعيد الصين تعريف النفوذ العالمي؟
إذا كان القرن العشرون قد عرّف القوة بعدد حاملات الطائرات والرؤوس النووية، فإن الصين تحاول في القرن الحادي والعشرين إعادة تعريفها من خلال معادلة أكثر تعقيداً، قوامها الاقتصاد والتكنولوجيا والتمويل وسلاسل الإمداد والقدرات العسكرية معاً.
ومن هنا، فإن بكين لا تتبنى سياسة هجومية بالمعنى التقليدي، بل تمارس ما يمكن تسميته “دبلوماسية القوة المحسوبة”، أي استخدام عناصر القوة بصورة تدريجية ومنضبطة لتحقيق أهداف سياسية من دون الوصول إلى الحرب.
ومن أبرز مظاهر هذا التحول أن الصين أصبحت تمتلك أكبر قاعدة صناعية في العالم، إذ “تنتج الصين ما يقارب 30% من القيمة المضافة الصناعية العالمية، وهي نسبة تجعلها أكبر قاعدة صناعية منفردة في العالم”. وهذا يعني أن القوة الصينية لم تعد تُقاس بحجم الجيش فقط، بل بقدرتها على تشغيل الاقتصاد العالمي أو تعطيله.
ولعل أكثر الأمثلة إثارة أن الصين تنتج أكثر من نصف سفن العالم التجارية، بينما تبني أحواضها البحرية سفناً جديدة بوتيرة تتجاوز معظم منافسيها مجتمعين. وفي أي صراع طويل، تصبح القدرة على بناء السفن وإصلاحها عاملاً لا يقل أهمية عن امتلاك السفن نفسها.
كما تمتلك الصين أكبر أسطول بحري في العالم من حيث عدد القطع، وتواصل إضافة مدمرات وفرقاطات وغواصات وحاملات طائرات بوتيرة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
لكن اللافت أن بكين لا تعتمد على البحرية وحدها، بل دمجت خفر السواحل والميليشيات البحرية في استراتيجيتها، وهو ما يمنحها أدوات ضغط تقع في المنطقة الرمادية بين السلم والحرب.
كما تحولت المعادن الأرضية النادرة إلى أحد أهم أسلحة النفوذ الصيني. فالصين تهيمن على الجزء الأكبر من عمليات تكرير هذه المعادن، التي تدخل في صناعة الطائرات المقاتلة والصواريخ والهواتف الذكية والسيارات الكهربائية. وعندما تفرض بكين قيوداً على تصدير بعض هذه المعادن، فإنها لا تستهدف التجارة فقط، بل تمارس ضغطاً مباشراً على الصناعات الدفاعية والتكنولوجية للدول المنافسة.
ومن ناحية أخرى، لم يعد مشروع الحزام والطريق مجرد مبادرة بنية تحتية، بل أصبح شبكة نفوذ تمتد عبر عشرات الدول، تربط الموانئ والسكك الحديدية ومراكز الطاقة والمناطق اللوجستية، بما يمنح الصين حضوراً جيوسياسياً يتجاوز حدودها التقليدية.
وفي المجال الرقمي، تدرك بكين أن الذكاء الاصطناعي والبيانات والحوسبة السحابية ستحدد ميزان القوى في العقود المقبلة. لذلك، ضخت مئات المليارات في الصناعات التكنولوجية، وأصبحت تنافس الولايات المتحدة في مجالات مثل السيارات الكهربائية والطائرات المسيّرة والاتصالات من الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي.
ومن المفارقات أن الصين لا تسعى دائماً إلى الانتصار العسكري المباشر، بل إلى جعل تكلفة مواجهتها مرتفعة للغاية. وهذا ينسجم مع مقولة سون تزو في كتاب “فن الحرب”: “أعظم انتصار هو الذي يتحقق من دون قتال”. وما يبدو أنه حكمة عمرها أكثر من ألفي عام أصبح اليوم أحد المرتكزات غير المعلنة في التفكير الاستراتيجي الصيني.
لكن هذا التحول يثير جدلاً واسعاً. فهناك من يرى أن الصين تمارس سياسة دفاعية لحماية مصالحها، بينما يرى آخرون أن بكين أصبحت أكثر استعداداً لاستخدام القوة الاقتصادية والعسكرية لفرض وقائع جديدة، سواء في بحر الصين الجنوبي أو حول تايوان أو في المنافسة على التكنولوجيا العالمية.
وهنا تكمن المفارقة: فكلما ازدادت قوة الصين، ازدادت أيضاً المخاوف الدولية منها. وهذا يعني أن بكين تواجه معضلة كلاسيكية في العلاقات الدولية، وهي أن تعزيز الأمن الذاتي قد يُفسَّر من الآخرين باعتباره تهديداً، وهو ما يفسر تسارع التحالفات الأميركية في منطقة الهندي–الهادئ، وازدياد القيود الغربية على التكنولوجيا الصينية، في حلقة متواصلة من المنافسة الاستراتيجية.
هل تقود الصين النظام الدولي الجديد أم تعيد تشكيله من الداخل؟
لم يعد السؤال المطروح: هل ستصبح الصين قوة عظمى؟ فهذا السؤال حسمه الواقع. أما السؤال الحقيقي اليوم فهو: أي نوع من القوى العظمى تريد الصين أن تكون؟ وهل تسعى إلى إسقاط النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، أم إلى إعادة تشكيله تدريجياً بما يعكس موازين القوة الجديدة؟
هنا يكمن جوهر الجدل. فالرؤية الأميركية، التي يتبناها عدد من منظري الواقعية الهجومية، وعلى رأسهم جون ميرشايمر، تفترض أن صعود الصين سيقود حتماً إلى صدام مع الولايات المتحدة، لأن القوى الصاعدة لا تقبل البقاء في المرتبة الثانية، بينما لا تسمح القوى المهيمنة بظهور منافس مكافئ.
أما المدرسة الليبرالية، التي يمثلها جوزيف ناي، فترى أن المنافسة لا تعني بالضرورة الحرب، وأن الاعتماد الاقتصادي المتبادل، والمؤسسات الدولية، والقوة الناعمة، يمكن أن تؤخر أو تحد من احتمالات المواجهة.
لكن الصين تبدو وكأنها تختار طريقاً ثالثاً؛ فهي لا تعلن نيتها إنشاء نظام عالمي بديل بالكامل، بل تعمل على إعادة توزيع النفوذ داخل النظام القائم. ولهذا، لم تنسحب من الأمم المتحدة أو منظمة التجارة العالمية أو صندوق النقد الدولي، وإنما تسعى إلى زيادة تأثيرها داخلها، بالتوازي مع بناء مؤسسات جديدة، مثل البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، وتوسيع دور تجمع بريكس، وتشجيع استخدام اليوان في المبادلات التجارية.
ومن اللافت أن بكين لا تعتمد على التحالفات العسكرية التقليدية كما فعلت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. فهي لا تمتلك شبكة واسعة من القواعد العسكرية المنتشرة حول العالم، ولا تقود تحالفاً يشبه حلف الناتو.
وبدلاً من ذلك، تستثمر في شبكات الاعتماد الاقتصادي؛ فالدولة التي تعتمد على السوق الصينية، أو على استثماراتها، أو على موانئها، أو على سلاسل توريدها، تصبح أكثر ميلاً إلى مراعاة المصالح الصينية.
وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات إثارة في السياسة الدولية: النفوذ الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين أكثر فاعلية من الاحتلال العسكري في القرن العشرين.
فالصين تدرك أن السيطرة على الموانئ، وشبكات الجيل الخامس، والمعادن النادرة، والذكاء الاصطناعي، قد تمنحها تأثيراً يفوق ما تمنحه حاملات الطائرات وحدها.
وفي المقابل، تواجه الصين تحديات لا يمكن تجاهلها. فهي تعاني تباطؤاً اقتصادياً مقارنة بمعدلات النمو السابقة، وتواجه أزمة ديموغرافية مع انخفاض معدلات المواليد وارتفاع نسبة كبار السن، إضافة إلى تصاعد القيود الغربية على التكنولوجيا والاستثمار. كما أن توتر العلاقات مع الولايات المتحدة وحلفائها يزيد من صعوبة البيئة الاستراتيجية التي تعمل فيها.
ومع ذلك، فإن التاريخ يقدم درساً مهماً؛ فالقوى العظمى لا تنهار عادة بسبب خصومها فقط، بل بسبب عجزها عن التكيف مع التحولات الداخلية والخارجية. والصين تدرك هذه الحقيقة، ولذلك تتحدث قيادتها باستمرار عن “التنمية عالية الجودة”، و“الاعتماد على الابتكار”، و“الأمن القومي الشامل”، باعتبارها ركائز المرحلة المقبلة.
لقد قال هنري كيسنجر إن العلاقة الأميركية–الصينية ستكون أهم علاقة دولية في القرن الحادي والعشرين. واليوم تبدو هذه المقولة أكثر دقة من أي وقت مضى، لأن مستقبل الاقتصاد العالمي، والتكنولوجيا، والطاقة، وحتى الأمن الدولي، بات مرتبطاً بكيفية إدارة التنافس بين واشنطن وبكين.
إن وصف السياسة الصينية بأنها انتقلت من سياسة الحذر إلى دبلوماسية القوة لا يعني أن بكين أصبحت تبحث عن المواجهة العسكرية، بل يعني أنها أصبحت أكثر استعداداً لاستخدام أدوات القوة الاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية والعسكرية للدفاع عن مصالحها وإعادة تشكيل البيئة الدولية بما يخدم صعودها.
فالصين لا تريد تكرار التجربة الأميركية، ولا إعادة إنتاج النموذج السوفيتي، بل تسعى إلى صياغة نموذج مختلف يقوم على النفوذ عبر الترابط الاقتصادي، والتفوق الصناعي، والابتكار التكنولوجي، والحضور الدبلوماسي.
ومن هنا، فإن السؤال الذي سيحدد شكل النظام الدولي خلال العقد القادم ليس: هل ستصعد الصين؟ بل: إلى أي مدى ستنجح في تحويل قوتها الاقتصادية إلى قيادة سياسية عالمية من دون أن تقع في فخ المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة؟
وربما يكون الاستنتاج الأهم أن العالم لا يشهد مجرد صعود قوة جديدة، بل يشهد تحولاً في مفهوم القوة نفسه؛ من قوة تُقاس بعدد الدبابات والصواريخ، إلى قوة تُقاس أيضاً بمن يسيطر على التكنولوجيا، والبيانات، وسلاسل الإمداد، والمعايير الصناعية، والذكاء الاصطناعي.
وهذا التحول يعكس ما وصفه جوزيف ناي بـ"الانتقال من قوة السيطرة إلى قوة الجذب والتأثير"، حيث لم تعد الدول الكبرى تعتمد فقط على الإكراه العسكري، بل على قدرتها على تشكيل البيئة التي يتحرك فيها الآخرون. وفي هذا التحول، تبدو الصين ليست مجرد لاعب رئيسي، بل أحد أهم مهندسي المرحلة الجديدة من النظام الدولي.
لذلك، فإن مستقبل النظام الدولي لن تحدده الدولة التي تمتلك أكبر ترسانة عسكرية فحسب، وإنما الدولة القادرة على تحويل قوتها الاقتصادية والتكنولوجية إلى نفوذ سياسي مستدام من دون أن تستنزف نفسها في صراعات مفتوحة.