الصين تتجاوز الحدود: من الصناعات البسيطة إلى الابتكار التكنولوجي

انتقال الصين إلى التركيز على الصناعات الثقيلة والمنافسة في قضايا التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء جعلها مصدر تهديد، باعتبارها تسعى لامتلاك مصادر القوة. 

  • كيف تحوّلت الصين إلى مصدر تهديد؟
    كيف تحوّلت الصين إلى مصدر تهديد؟

يعيش العالم مخاض ولادة نظام عالمي جديد، مكّنتنا الثورة العلمية والتكنولوجية من مواكبة لحظاته، ومتابعة تغيّراته، حتى بتنا نشعر أننا أصبحنا جزءاً من تلك التغيّرات، نعيش ارتداداتها وندفع ضريبة الصدام بين القوى الدولية الكبرى.

العالم لا يعرف الفراغ، وكل تراجع لقوة يقابله صعود لقوى أخرى تسعى لإعادة توزيع النفوذ. وهو ما ينطبق اليوم على "صعود الصين" واحتدام المنافسة بين موسكو وواشنطن.

إرهاصات الانتقال إلى نظام عالمي جديد جاءت نتيجة ضعف الولايات المتحدة، وغياب دورها على الساحة الدولية كحامٍ للقانون الدولي ومدافع عن المنظمات الدولية التي أسستها.

تراجع القيم الليبرالية والمبادئ التي حمت العالم، جعلنا نعيش اليوم سطوة القوة وجبروتها، إذ ترى أميركا أن لا معنى للقوة إذا لم تُستخدم. 

القوى العظمى لا تتلاشى فجأة، بل يبدأ دورها بالتراجع التدريجي، فتتحوّل من "فاعل" صانع للقواعد إلى "موضوع" تتصارع عليه القوى الصاعدة الجديدة.

الحرب في أوكرانيا أخرجت أوروبا من ساحة المنافسة، فلم تعد أوروبا قوية لدرجة أن تفرض إرادتها، وليست ضعيفة إلى حد يمكن للقوى الأخرى تجاهلها، وبالتالي لا بد من التعامل معها وفقاً لما تشكله من ثقل على الساحة الدولية اليوم، لا كما كانت في الماضي.

صمود روسيا وقدرتها على تحقيق انتصارات في أوكرانيا جعلا من المتوقع أن تكون أحد أقطاب النظام الدولي القادم، بل إن الكثير من الاستراتيجيين بات يتحدث عن اتفاق القوى الدولية الثلاث (أميركا وروسيا والصين) على تقاسم النفوذ في العالم. 

التنمية في الصين تشهد نقلة نوعية لجهة التركيز على التنمية القائمة على الابتكار أو التنمية الفائقة الجودة، وهي التنمية التي تركّز على الاستثمار في مجال التكنولوجيا المتطورة وتقنية الذكاء الاصطناعي التي تعتمد على تقنية 5G، إذ تمتلك بكين ميزة تنافسية في هذا المجال، وهو ما سيجعلها تركز على الجودة والنوع في صناعتها المستقبلية بعدما كانت تركز على الكمّ وعلى إغراق السوق العالمية بالمنتجات الصينية الرخيصة التي استطاعت من خلالها تحقيق نهضتها والقضاء على الفقر وتأمين فرص العمل والقضاء على البطالة.

الجيل Z من الشركات الصينية..

الجيل زد الصيني هو جيل جديد من الشباب المولودين بين عامي 1997 و2012، يتميزون بكونهم رقميين بالكامل، نشأوا في بيئة تقنية، ويحظون بدعم مادي أكبر من عائلاتهم. هذا الجيل يغير سوق العمل في الصين بتوقعاته الجديدة وصعوباته في التواصل والالتزام. وبالقياس يمكن القول إن هناك الجيل زد من الشركات الصينية الذي بات يفرض نفسه على الاقتصاد العالمي مغيراً قواعد المنافسة والأسعار.

الحضارة الغربية كرّست المادية فأصبحت قيمة الدولة تقدر بحجم اقتصادها، ومن يقرأ التقارير الدولية يعتقد أن الصين ستسقط في عام 2025، وسط حديث الدول الغربية عن تباطؤ الاقتصاد الصيني وتأثره بأزمة كوفيد 19، وأزمة العقارات وتراجع التركيبة الديموغرافية للمجتمع الصيني...إلخ. الذي حدث أن الصين فاجأت العالم محققة فائضاً اقتصادياً يقدر بـ 1.3 تريليون دولار في عام 2025. 

العالم اليوم ينتقل من حالة "الاقتصاد الصناعي التقليدي"، إلى "الاقتصاد الشبكي" القائم على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الذي تتنافس عليه الصين والولايات المتحدة. 

لم تكن الصين مصدر قلق للولايات المتحدة الأميركية عندما كانت تركز صناعاتها على المنتجات  البسيطة مثل الألبسة والأدوات المنزلية وألعاب الأطفال...إلخ، على الرغم مما حققته من أرباح اقتصادية كبيرة من تلك الصناعات. 

انتقال الصين إلى التركيز على الصناعات الثقيلة والمنافسة في قضايا التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء جعلها مصدر تهديد، باعتبارها تسعى لامتلاك مصادر القوة. 

في أيار 2015، أطلق مجلس الدولة الصيني مبادرة "صنع في الصين 2025" كوثيقة حكومية، وجاءت استجابة مباشرة لتوجيهات المؤتمر الثامن عشر للحزب الشيوعي 2012، الذي شدّد على ضرورة تحويل الصين من مصنع العالم إلى قوة صناعية رائدة، وتعزيز الابتكار والاعتماد على الذات تكنولوجياً.

الخطة مؤلفة من ثلاث مراحل، تتمثل المرحلة الأولى في انضمام الصين إلى صفوف القوى التصنيعية بحلول عام 2025، والمرحلة الثانية في أن تصبح الصين قوة تصنيعية متوسطة المستوى بحلول عام 2035، أما المرحلة الثالثة فهي الوصول إلى الطبقة العليا من القوى التصنيعية المدفوعة بالابتكار بحلول عام 2049 (مئوية الدولة الصينية)، بما يضمن تحويل الصين إلى قائد عالمي على العديد من جبهات التكنولوجيا الفائقة التي تم تطويرها في البر الرئيسي، وفي إطار رؤية مؤسسية لا تقتصر على المشاركة في سلاسل القيمة العالمية، بل تهدف وبشكل خاص إلى بناء قدرات ديناميكية.

أنشأت الصين نحو 800 صندوق حكومي بقيمة 2,2 تريليون يوان حتى 2017 لدعم البحث والابتكار الصناعي في إطار قطاعات مبادرة صنع في الصين 2025، وشملت  الإجراءات تقديم قروض وحوافز ضريبية وائتمان موجّه لتعزيز تنافسية الشركات المحلية، والاستثمار الخارجي لاكتساب التكنولوجيا المتقدمة. كما دمجت الشركات المملوكة للدولة لتشكيل كيانات وطنية رائدة، وشجعت ظهور منافسين محليين وصغار مبتكرين، في الوقت نفسه، فرضت قيوداً على دخول الشركات الأجنبية لضمان تفوّق المحليين، مع انتقاء الاستثمارات الأجنبية في المجالات الحيوية لتكامل الخبرات وتسريع التطور التكنولوجي.

بعد انعقاد المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني في عام 2022، وضعت بكين خطة طموحة لبناء الدولة، لتكون دولة عصرية بالاعتماد على التنمية الفائقة الجودة التي طرحها الرئيس شي. ولعلَّ أهمية المؤتمر تكمن في أنه المؤتمر الأول في المئوية الثانية للحزب، وهي المئوية التي ستركز على بناء دولة اشتراكية عصرية، فيما ركزت المئوية الأولى على بناء المجتمع والإنسان عبر التركيز على تخفيف الفقر والانتقال إلى مجتمع رغيد الحياة على نحو شامل.

الصين التي عانت في العقود الماضية من عقدة التقليد وضعف الجودة وانعدام الثقة في منتجاتها عالمياً، باتت اليوم تنافس أكبر الشركات العالمية.

العلامات التجارية الصينية باتت تكتسح الصناعات الثقيلة كصناعة السيارات الكهربائية عبر شركة BYD التي تجاوزت مبيعاتها مبيعات شركة تسلا الأميركية، وتصدر أكثر من 20% من إنتاجها إلى خارج الصين. 

أكثر من 50 ألف شركة صينية أنشأها رجال أعمال صينيون في 190 دولة في العالم، ضمن مبادرة "الحزام والطريق"، وبلغت قيمة الاستثمارات الخارجية الصينية أكثر من 174 مليار دولار في عام 2025، وفقاً لتقديرات وزارة التجارة الصينية. كما أطلق مسؤولون صينيون صناديق استثمارية تجاوزت 337 مليار دولار لدعم الشركات الناشئة. 

مناخ استثماري لا يعتمد على المنافسة السعرية فقط، بل على الجودة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتبني استراتيجية توسعية تعتمدها الشركات الصينية مثل تيك توك وهواوي وشاومي وعلي بابا، حيث لجأت هذه الشركات إلى بناء المصانع خارج الصين والاعتماد على اليد العاملة غير الصينية.

الجيل الجديد من الشركات الصينية لم يعد يكتفي بتصدير السلع الرخيصة بل انتقل إلى التوسع العالمي وغزو الأسواق المختلفة عبر الاستثمار في الخارج وبناء مصانع ومتاجر، وتوظيف عمالة محلية والسعي لتكييف المنتجات مع أذواق المستهلكين في تلك الدول. 

هذا التحول يعكس انتقال الصين من نموذج "مصنع العالم" إلى منتج عالمي للعلامات التجارية وسلاسل القيمة المتكاملة، ما يمنح هذه الشركات مصادر دخل أكثر تطوراً واستقراراً، وقدرة أكبر على المنافسة في الجودة والسعر معاً.

ظهور هذه الشركات تزامن مع تباطؤ الاقتصاد الصيني الداخلي ومع تصاعد التوترات التجارية العالمية. فكان الحل هو الانتشار، التكيّف وكسر قواعد قديمة. كل ذلك ما كان ليحدث لولا دعم الدولة لتعزيز السيطرة على الموارد الحيوية في الخارج مثل المعادن الأرضية النادرة، والنحاس والكوبالت لضمان أمن الامدادات.

اقتصادياً، هذا يعني اشتداد المنافسة على الشركات الغربية مع تزايد نفوذ الصين على الأسواق الناشئة والمتقدمة وإعادة رسم خريطة الاستثمار والتجارة العالمية في ظل سعي الشركات الصينية للتحوّط من المخاطر الجيوسياسية عبر الانتشار الجغرافي الواسع.  

"الاعتماد المتبادل غير المتكافئ" أكثر ما يقلق الكثير من الدول في تعاملها مع الصين، ولا سيما الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي التي باتت تبحث عن طريقة للتقليل من اعتمادها على الصين، إذ إن تلك الدول دفعت ثمن اعتمادها على روسيا كمصدر وحيد للطاقة.

عودة تلك الدول إلى توثيق علاقاتها مع الصين لا يمكن النظر إليه كإستراتيجية بقدر ما هو رد فعل أوروبي على سياسات ترامب الذي فرض رسوماً تجارية على الجميع، ولم يفرق بين عدو ولا صديق، حتى بريطانيا باتت اليوم تشعر بخيبة أمل من تحالفها التاريخي مع الولايات المتحدة.

تلك المعطيات لا تنفي وجود سبع أزمات تواجهها الصين، وهي: أزمة المعاشات والشيخوخة السكانية، انهيار القدرة المالية للحكومات المحلية، ركود وانكماش سوق العقارات، الضغوط على البنوك الصغيرة والمتوسطة، تراجع أرباح وإنتاج الصناعة، انهيار معدلات المواليد والتراجع السكاني وتباطؤ الصادرات والطلب العالمي.