الصين تبتعد عن الدولار.. ماذا وراء سحب استثماراتها من سندات الخزانة الأميركية
الانفصال الاقتصادي التام بين الصين والولايات المتحدة لا يمكن أن يتحقق من دون تكبّد خسائر اقتصادية وجيوسياسية جسيمة، في حين أن الانفصال الانتقائي الموجَّه نحو مجالات استراتيجية ممكن
-
الاقتصاد الصيني.. انكماش استراتيجي أم مناورة سياسية؟
كانت الصين أكبر دائن للولايات المتحدة في العالم، تفوقت عليها اليابان في العام 2019، ثم المملكة المتحدة في العام الماضي. وقبل أيام أقدمت الصين على تقليص استثماراتها في أذون الخزانة الأميركية، وهو تطور يعكس تغيّرات في إدارة الاحتياطيات الدولية واستراتيجية التنويع المالي. قد يُعزى هذا الانخفاض إلى عوامل متعددة من بينها رغبة السلطات الصينية في تقليل المخاطر المرتبطة بالتعرّض للدولار الأميركي، والسعي للحصول على عوائد أعلى عبر أصول أخرى، أو تدابير سياسة نقدية داخلية تؤثر على مستويات الاحتياطيات.
يحمل تراجع حيازات الصين لأذون الخزانة آثاراً محتملة على أسواق السندات العالمية وأسعار الفائدة والميزان المالي بين البلدين؛ إذ قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على عوائد السندات الأميركية أو إلى إعادة توجيه تدفقات رأس المال نحو أصول أخرى.
التقييمات الدقيقة لهذه الخطوة تتطلب فهمَ حجم التخفيض، وتوقيته، وبدائله الاستثمارية، فضلاً عن قراءة السياسات النقدية والمالية ذات الصلة في الصين والولايات المتحدة لفهم انعكاسات هذا التحول بصورة كاملة.
تراجع حيازات الصين من سندات الخزانة سيسهم في تقليل سيولة السوق المتاحة للمؤسسات الدولية، ما قد يزيد التقلبات قصيرة الأجل. ينبغي تحليل بيانات المبيعات بانتظام وقراءة نيات السياسة النقدية والمالية الصينية لتقييم الدوافع الحقيقية والتبعات المحتملة على التوازن المالي الدولي.
وبالنسبة للمستثمرين وصانعي السياسات، فمن الضروري مراقبة حجم ووتيرة مبيعات الصين والتنسيق الدولي لتخفيف المخاطر النظامية المحتملة.
انكماش استراتيجي أم مناورة سياسية؟
تسعى الصين إلى إقامة نظام مالي موازٍ يقوم على الاحتياطيات الذهبية واليوان الرقمي المدعوم من الدولة كآليات لتقليل الاعتماد على النظام المالي الدولاري والوقاية من مخاطر تجميد الأصول المحتملة الناشئة عن سياسات عقابية أميركية. يهدف هذا التوجه إلى تنويع احتياطيات الصين الدولية وتعزيز قدرة المعاملات عبر الحدود بالعملة المحلية الرقمية، من خلال تشجيع تسويات التجارة والطاقة باليوان الرقمي وربط أجزاء من الاحتياطي بالذهب كحافظة قيمة تقاوم تقلبات العملة وقيود الوصول إلى النظام المصرفي الدولاري؛ ومن شأن مثل هذه الخطوات أن تغير ديناميات الاحتياطي العالمي، وتقلل الهيمنة الحصرية للدولار على المدفوعات الدولية، مع آثار محتملة على بنية التمويل الدولي والسياسة النقدية.
حثت الحكومة الصينية المؤسسات المالية التابعة لها على تقليل حيازتها لسندات الخزينة الأميركية، وهو ما ينبئ بالمزيد من التوتر في العلاقات بين البلدين.
بلغت قيمة الحيازات الأجنبية لسندات الخزينة الأميركية 9 تريليونات و355 مليار دولار في بداية العام 2026.
خلال السنوات الخمس الماصية تراجعت حيازة الصين من سندات الخزينة الأميركية بحوالى 35%. واستمر التراجع لتصبح في المرتبة الثالثة بعد اليابان والمملكة المتحدة، حيث تقلصت إلى 682.6 مليار دولار في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، بعد أن كانت 1.4 تريليون دولار في العام 2013.
وخلال عام واحد فقط من تشرين الثاني/نوفمبر 2024 وحتى تشرين الثاني/نوفمبر 2025 تراجعت حيازة الصين من سندات الخزانة الأميركية حوالى 10% (من 768.6 ملياراً إلى 682.6 مليار دولار)، وهي نسبة كبيرة جداً، يبدو أنها جاءت كإحدى الوسائل التي استخدمتها الصين للرد على الرسوم التجارية التي فرضها ترامب.
يبدو أن هذا الموقف يعود إلى عدة اعتبارات منها:
1. رغبة الصين في "تنويع الأصول" حيث اتجهت للاستثمار في الذهب والأسهم الخارجية والعملات غير الأميركية، لتعزيز السلامة والاستقرار العام للمحفظة الاستثمارية. ففي مجال الذهب بلغ احتاطي الصين في كانون الأول/ديسمبر 2025 74.15 مليون أونصة، بزيادة بلغت 30 ألف أونصة خلال شهر واحد فقط.
2. خشية الصين من تكرار "الدرس الروسي"، واستخدام الدولار كسلاح ضدها، حيث قامت الدول الغربية بتجميد الأصول الروسية البالغة حوالى 300 مليار دولار بعد الحرب في أوكرانيا.
3. التقليل من الاعتماد على الدولار والعمل على تدويل عملتها الوطنية "اليوان"، وخاصة أن الصين باتت تدعم التبادل التجاري بالعملات الوطنية مع عدد من الدول، ما يقلل من الطلب على الدولار، وبالتالي المزيد من الانخفاض في سعره.
4. الخوف من عدم قدرة الولايات المتحدة على السداد، حيث وصلت ديونها إلى أرقام غير مسبوقة (38.6 نريليون دولار).
5. توجه الصين إلى الاستثمار في إنشاء المصانع في جنوب شرق آسيا، ومشروعات الطاقة والتعدين في آسيا والشرق الأوسط وأميركا الجنوبية (حيث تتوافر الموارد هناك).
إن إقدام الصين على تقليل استثماراتها في سندات الخزانة الأميركية لا يُعد انكماشاً استراتيجياً أو مناورة سياسية بقدر ما هو تعبير عن سعيها لتلافي المخاطر المترتبة على ذلك.
أثر ذلك على اليوان الصيني...
البيع المتسارع والمفرط لأذونات الخزانة قد يؤدي إلى ارتفاع قيمة اليوان، وبالتالي يضعف محرك الصادرات القوي للصين من خلال عدة قنوات اقتصادية واضحة. أولاً، زيادة المعروض من الأصول المقومة بالعملة الأجنبية، أو تخفيض الحيازات الأجنبية للأصول المحلية يمكن أن يضغط على أسعار الفائدة أو يغير توقعات المستثمرين، ما يؤدي إلى تدفقات رأسمال معاكسة تعزز الطلب على اليوان وتدفعه إلى الصعود.
ثانياً، ارتفاع اليوان يرفع تكلفة الصادرات المقومة بالعملة المحلية بالنسبة للمشترين الأجانب، ما يقلص تنافسية السلع الصينية في الأسواق الدولية، ويؤثر سلباً على حصة الصين في سلاسل القيمة العالمية. ثالثاً، تأثير ارتفاع اليوان قد يترافق مع تباطؤ في النشاط الصناعي وتراجع أرباح الشركات المصدرة، ما ينعكس بدوره على معدلات التوظيف والنمو الاقتصادي الكلي.
لذا، فقد لجأت الحكومة الصينية إلى سيناريو البيع المعتدل والمنظم لأذونات الخزانة، الذي يتيح للسلطات القدرة على امتصاص الصدمات عبر أدوات السياسة النقدية والاحتياطيات الأجنبية. في حين أن البيع السريع وغير المنسق، قد يسبب تقلبات حادة في سوق الصرف، ويجبر البنك المركزي على تدخلات مكلفة، أو على التخفيف من سياسات دعم الصادرات. لذا، تتطلب إدارة حيازات أذونات الخزانة توافقاً دقيقاً بين إدارة الاحتياطيات، وسياسة سعر الصرف، ودعم القطاع التصديري للحفاظ على استقرار النمو الاقتصادي والتنافسية الخارجية.
هل يمكن تحقيق الانفصال بين الاقتصادين الصيني والأميركي...
للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي تمييز أبعاد الانفصال ومجالاته: هل المقصود تقليص الاعتماد التجاري، وفصل سلاسل القيمة التكنولوجية، وعزل نظم المدفوعات والتمويل، أم فرض حواجز استثمارية دائمة؟ كل بُعد يحمل متطلبات وإمكانات مختلفة تجعل احتمالَي النجاح والفشل متباينين.
أولاً، الفوائد المحتملة للانفصال الجزئي أو الانتقائي:
حماية الأمن القومي: تقليل الاعتماد على تكنولوجيا حساسة أو مكونات استراتيجية قد يحد من مخاطر تسريب المعرفة أو تعطيل البنى التحتية الحيوية. مثال ذلك، إجراءات الحد من صادرات أشباه الموصلات أو تقنيات الاتصالات.
تحفيز التنويع الصناعي المحلي: سيعجّل الانفصال بجهود الدولتين لتطوير صناعات داخلية بديلة، ما قد يؤدي إلى خلق فرص استثمارية ووظائف في قطاعات محددة.
وضوح جيوسياسي واستقلالية اتخاذ القرار: قد تمنح سياسات الانفصال حكومتي البلدين هامشاً أكبر لصياغة سياسات خارجية وتجارية غير مقيدة بمصالح اقتصادية متشابكة.
ثانياً، التحديات والسلبيات الجوهرية:
التكلفة الاقتصادية والرفاهية الاستهلاكية: الانفصال الشامل يُعيد تشكيل سلاسل الإمداد العالمية وينتج عنه ارتفاع في تكاليف الإنتاج والأسعار للمستهلكين والشركات، ما يترجم إلى تباطؤ نمو اقتصادي وربما تضخم.
تعقيد سلاسل القيمة: إعادة توطين الصناعات المتقدمة، كصناعة أشباه الموصلات أو تصنيع المعدات المتقدمة، تتطلب سنوات استثمارية ضخمة وبنى تحتية بشرية ومادية لا تتوافر بسهولة، ما يزيد من صعوبة التنفيذ الكامل.
آثار متبادلة على السوق المالي والتمويل: فصل نظم المدفوعات أو فرض قيود مالية يعرّض الأسواق العالمية لتقلبات وسيولة أقل، وقد يؤدي إلى إعادة تسعير أصول واسعة ويزيد تكاليف الاقتراض.
الانعكاسات الجيوسياسية والردود الانتقامية: سياسات الانفصال قد تثير انتقامات تجارية أو سياسات موازية من دول ثالثة، ما يزيد تعقيد إدارة العلاقات الدولية ويخلق انقساماً أوسع في النظام الاقتصادي العالمي.
أثر ذلك على دول ثالثة وسلاسل الإمداد العالمية: العديد من الاقتصادات الناشئة والبلدان المصدرة يعتمد على تكامل الصين والولايات المتحدة؛ الانفصال قد يضاعف عدم اليقين ويقلّص النمو العالمي.
ثالثاً، اعتبارات عملية ودرجات الانفصال الممكنة:
الانفصال الجزئي الانتقائي أكثر واقعية من الانفصال الكامل: استهداف قطاعات محددة تمثل مخاطر أمنية أو استراتيجية (مثل تقنيات الاتصالات المتقدمة أو الذكاء الاصطناعي الحساس) يسمح بالتقليل من التكلفة الكلية.
سياسات التنويع والشبكات البديلة: تشجيع الدول على تنويع الشركاء التجاريين وبناء تحالفات تقنية واقتصادية يمكن أن يخفّفا من أثر الانفصال الأحادي الجانب.
أطر الحوكمة الدولية: الحفاظ على قنوات دبلوماسية وتجارية تحد من التصعيد وتسمح بإدارة النزاعات التجارية والتكنولوجية بشكل أقل تعطيلًا للسوق.
الانفصال الاقتصادي التام بين الصين والولايات المتحدة لا يمكن أن يتحقق من دون تكبّد خسائر اقتصادية وجيوسياسية جسيمة، في حين أن الانفصال الانتقائي الموجَّه نحو مجالات استراتيجية ممكن ويُستخدم كأداة سياسية وأمنية.
لذلك يجب الموازنة بين حماية الأمن القومي والحفاظ على استقرار الأسواق، عبر اعتماد استراتيجيات تنويع سلسلة الإمداد، واستثمارات طويلة الأمد في القدرات المحلية، وتعزيز الحوار الدولي لإدارة تبعات الانفصال المحتمل.
الانفصال الكامل بين الاقتصادين سيكون بمنزلة انتحار متبادل، فالاقتصاد الأميركي لا يزال يعتمد على السلع الصينية الرخيصة، وخاصة مع ازدياد نسب التضخم.